ليبيا

أوغلو: ليبيا تمتلك مقومات القوة لكنها تفتقد القرار

اعتبر الأكاديمي والباحث السياسي التركي، مهند أوغلو، أن النظام الدولي الجديد يتجه نحو زيادة مركزية القرار بدلاً من التعددية التي يروج لها البعض، مؤكدًا أن سياسات الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تعكس توجهًا نحو الزعامة الفردية في الملفات الدولية.

وأوضح أوغلو، في تصريحات لقناة “الوسط”، أن الواقع الدولي الحالي يظهر تصاعد مركزية القرار، حيث تزداد قوة الدول الكبرى في تحديد مسارات السياسة العالمية، سواء كانت حليفة أو غير صديقة للولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن هذه المركزية توفر وضوحًا في التحرك السياسي لكنها تقلل في الوقت ذاته من مساحة الحوار متعدد الأطراف والرؤى المختلفة، ما يحد من القدرة على تقديم حلول للمشكلات المعقدة دولياً.

وأشار أوغلو، إلى أن التوجه الأمريكي في بعض الملفات، مثل الأزمة الأخيرة في فنزويلا ومحاولة التأثير على الرئيس نيكولاس مادورو، يعكس أسلوبًا يشبه أفعال العصابات أو المافيات لتحقيق أهداف محددة، بعيدًا عن القواعد الدولية أو الاعتبارات القانونية.

وأضاف أن هذا التوازن بين المركزية وفقدان تعددية الرؤى يجعل المشهد الدولي معقدًا ويستدعي نضجًا سياسيًا واعيًا من جميع الدول، خصوصًا في الملفات الصغيرة التي قد تؤثر على المسارات الكبرى.

وأكد الباحث السياسي، أن هذه المرحلة الحرجة تتطلب من الدول فهم حدود تأثير المركزية الأمريكية، والاستفادة من وضوح السياسات الأمريكية، مع الحرص على إيجاد آليات للتعامل مع المشكلات المتعددة والمتشابكة في آن واحد.

وأشار أوغلو، إلى أن تركيا تعد من الدول الرابحة في المشهد الإقليمي الراهن، حيث تعمل بالتوازي مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على صياغة الواقع السياسي في الشرق الأوسط.

وأضاف أن هذه الدول تمتلك رؤية واضحة تركز على وحدة الأراضي ومركزية الحكم، على عكس تيار آخر في المنطقة، تقوده إسرائيل، يسعى إلى تفكيك بعض الدول مثل اليمن والسودان والصومال، ما يعكس صراعًا طويل الأمد يحتاج إلى وقت لحسمه.

وأوضح أوغلو، أن الملف الليبي يقع في بؤرة هذا الصراع الإقليمي، مؤكدًا أن محاولات تقسيم ليبيا تواجه تحديات كبيرة على الصعيد الداخلي، إذ تجعل المعطيات الداخلية من الصعب تحويل البلاد إلى دولتين منفصلتين.

وحذر أوغلو، من عقلية الولايات المتحدة في إدارة الشؤون الدولية، مشيرًا إلى أنها تراهن على “الكسب الكلي” أو “الخسارة الكلية”، وتضع كل الأوراق على طاولة المقامرة الدولية، ساعية لتوسيع نفوذها العالمي، سواء في الشرق الأوسط أو مناطق أخرى، معتمدة على قوتها الاقتصادية والعسكرية.

كما لفت إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الكبرى الأخرى مثل الصين وروسيا، مشيرًا إلى أن غياب المبادرة الفاعلة من هاتين الدولتين يزيد من المساحة التي تستغلها الولايات المتحدة للهيمنة على النظام الدولي.

وأضاف أن السياسة الأمريكية الجديدة تجعل الدول أشبه بـ “سلع” يتم التعامل معها وفق منطق المقامرة السياسي، حيث تتحول الأرضية الدولية إلى أدوات لتحقيق مصالح واشنطن، معتبراً أن هذا التحوّل يمثل انحرافًا وقحًا عن الأعراف الدبلوماسية التقليدية مقارنة بما كان معمولًا به خلال العقود الماضية منذ الحرب العالمية الأولى.

وأوضح أوغلو، أن التحركات الأمريكية المباشرة أصبحت واضحة ومباشرة، دون أي إطار دبلوماسي يحد من أهدافها، ما يفرض على الدول الفاعلة إعادة تعريف استراتيجياتها ومواقفها الدولية.

وفيما يتعلق بتركيا، أكد أوغلو، أن أنقرة تعتبر من الدول الفاعلة التي تصنع الواقع الدولي إلى جانب واشنطن والسعودية، مشيرًا إلى أن هذه الدول تعمل على تعزيز وحدة بلادها ومركزية الحكم، في مقابل بعض القوى الإقليمية التي تسعى لتفكيك دول معينة مثل السودان والصومال، مع بروز الملف الليبي في قلب هذا الصراع.

كما أشار إلى التحالف الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان، واصفًا إياه بأنه محاولة لضمان بدائل استراتيجية وحفظ القوة والنفوذ لهذه الدول، دون انتهاك النظام الدولي بشكل مباشر، لكنه يعكس غياب الندية في العلاقات الدولية الجديدة.

وأضاف أن الصراع “الأمريكي – الأوروبي” حول الحرب “الروسية – الأوكرانية” يظهر كيف تسعى واشنطن لكسر شوكة الاتحاد الأوروبي ومنع استقلاله العسكري، مستغلة في الوقت ذاته بعض التوافقات غير المعلنة مع روسيا لدعم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.

وحول ليبيا، أوضح أوغلو، أن البلاد تمتلك القدرة على استثمار التحولات الدولية لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية، مشيرًا إلى أن غياب التضحية السياسية من أي جهة يجعل البلاد عرضة للتدخل الخارجي، حيث تستفيد قوى إقليمية ودولية من تعطيل السياسات الليبية، بينما يتضرر الليبيون أولًا.

كما لفت أوغلو، إلى الدور التركي في ليبيا، مبيناً أن أنقرة حرصت على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وقدمت دعمًا مستمرًا للقوى الليبية، لكنها لم تتمدّد بشكل تعسفي أو تستغل الأوضاع الداخلية، محققة توازنًا بين مصالحها ومصالح الدولة الليبية.

واختتم أوغلو، بالقول إن ليبيا دولة ذات إمكانيات عظيمة وموقع استراتيجي فريد في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، لكنها بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية لتوظيف هذه الإمكانيات وتحويلها إلى قوة فعلية تخدم مصالح الشعب الليبي، بعيدًا عن التدخلات الخارجية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى