ليبيا

«الشريف»: حل أزمة الدولار مرتبط بإصلاح المصارف والرقابة على السوق

اعتبر الخبير الاقتصادي، إدريس الشريف، أن إعلان مصرف ليبيا المركزي، البدء في توفير العملة الأجنبية نقدًا لتغطية الأغراض الشخصية والتجارية، يُعد خطوة إيجابية، شريطة اتخاذ الإجراءات الصحيحة التي تمنع تكرار السلبيات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

وأوضح «الشريف»، في تصريحات لقناة «ليبيا الحدث»، ورصدتها «الساعة24»، أنه لم يجد دليلاً أو قراراً دولياً واضحاً يثبت صحة الحديث عن وجود حظر دولي على توريد العملة الأجنبية إلى ليبيا لأكثر من 15 سنة، مضيفا أن الجهات المعنية طُلب منها مرارًا تحديد الجهات الدولية التي فرضت هذا الحظر المزعوم، دون الحصول على إجابة دقيقة.

وأشار إلى أن اللجوء سابقًا إلى توفير العملة الأجنبية عبر بطاقات الاعتماد للأغراض الشخصية، بدلاً من النقد تسبب في خسائر كبيرة للاقتصاد الليبي، فضلاً عن مشكلات أمنية تعرض لها المواطنون نتيجة اضطرارهم لاستخدام هذه الآليات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وأكد أن البدء فعليًا في صرف العملة الأجنبية نقدًا، مع التأكيد الرسمي على عدم وجود عوائق قانونية أو دولية، يعد تطورًا إيجابيًا، لكنه شدد على ضرورة وضع ضوابط واضحة وإجراءات رقابية صارمة لتفادي آثار السياسات السابقة السلبية.

وأشار إلى أهمية أن يتوفر لدى المصرف المركزي، الموارد الكافية والقدرة العملية للاستجابة لحجم الطلب الفعلي على النقد الأجنبي، بما يساهم جزئيًا في التأثير على سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي والحد من تدهور القوة الشرائية للمواطن.

وقال الشريف، إن الدور الأساسي في بيع وتنظيم النقد الأجنبي يجب أن يظل من اختصاص المصارف التجارية، مؤكداً أن شركات الصرافة في جميع دول العالم تؤدي دورًا مساندًا للمصارف وليست بديلاً عنها، خصوصًا في الدول التي يمتلك فيها المواطنون حسابات مصرفية مرتبطة بالكامل بالمصرف المركزي وتخضع للرقابة والمتابعة.

وانتقد الشريف، سياسة الاعتماد على بطاقات الدفع الأجنبية التي طبقت خلال السنوات الماضية، معتبرًا أنها أهدرت مليارات الدينارات من الاقتصاد الليبي، بسبب العمولات المرتفعة التي تحصل عليها شركات الصرافة، إضافة إلى تكاليف السحب والتحويل والسفر وفروق أسعار الصرف عند استخدام هذه البطاقات خارج البلاد.

وأشار إلى أن المواطن الليبي عند استخدام البطاقة في دول مثل الأردن يضطر لتحمل عمولات مزدوجة نتيجة تحويل الدينار إلى الدولار ثم إعادة التحويل، بالإضافة إلى عمولات السحب والشحن وما يصاحب ذلك من أعباء مالية وأمنية، كاشفًا أن نحو 200 ألف بطاقة حالياً تحت المتابعة القانونية بسبب سوء الاستخدام والاتجار بها.

وأكد أن هذه السياسات أوقعت الاقتصاد الليبي في خسائر جسيمة، مشددًا على أن الأرقام تتعلق بمليارات حقيقية كان يمكن تفاديها لو تم تطبيق القانون بشكل صحيح منذ البداية، مطالبًا بمساءلة الجهات التي اتخذت هذه القرارات رغم توفر البدائل القانونية والمؤسسية.

وأضاف أن المصرف المركزي كان بإمكانه، حتى في ظل شح السيولة النقدية، وضع مخصصات الدولار في حسابات المواطنين، مع السماح لهم بالتحويل الخارجي دون تسليم النقد الأجنبي “كاش”، مشيرًا إلى أن الدولار لم يكن منعدمًا كما يُشاع، بدليل تسليم مبالغ نقدية لمسؤولين ومسافرين في فترات سابقة.

وحول سبب إدخال شركات الصرافة في الآلية الجديدة، تساءل الشريف، عن جدوى إضافة أطراف جديدة إلى منظومة يمكن أن تعمل بالكامل عبر المصارف، محذرًا من أن ذلك قد يؤدي عمليًا إلى ترخيص السوق الموازي بشكل غير مباشر بدلاً من ضبطه.

وبيّن أن السيناريو المتوقع يتمثل في قيام المواطن بشراء مخصصه بالسعر الرسمي عبر شركة الصرافة ثم إعادة بيعه أو الاتجار به، ما يعيد إنتاج نفس الإشكاليات السابقة، خاصة مع وجود طلب مرتفع على النقد الأجنبي من فئات واسعة غير منخرطة في النظام المصرفي، مثل العمالة الأجنبية في قطاعات البناء والصيانة وغيرها.

ورأى الشريف، أن تنظيم سوق النقد الأجنبي يتطلب حلولًا واقعية تأخذ في الاعتبار طبيعة الطلب الفعلي، داعيًا إلى إصلاح حقيقي للمنظومة المصرفية بدلاً من تحميل شركات الصرافة أدوارًا تتجاوز طبيعتها، مؤكدًا أن السوق يجب أن يُنظم لا أن يُدار عبر مسارات مكلفة ومعقدة.

ووصف السياسات الحالية في ليبيا بأنها ليست سياسة اقتصادية متكاملة بالمعنى الأكاديمي، بل مجموعة إجراءات آنية وردود أفعال تهدف إلى معالجة أزمة قائمة، مشبهًا إياها بـ”إطفاء الحرائق”، مؤكدًا أن السياسات الاقتصادية الرئيسية سواء المالية، والتجارية، والنقدية تفتقر إلى التنسيق فيما بينها.

وأشار إلى أن أي ضخ للعملة الأجنبية سيكون له أثر إيجابي مقارنة بالحجب، لكنه شدد على أن الآليات المعتمدة معقدة ولا تحقق الهدف المعلن وهو القضاء على السوق السوداء.

وأضاف أن إدخال شركات الصرافة كوسيط بين المصرف المركزي والمواطن يثير تساؤلات حول جدوى هذه الخطوة، متسائلاً عما إذا كانت ستؤدي إلى نموذج مشابه للأردن؛ حيث يوجد سعر موحد للدولار ولا سوق موازية، لكنه رأى أن هذا السيناريو غير مرجح في ليبيا لأسباب بنيوية.

وبيّن الشريف، أن الطلب على العملة الأجنبية لا يقتصر على الأغراض الشخصية المحددة بسقف 2000 دولار، إذ توجد فئات واسعة تحتاج إلى الدولار ولن تحصل عليه عبر القنوات الرسمية، ما يعني استمرار الطلب في السوق الموازية، موضحا أن حديث المركزي عن المطابقة اليومية لمبيعات المخصصات صحيح إجرائيًا، لكنه لا يمنع قيام شركات الصرافة بإعادة بيع الدولار في السوق بسعر أعلى، مستفيدة من الفجوة بين العرض والطلب.

وبينّ أن النشاط الأساسي لهذه الشركات سيظل مرتبطًا بالسوق السوداء طالما استمر الطلب المرتفع، مشيرًا إلى أن هامش البيع المعلن، سواء كان 2% أو 5% أو 7%، سيحقق أرباحًا كبيرة على حساب المواطنين دون معالجة جوهر الأزمة.

وشدد على أن الثقة والديمومة عنصران أساسيان لنجاح أي سياسة نقدية، موضحًا أن لجوء المواطنين لتحويل مدخراتهم إلى الدولار سببه الرئيسي انعدام الثقة في الاستقرار الاقتصادي.

واستشهد ببيانات المصرف المركزي للعام الماضي التي تشير إلى عجز في العملات الأجنبية بنحو 9 مليارات دينار، ناتج أساسًا عن نقص الإيرادات النفطية منذ سبتمبر، وهو ما تفاقم منذ يناير الماضي، مؤكدا أن الإيرادات النفطية لم تتجاوز مؤخرًا 880 مليون دولار، بعد أن كانت تفوق 2.5 مليار دولار، رغم استمرار مشكلات تمويل المحروقات، مما يعكس وجود مشكلة هيكلية عميقة تتجاوز صلاحيات المصرف المركزي.

وحذر الشريف، من أن أي قفز غير مدروس في أسعار الصرف سيحمل المواطنين أعباء إضافية، خصوصًا أولئك الذين يحتاجون العملة الأجنبية لأغراض أساسية مثل الدراسة والعلاج، موضحًا أن مبالغ مثل 10 آلاف دولار غالبًا تُستخدم لأغراض إنسانية وليست للمضاربة.

وأكد أن الإشكالية ليست في امتلاك الدولار، بل في كيفية استخدامه، خاصة عند تحويله إلى اعتمادات مستندية أو تحويلات خارجية، حيث تمر هذه العمليات عبر النظام المالي الأمريكي، تحديدًا الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الذي يراقب التحويلات للتأكد من عدم ارتباطها بتمويل الإرهاب أو غسل الأموال.

وختم الشريف، بالتأكيد على أن إدخال شركات الصرافة قد يكون خطوة إيجابية إذا ما تم ضبطها وتنظيمها بشكل صارم، بما يسهم في إنهاء السوق الموازية، وتوفير النقد الأجنبي في مختلف المناطق، وتحقيق استقرار الأسعار، مشددًا على أن الهدف النهائي للمصرف المركزي يتمثل في استقرار الأسعار، وتعزيز قوة الدينار الليبي، وتوفير السلع، ومحاربة التضخم، معتبرًا أن السياسات الحالية وسائل لتحقيق هذه الغايات وليس غايات بحد ذاتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى