«الفيتوري»: نجاح أي سياسة لتثبيت سعر الصرف مرتبط بالمصرف المركزي

أكد الخبير الاقتصادي، عطية الفيتوري، صعوبة تقدير احتياجات السوق من الدولار، مشيراً إلى أن ضخ 600 مليون دينار شهرياً قد لا يكون كافياً في ظل غياب السيولة النقدية الأجنبية منذ نحو 15 عاماً.
وأوضح «الفيتوري»، في مداخلة على تلفزيون «المسار»، ورصدتها «الساعة24»، أن الوضع كان مختلفاً في السابق، حيث كان المواطنون قادرين على الحصول على دولارات نقدية بسهولة من المصارف، وقد يحصل البعض على مبالغ كبيرة من أكثر من مصرف في آن واحد، أما اليوم، وبعد فترة طويلة من شح الدولار في السوق، فإن الطلب على النقد الأجنبي لا يزال مرتفعاً ومتوقعاً أن يستمر.
واقترح «الفيتوري»، أن يقوم المصرف المركزي، بدراسة دقيقة لحجم الطلب الفعلي قبل اتخاذ أي قرار بضخ 600 مليون دينار شهرياً، مشدداً على ضرورة البدء بمبالغ صغيرة مثل ألفين دولار للفرد، على أن تتم زيادة المبلغ تدريجياً لاحقاً إلى خمسة أو ثمانية آلاف دولار وفق نتائج التجربة واحتياجات السوق.
وأشار إلى أهمية مراعاة الوضع المالي للمواطنين العاديين، عبر احتساب عدد الحسابات المصرفية التي تمتلك رصيداً مناسباً، على سبيل المثال لا يقل عن أربعة إلى خمسة آلاف دينار ليبي، لتحديد حجم النقد الأجنبي الواجب ضخه بدقة، مؤكدا أن التجربة الأولية يجب أن تستمر لثلاثة أشهر على الأقل، بهدف “جس نبض السوق” والتأكد من قدرة المصرف المركزي على تلبية الطلب دون حدوث نقص أو أزمات في نهاية الشهر، مؤكداً أن الخطوة الأهم هي دراسة الاحتياجات الفعلية للمواطنين الذين لديهم حسابات مصرفية، وتقدير المبالغ التي يمكن أن يحصلوا عليها، لضمان أن عملية ضخ الدولار في السوق تتم بشكل مدروس ومنظم.
وبينّ «الفيتوري»، أن ضخ مبلغ 600 مليون دولار من قبل المصرف المركزي قد يؤدي إلى انخفاض سعر صرف الدولار في السوق السوداء خلال الأيام الأولى، لكنه شدد على أن هذا مرتبط بتوافر الدولار بما يكفي لتغطية الطلب الموجود في السوق.
وأوضح أن جزءاً من هذه الأموال كان سيتجه تلقائياً إلى السوق السوداء، وأن منحها مباشرة بالسعر الرسمي سيقلل من الحاجة للجوء إلى السوق غير الرسمية، ما قد ينعكس إيجاباً على الأسعار في المدى القصير، شريطة أن يغطي العرض الطلب، مشيرا إلى أن السعر في السوق الموازية سينخفض إذا كان العرض يساوي الطلب عند السعر الرسمي الذي حدده المصرف المركزي، لكنه أضاف أن العكس سيحدث إذا كان الطلب أكبر من العرض، نظراً للجفاف الحالي للدولارات في السوق المحلية.
ونوّه بأن الخسائر المتتالية في قيمة الدينار الليبي، والتي شهدت انخفاضاً بنسبة 14.7% منتصف يناير، بالإضافة إلى التخفيضات السابقة، تؤثر على سلوك السوق وتزيد من الطلب على الدولار، خاصة بين من يشعرون بنقص السيولة أو يرغبون في حماية مدخراتهم.
وعن مصدر الدولارات، اعتبر الفيتوري، أن السياسة الأمريكية لا تمنع ضخ الدولار إلى الخارج طالما يتم استخدامه في القنوات القانونية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ترى في قبول الدولارات حول العالم وسيلة لتخفيف الضغوط على ميزانيتها.
وشدد على أن نجاح أي سياسة لتثبيت سعر الصرف مرتبط بالمصرف المركزي نفسه، داعياً إياه إلى عدم خفض قيمة الدينار أو إظهار ضعف قدراته في السوق، لأن ذلك يضعف السياسة النقدية ويؤثر سلباً على استقرار العملة.
وأكد أن الشركات المكلفة بضمان توزيع الأموال، هي الضمانة الوحيدة لضمان توجيه هذه الدولارات في القنوات القانونية، وليس هناك ما يعيق الولايات المتحدة من ذلك طالما الاستخدام مشروع.
ورأى الفيتوري، أن المصرف المركزي، يواجه تحديات كبيرة في السيطرة على التضخم وتحسين قيمة الدينار، مشيراً إلى أن الاقتصاد الليبي يمتاز بطبيعة مختلفة عن بعض الاقتصاديات الأخرى، مما يحد من فعالية بعض أدوات السياسة النقدية التقليدية.
وبينّ الفيتوري، أن المصارف التجارية ومكاتب الصرافة لن تواجه منافسة مباشرة، نظراً لاعتمادها على الدعم المركزي، موضحاً: “لا تحصل أموال من دون المصرف المركزي، وإذا وُجدت أموال خارج هذا الإطار، فقد يظهر منافس آخر”.
لافتاً إلى أن من أبرز الأدوات الفعالة في الاقتصاد الليبي هي شهادات الإيداع، خاصة في ظل الإنفاق العام المرتفع، حيث تساعد هذه الشهادات في الحد من عرض النقود، وتحسين قيمة الدينار، وتقليل المضاربة على العملة. موضحاً أن قيمة الشهادات للأفراد تبلغ 10 آلاف دينار، بينما للمصارف تصل إلى مليون دينار، مع عوائد تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية وتقدر بنحو 6%.
وعن الأدوات الأخرى مثل الاحتياطي القانوني وسعر الخصم، لفت إلى أن فعاليتها محدودة في ليبيا، مؤكداً أن السبب الأساسي للتضخم لا يقتصر على زيادة عرض النقود، بل يشمل الفساد والمضاربة على انخفاض قيمة الدينار، وأضاف: “القضاء على التضخم يتطلب معالجة الفساد والمضاربة، وليس الاكتفاء بضخ العملة فقط”.
كما لفت الفيتوري، إلى نظام توزيع الاعتمادات المصرفية بين المصارف التجارية ومكاتب الصرافة، مشيراً إلى أن المصارف التجارية تتعامل بالاعتمادات الكبيرة التي تتطلب مراسلة خارجية، بينما تتولى مكاتب الصرافة التحويلات الصغيرة للأفراد والعائلات، مشيراً إلى أن هذا النظام يطبق في بعض الدول الأخرى.
وشدد على أهمية المراقبة الدقيقة لمنع التلاعبات في سوق العملات، مستعرضاً تجاربه السابقة كمجلس إدارة في أحد المصارف، حيث شهد حالات تلاعب باستخدام بطاقات شخصية، مؤكداً أن الرقابة الدقيقة ضرورة لضمان استقرار النظام النقدي.
وأكد أن استقرار الدينار الليبي يمثل حجر الزاوية لأي نمو اقتصادي حقيقي، وقال: “لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية أو رفع مستوى دخل الفرد طالما أن العملة الوطنية غير مستقرة”، منوهاً بأن تحقيق الاستقرار المالي يتطلب توزيعاً عادلاً للعملة الأجنبية، وهو ما وصفه بالمعيب حالياً، وأضاف: “لا يوجد عدالة في توزيع العملة حتى في الاعتمادات، وحتى الحصول على الدولار مباشرة من السوق يعاني من فساد واضح”.
وتابع: “الفساد يعتبر أحد العوامل الرئيسة التي أدت إلى تراجع قيمة الدينار والوضع الاقتصادي المزري في ليبيا، ورغم أن المصرف المركزي، لا يمكنه القضاء على الفساد بمفرده، مشددا على ضرورة عمل مؤسسات الدولة جميعها بشكل منسق لضمان الشفافية والعدالة في العمليات المالية”.
وتطرق إلى ملف الاعتمادات قائلاً: “المصرف المركزي مسؤول عن منح الاعتمادات، بالتنسيق مع المصارف التجارية، لكن الواقع يظهر فساداً واضحاً، حيث يحصل البعض على الاعتمادات بسهولة بينما يُرفض طلب آخر دون مبرر”.
وأردف: تعدد الحكومات والمؤسسات أدى إلى غياب التكامل بين السلطات التنفيذية، ما أضعف فعالية المصرف المركزي، في تنفيذ سياساته المالية بشكل صحيح، وخلص إلى أن المصرف المركزي بحاجة إلى دعم مؤسساتي وسياسي لمواجهة الفساد وضمان استقرار العملة، مؤكداً أن أي جهود فردية تبقى محدودة النتائج دون تعاون شامل.
ورأى «الفيتوري»، أن شهادات الإيداع تمثل وسيلة آمنة لتحقيق الأرباح، مشيراً إلى أن الربح شبه مضمون عند الاستثمار عبر المصرف المركزي، موضحا أن المصارف التجارية تأخذ جزءاً من الأرباح، فيما يذهب الباقي لصاحب الوديعة.
وتطرق الفيتوري، إلى مسألة الثقة في المصارف، مشيراً إلى أن الثقة كانت قوية قبل عام 2000، وحتى عام 2012، لكن انقسام الحكومة والمصرف المركزي أدى إلى فقدان الناس للثقة في النظام المصرفي.
ورأى أن المصرف المركزي لديه القدرة على إعادة الثقة إلى الجمهور وإعادة الدينار الليبي إلى التداول داخل النظام المصرفي، موضحاً أن التركيز يجب أن يكون على كبار التجار وأصحاب الملايين الذين يمتلكون أموالاً كبيرة، وقال: “نريد إقناع هؤلاء بإعادة الأموال التي حصلوا عليها من المستهلكين، وهذا ممكن عبر المجالس التجارية والغرف التجارية ومديري المصارف الذين يمكنهم التأثير على زبائنهم المهمين.
وأكد الفيتوري، أن إعادة الأموال الكبرى إلى المصارف وتحقيق الثقة في النظام المصرفي يتطلب جهوداً متضافرة من جميع الجهات المعنية لضمان استقرار القطاع المالي ودعم الاقتصاد الوطني.









