الفيتوري: ليبيا تحتاج إلى ضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة

قال المحلل السياسي الليبي الأمريكي فيصل الفيتوري إن ما يُطرح حالياً تحت عنوان “المصالحة الوطنية” لا يمثل في جوهره مصالحة حقيقية، بل يعد محاولة لإعادة تدوير فشل سياسي قديم بواجهات وأساليب مختلفة.
وفي تدوينة نشرها على حسابه بموقع فيسبوك، اعتبر الفيتوري أن الأزمة في ليبيا ليست أزمة مصالحة بقدر ما هي أزمة عدالة مؤجلة ومحاسبة جرى تجنبها لعقود، مؤكداً أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على تسويات شكلية أو تجاوز إرث أربعة عقود من الإفساد الممنهج دون مساءلة.
وأشار إلى أن نظام سبتمبر انتهى سياسياً وتاريخياً وأخلاقياً، ولا يمكن التعامل معه كمرحلة عابرة بلا آثار، كما لا يمكن القبول بإعادة إنتاج نفس العقليات التي شاركت فيه أو استفادت من أدواته لاحقاً، حتى مع تغير الأسماء والواجهات.
وأوضح الفيتوري أن الجيل الذي تشكل وعيه السياسي خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، والمتأثر بالأيديولوجيات القومية والماركسية، كان المحرك الرئيسي للإخفاقات التي أعاقت قيام الدولة، وهو نفسه الذي تصدر المشهد السياسي بعد ثورة فبراير، بدءاً من المجلس الانتقالي مروراً بالمؤتمر الوطني والبرلمان والأجسام السياسية المتعاقبة، دون أن يتمكن من بناء مؤسسات دولة مستقرة.
وأضاف أن التطورات الدولية، خصوصاً في المسار الذي يتشكل بقيادة الولايات المتحدة، تعكس توجهاً جديداً للتعامل مع الملف الليبي بواقعية سياسية، تأخذ في الاعتبار تراكمات تاريخية بدأت منذ العهد الملكي وترسخت خلال حقبة سبتمبر، وأدت إلى تشوهات سياسية واقتصادية وفكرية أعاقت نشوء الدولة.
وأكد أن ليبيا لا تحتاج إلى إعادة تدوير النخب السياسية، بل إلى ضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن الجيل الذي وُلد خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي يُعد الأكثر قدرة على قيادة المرحلة المقبلة، لكونه لم يتورط في الصراعات الأيديولوجية ولم يُستنزف في صراعات الماضي.
وبيّن الفيتوري أن ليبيا لم تعرف تجربة ديمقراطية مكتملة في العهد الملكي أو خلال فترة حكم القذافي أو حتى بعد ثورة فبراير، معتبراً أن انتظار نموذج ديمقراطي ناضج في مجتمع لم تتح له فرصة ممارسته يعد وهماً سياسياً، وأن البلاد تحتاج إلى قيادات قادرة على إدارة الواقع واتخاذ قرارات عملية.
وشدد على ضرورة إدخال ما وصفه بـ”الأوكسجين السياسي الجديد” القائم على البراغماتية والكفاءة وإدارة الممكن، بعيداً عن الشعارات والصراعات الأيديولوجية، مؤكداً أن استمرار تدوير الوجوه السياسية القديمة يمثل وصفة مؤكدة للفشل، بينما قد يمثل تمكين الجيل الجديد فرصة أخيرة لإنقاذ الدولة.
وختم الفيتوري بالإشارة إلى أن الليبيين لا يسعون إلى مصالحة شكلية أو تسويات مؤقتة، بل إلى بناء دولة قائمة على القانون والأمن والمحاسبة، مؤكداً أن التحولات التي شهدتها ليبيا على مستوى الوعي السياسي ستفرض معادلات جديدة في المشهد العام.









