الكاديكي: إلغاء ضريبة بيع العملة الأجنبية قد يخفف الضغط على الدينار الليبي

أكد الخبير الاقتصادي خالد الكاديكي، أن السوق الليبي يمر في الوقت الراهن بمرحلة اقتصادية صعبة، تتجلى ملامحها في حالة الاضطراب التي يشهدها سوق الصرف، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في الأسعار وتراجع قيمة الدينار الليبي أمام الدولار، الأمر الذي يعكس حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الوطني خلال هذه الفترة.
وأوضح الكاديكي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن هذه التطورات تأتي رغم الإجراءات والإصلاحات التي يعمل مصرف ليبيا المركزي على تنفيذها في محاولة لتنظيم السوق والتخفيف من الضغط الواقع على العملة المحلية.
وأشار إلى أن المركزي اتخذ مجموعة من الخطوات في هذا الاتجاه، من بينها دعم بعض الأسواق ببطاقات الأغراض، إضافة إلى فتح باب بيع الدولار عبر مكاتب الصرافة، وذلك بهدف توفير العملة الأجنبية من خلال قنوات رسمية والحد من الاعتماد على السوق الموازية.
وأضاف الكاديكي، أن التوقعات الأولية كانت تشير إلى أن هذه الإصلاحات قد تسهم في امتصاص جزء من الطلب على الدولار داخل السوق الموازية، خاصة بعد إتاحة شراء العملة الأجنبية عبر المصارف والقنوات الرسمية ومكاتب الصرافة، وهو ما كان من المفترض أن يؤدي إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، ومن ثم الحد من تراجع قيمة الدينار الليبي.
غير أن المؤشرات الحالية، بحسب الكاديكي، تعكس واقعًا مختلفًا؛ إذ لا يزال سعر الصرف في السوق الموازية يتراوح بين نحو 10.5 و11 دينارًا للدولار الواحد، رغم الإجراءات الأخيرة التي تم اتخاذها لبيع العملة الأجنبية عبر مكاتب الصرافة.
وأشار إلى أن من بين التدابير التي اتخذها المصرف المركزي فتح الاعتمادات المستندية عبر تحويلات نظام سويفت، إلى جانب منح بعض التجار في المنطقة الغربية اعتمادات بسعر 3.33 دينار للدولار. ورغم أن هذه الإجراءات كان يُفترض أن تسهم في تحقيق تراجع واضح في سعر الدولار داخل السوق الموازية، فإن تأثيرها حتى الآن لم يصل إلى المستوى المتوقع.
وفي المقابل، أوضح الكاديكي أن استمرار ارتفاع سعر الصرف بالتزامن مع زيادة بعض الرسوم والضرائب لا يسمح بحدوث انخفاض سريع وكبير في قيمة الدولار داخل السوق الموازية، وهو ما يعكس تعقيد المشهد الاقتصادي والمالي في البلاد.
وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات إضافية لمعالجة الوضع، من بينها تقليل الضريبة المفروضة على بيع العملة الأجنبية أو إلغاؤها بالكامل، إلى جانب العمل على تخفيض سعر الصرف ليصل إلى مستوى يقارب 3.60 دينار للدولار، بما يسهم في تحقيق قدر من التوازن داخل السوق خلال المرحلة الحالية، خاصة داخل المصارف التجارية.
وطُرح الكاديكي تساؤل حول مدى امتلاك مصرف ليبيا المركزي احتياطيات كافية من النقد الأجنبي تمكنه من الحفاظ على هذا السعر في حال ارتفاع الطلب، إضافة إلى التساؤل حول ما إذا كان فتح باب بيع الدولار قد يؤدي إلى زيادة طلب التجار على العملة الأجنبية بمعدلات قد تتجاوز قدرة المصرف المركزي على تلبيتها.
وبينّ أن الإجراءات التي يتخذها المركزي تقوم أساسًا على تنظيم العرض والطلب على العملة الأجنبية عبر التداول المباشر داخل المصرف، إلى جانب إتاحة المجال للأسواق ومكاتب الصرافة للعمل ضمن هذه المنظومة، إلا أنه أشار في الوقت ذاته إلى أن تحقيق استقرار فعلي لهذه الآلية في الوقت الراهن يظل أمرًا صعبًا في المدى القريب.
أما فيما يتعلق بتأثير هذه الإجراءات على السيولة النقدية بالدينار داخل المصارف التجارية، فأكد أن الاعتماد على المصارف التجارية يظل عنصرًا أساسيًا في إدارة السيولة، غير أنه لفت إلى أن الاحتياطيات المالية شهدت استنزافًا ملحوظًا، ما جعل عملية موازنة الإيرادات مع الطلب المتزايد على العملة الأجنبية أكثر تعقيدًا.
وبسبب هذا الوضع، أشار الكاديكي إلى أن المصرف المركزي اضطر إلى اتخاذ خطوة استثنائية تمثلت في توريد العملة الأجنبية عبر وزارة الخزانة الأمريكية بمعدل يقارب 600 مليون دولار شهريًا. معتبراً أن هذا الرقم يعد كبيرًا نسبيًا، خاصة وأن هذه العملية ترتبط بفوائد مالية تُحمَّل على هذه الأموال، ما يعني أن التكلفة النهائية ستشكل عبئًا إضافيًا على المواطنين وعلى المصرف المركزي نفسه، باعتبار أن هذه الأموال ستُسدد لاحقًا مع الفوائد المترتبة عليها.
كما أوضح أن هذه الخطوة جاءت في ظل صعوبة تغطية الفجوة الحالية من الاحتياطيات المتاحة، حيث يعتمد الاحتياطي الرسمي أساسًا على إيرادات بيع النفط بالعملة الأجنبية التي ترد عبر المصرف الخارجي، غير أن حجم الطلب الحالي على العملة الأجنبية تجاوز القدرة الفعلية للاحتياطي على سد هذه الفجوة، الأمر الذي دفع المصرف إلى اللجوء لاستيراد العملة الأجنبية من الخارج.
وأضاف أن المركزي كان قد طلب في وقت سابق توفير هذه السيولة مقابل الاحتياطيات المتوفرة لديه، إلا أن وزارة الخزانة الأمريكية رفضت هذا الطلب، ما دفع في النهاية إلى اعتماد صيغة أخرى تقوم على بيع العملة الأجنبية مقابل فوائد.
ورأى الكاديكي أن الوضع الحالي أفرز عمليًا مصدرين للعملة الأجنبية داخل المصرف المركزي؛ يتمثل الأول في الاحتياطيات الأجنبية الناتجة عن إيرادات النفط، بينما يتمثل الثاني في العملة الأجنبية المستوردة من الخزانة الأمريكية، غير أن الاحتياطي الأجنبي، بحسب تقديره، لا يزال غير قادر على سد الفجوة القائمة بشكل كامل.
وعند الحديث عن توقعات بعض المحللين بإمكانية ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية إلى نحو 15 دينارًا للدولار، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذا السيناريو مطروح بالفعل لدى عدد من الخبراء، موضحًا أن ارتفاع السعر قد يحدث في حال استمرار نقص المعروض من العملة الأجنبية، خاصة بعد فتح باب الطلب على العملات عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية الخاصة بشراء الدولار. واعتبر إنه في حال استمرار هذه الظروف دون توفير كميات كافية من العملة الأجنبية، فقد يصل سعر الصرف في السوق الموازية إلى هذا المستوى، معرباً في الوقت ذاته عن أمله في عدم تحقق هذا السيناريو لما قد يترتب عليه من تضخم اقتصادي واسع وانعكاسات مباشرة على أسعار السلع والخدمات، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتحويلات المالية.
وتطرق الكاديكي إلى مسألة إلغاء الضرائب وتأثيرها المحتمل على أسعار السلع المستوردة في السوق المحلية، مؤكدًا أن هذه القضية تمثل محورًا مهمًا في معالجة الأزمة الاقتصادية. مبيناً أن إلغاء الضرائب في بعض الدول يسهم في خفض الأسعار، مستشهدًا بتجارب دولية مثل الإجراءات التي اتخذتها الصين بإلغاء بعض الضرائب على سلع مرتبطة بالتجارة الخارجية، إضافة إلى قرارات مماثلة اتخذتها الولايات المتحدة بشأن تخفيف الضرائب على بعض السلع.
وأشار إلى أن إلغاء الضرائب قد يسهم في تخفيف حدة الارتفاع الكبير في الأسعار داخل السوق الليبي، وهو الارتفاع الذي يلاحظه المواطنون والاقتصاديون ووسائل الإعلام على حد سواء، لافتًا إلى أن مجرد الحديث عن فرض ضريبة جديدة كان كافيًا لإثارة حالة من القلق داخل السوق، الأمر الذي انعكس بدوره على الأسعار حتى قبل تطبيقها.
ولفت الكاديكي إلى أن المقترح المتعلق بالضريبة كان قد صدر عن مجلس النواب الليبي ضمن إطار تشريعي، إلا أنه لم يدخل حيز التنفيذ وتم إلغاؤه لاحقًا، معتبرًا أن هذه الخطوة كانت أقرب إلى مناورة سياسية منها إلى قرار اقتصادي فعلي.
واختتم الكاديكي حديثه بالتأكيد على أن فرض ضرائب جديدة في الوقت الحالي لا يبدو مناسبًا للوضع الاقتصادي في ليبيا، خاصة في ظل تعطل السياسة المالية نتيجة غياب حكومة موحدة قادرة على تنفيذ سياسات اقتصادية فعالة.
وشدد على أن ضبط السوق والاقتصاد يتطلب تدخلًا حكوميًا واضحًا وسياسات مالية فعالة، إلا أن غياب حكومة موحدة قادرة على فرض هذه السياسات جعل مصرف ليبيا المركزي يتحمل فعليًا الدور الأكبر في إدارة الملف الاقتصادي وتنظيم السوق خلال المرحلة الراهنة.









