ليبيا

“الكاديكي”: مسارات الأمم المتحدة في ليبيا تعيد الأزمة إلى “المربع الأول”  

اعتبر الخبير الاقتصادي، خالد الكاديكي، أن المسار الذي انطلق عبر بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، وما تفرع عنه من لجان استشارية وحوارات مهيكلة، يمثل عودة إلى “المربع الأول” للأزمة الليبية، موضحًا أنه جاء في سياق ترتيبات دولية مرتبطة بمرحلة ما بعد فرض العقوبات على ليبيا، وبالتقارير الدولية التي صنفت البلاد ضمن الدول الأعلى في مستويات الفساد.

وأوضح الكاديكي، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، ورصدتها “الساعة24″، أن هذا المسار نشأ نتيجة تراكمات تتعلق بضعف الإدارة العامة والمالية في الدولة الليبية، لا سيما في قطاعات المصارف والمؤسسات الاقتصادية، وهو ما دفع – بحسب قوله – إلى إدماج البعدين السياسي والاقتصادي في مسار واحد عبر البعثة الأممية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية، كانت في مراحل سابقة تمارس تأثيرًا مباشرًا على القرار السياسي الليبي من خلال المؤسسات التشريعية، وعلى رأسها مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى جانب الحكومتين في الشرق والغرب، ضمن ترتيبات اتفاق الصخيرات، الذي اعتبر أنه أُنشئ لتحقيق نوع من التوازن السياسي في البلاد.

وأضاف أن عملية توحيد الحكومة الحالية تمت ضمن “غطاء أممي جديد” يحمل أهدافًا مختلفة عن المسارات السابقة، لافتًا إلى أن الحوارات الجارية، بما فيها الحوار المهيكل، لا تحمل صفة الإلزام، لكنها تظل – بحسب وصفه – أداة لتقديم تصور عام حول الوضع الليبي.

وأوضح أن لجان الحوار المهيكل، تم اختيارها من كوادر يُعتقد أن لديها خبرات سابقة في إدارة الشأن العام، سواء من خلال العمل في مؤسسات الدولة أو المجتمع المدني أو مفوضية الانتخابات، معتبرًا أن الهدف من ذلك كان تقديم رؤية فنية وسياسية واجتماعية متكاملة حول الأزمة الليبية.

وفيما يتعلق بنتائج هذه المسارات، شدد على أن الحوار المهيكل لم يُنتج حتى الآن نتائج ملموسة على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن الإنجاز الأبرز تحقق من خلال اتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة بشأن توحيد الميزانية العامة، تحت رعاية أمريكية وبإشراف مباشر على آليات التنفيذ.

ولفت إلى أن هذه التطورات تضمنت كذلك خطوات اقتصادية تتعلق بتوحيد السياسة المالية ودعم استقرار سعر الصرف وتعزيز دور مصرف ليبيا المركزي، إلى جانب اتفاقات أمنية وعسكرية سابقة في مدينة سرت، أسهمت في توحيد بعض التشكيلات العسكرية في إطار واحد.

واعتبر الكاديكي، أن هذه النتائج جاءت عبر اتفاقات مباشرة بين أطراف فاعلة على الأرض، وليست بالضرورة نتيجة لمسار الحوار المهيكل، مشيرًا إلى أن ما تحقق حتى الآن يندرج ضمن تفاهمات عملية تهدف إلى الاستقرار الاقتصادي والأمني.

وأكد أن أي تقدم حقيقي في الملف الليبي، يظل مرتبطًا بثلاثة مسارات رئيسية، هي: توحيد الحكومة، وتوحيد الإنفاق العام والإيرادات، وتوحيد المؤسسة العسكرية، معتبرًا أن تحقيق هذه الأهداف قد يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة تقود إلى إجراء انتخابات شاملة.

ورأى الكاديكي، أن التحديات المرتبطة باستقرار الدولة الليبية تمثل “عائقًا كبيرًا” أمام بناء الدولة وتطورها، موضحًا أن غياب السيادة الاقتصادية الكاملة وتعدد مراكز القرار والإنفاق يضع ضغوطًا مباشرة على المؤسسات المالية، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي.

وأوضح أن الوضع الاقتصادي يمكن تشبيهه – من حيث الفكرة – بدولة لا تمتلك قدرة مستقلة على إدارة مواردها وتوجيه إنفاقها بالشكل الذي يخدم التنمية، مشيرًا إلى أن أي دولة تتوفر فيها حكومة وموارد ومجتمع تواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في كيفية إدارة هذه العناصر بشكل متوازن.

وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي، تحمّل خلال السنوات الماضية أعباء كبيرة نتيجة إدارة الإيرادات والإنفاق العام في ظل وجود حكومتين، ما دفعه إلى تبني سياسات نقدية معقدة، بما في ذلك التحكم في سعر الصرف لتغطية العجز وتوفير السيولة في ظل ضغوط تمويلية متزايدة على الاقتصاد الوطني.

وأشار إلى أن الاقتصاد الليبي يواجه التزامات ضخمة تتعلق بالإعمار والتنمية والبنية التحتية، لافتًا إلى أن هذه التحديات ليست استثنائية في التاريخ الاقتصادي، مستشهدًا بتجارب دول مثل ألمانيا واليابان، إلى جانب دول أخرى تمكنت من النهوض بعد أزمات حادة عبر بناء اقتصادي تدريجي.

وأكد أن الاقتصاد يمثل أحد أهم أدوات استقرار الدولة والنمو، مشددًا على أن إعادة بناء الدولة في ليبيا تمر بالأساس عبر إعادة بناء الاقتصاد، بما في ذلك تحديد الجهة القادرة على قيادة هذا المسار وتنفيذه بشكل مؤسسي ومنظم.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن بعض النماذج الدولية اعتمدت على مؤسسات منظمة في قيادة التنمية الاقتصادية، مستشهدًا بتجارب مثل مصر، حيث لعبت مؤسسات ذات طابع منظم دورًا في تنفيذ مشاريع تنموية واستثمارية أسهمت في دعم النمو الاقتصادي.

وأضاف أن المؤسسات الاقتصادية الفاعلة تحتاج إلى خبرات وقدرات تنظيمية وإدارية قادرة على تنفيذ مشاريع كبرى، معتبرًا أن الاستقرار الاقتصادي يتطلب وجود “منظومة واضحة ومنظمة على الأرض” قادرة على إدارة الموارد وإقناع المؤسسات الدولية بجدوى التعامل المالي والاستثماري.

وفيما يتعلق بالمجتمع الدولي، أوضح أن الجهات المالية الدولية، بما فيها المؤسسات الأمريكية، تشدد على ضرورة وجود نظام إداري ومالي واضح وشفاف قبل الإفراج عن الأموال أو دعم المشاريع، مؤكدًا أن غياب هذا الإطار يعرقل تدفق التمويل.

وشدد على أهمية التفكير في المستقبل الاقتصادي للأجيال القادمة، عبر وضع سياسات تضمن استدامة الموارد وتوزيعها بشكل مدروس، بما يحقق ما وصفه بـ”التوليد الاقتصادي” الذي يضمن حقوق الأجيال المقبلة وعدم استنزاف الموارد الحالية دون تخطيط بعيد المدى.

وأكد أن علم الاقتصاد يقوم على إدارة الموارد بفعالية وربطها بالتنمية طويلة الأمد، معتبرًا أن بناء الاقتصاد الليبي يمثل المدخل الحقيقي لبناء الدولة واستقرارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى