الكاديكي: الاستيراد والاعتمادات المستندية وراء تفاقم أزمة الأسعار في ليبيا

أكد الخبير الاقتصادي خالد الكاديكي، أن أزمة غلاء الأسعار في ليبيا تعود بالدرجة الأولى إلى الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، إلى جانب الاختلالات التي صاحبت منظومة الاعتمادات المستندية، وهو ما أدى، بحسب قوله، إلى استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل يومي وتراجع القدرة الشرائية للمواطن.
وأوضح الكاديكي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن السوق الليبية تعتمد بنسبة تقارب 90% على استيراد السلع الأساسية والكمالية والخدمات من الخارج، الأمر الذي يجعل الاقتصاد المحلي مرتبطًا بشكل مباشر بتوفير النقد الأجنبي وشراء الدولار لتغطية عمليات الاستيراد.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن ليبيا لم تتجه خلال السنوات الماضية نحو بناء اقتصاد إنتاجي يعتمد على الذات أو توفير بدائل محلية، سواء في السلع أو الخدمات أو حتى المواد الخام، وهو ما عمّق الأزمة الاقتصادية الراهنة.
ومن ناحية أخرى، بيّن الكاديكي أن المواطن الليبي بات عاجزًا عن موازنة دخله مع الارتفاع المستمر في الأسعار، موضحًا أن متوسط الإنفاق اليومي للأسرة قد يصل إلى نحو 200 دينار، أي ما يعادل قرابة 6 آلاف دينار شهريًا، في حين لا يتجاوز متوسط الرواتب نحو ألفي دينار، ما خلق فجوة معيشية واضحة دفعت كثيرًا من المواطنين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
وفيما يتعلق بمنظومة الاعتمادات المستندية، أوضح الكاديكي أن الهدف منها يتمثل في توفير السلع بأسعار مستقرة ومنخفضة عبر خطاب ضمان مصرفي يسهّل عمليات الاستيراد بالسعر الرسمي للدولار، غير أن التطبيق العملي، وفقًا لتقديره، شهد تجاوزات واسعة.
وأضاف أن تقارير رقابية صادرة عن جهات مختصة، من بينها ديوان المحاسبة ومكتب النائب العام، كشفت عن حصول شركات على اعتمادات بمبالغ ضخمة دون أن تقابلها عمليات توريد حقيقية، لافتًا إلى أن بعض الشركات أنشأت كيانات متعددة بأسماء تجارية مختلفة للحصول على أكبر قدر ممكن من هذه الاعتمادات، سواء للسلع الغذائية أو الخدمات أو حتى السلع الكمالية.
ولفت الكاديكي إلى أن الدولار في ليبيا تحوّل من وسيلة لشراء السلع والخدمات إلى “سلعة بحد ذاتها” يتم الاتجار بها لتحقيق أرباح سريعة، معتبرًا أن سوء استخدام الاعتمادات وبيع العملة الأجنبية في السوق الموازية أسهما بشكل مباشر في زيادة معدلات التضخم وارتفاع الأسعار.
كما أكد أن استمرار منح الاعتمادات دون رقابة فعالة، أو دون التحقق من دخول السلع فعليًا إلى السوق، أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، رغم توفر السلع في الأسواق، متسائلًا عن أسباب عدم انعكاس هذه الوفرة على انخفاض الأسعار وتحقيق الاستقرار للمستهلك الليبي.
وفي سياق متصل، شدد الكاديكي على ضرورة إصلاح منظومة الاعتمادات وتعزيز الرقابة على عمليات الاستيراد، إلى جانب التوجه نحو دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، معتبرًا أن ذلك يمثل الحل الأساسي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والحد من موجة الغلاء المتصاعدة.
وعلى صعيد آخر، أشار الكاديكي إلى أن جزءًا كبيرًا من ارتفاع أسعار السلع في السوق الليبية يعود إلى اعتماد بعض التجار على سعر صرف الدولار في السوق الموازية عند تسعير البضائع، رغم حصولهم على الاعتمادات المستندية بالسعر الرسمي من المصارف. وأوضح أن بعض كبار التجار يتحصلون على هذه الاعتمادات بأسعار رسمية تتراوح بين 6.30 و6.50 دينار للدولار، ثم يعيدون بيع السلع لتجار الجملة وفق سعر السوق السوداء الذي يتجاوز 7 دنانير، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار وتحقيق أرباح وصفها بـ”الضخمة وغير المبررة”.
ونوّه إلى أن هذه الممارسات لا تشمل جميع التجار، إذ توجد شركات وتجار ملتزمون بآليات التسعير وفق التكلفة الحقيقية، إلا أن “الأغلبية في السوق”، بحسب تعبيره، باتت تعتمد على الدولار الموازي في تحديد الأسعار.
وبين أن بعض التجار يبررون هذا الارتفاع بادعاء شراء البضائع من السوق السوداء، رغم استفادتهم فعليًا من الاعتمادات الرسمية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على أسعار المواد الأساسية، مثل الزيوت والسلع الغذائية المستوردة من دول الجوار.
وضرب مثالًا بأسعار الزيوت المستوردة، موضحًا أن تكلفة المنتج وفق سعر الاعتماد الرسمي لا تبرر بيعه بأسعار تتراوح بين 13 و14 دينارًا، معتبرًا أن الفارق السعري يعود أساسًا إلى اعتماد السوق الموازية في التسعير وليس إلى التكلفة الفعلية للاستيراد.
وشدد الكاديكي على ضرورة تدخل الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي، لمتابعة عمليات الاعتمادات المستندية منذ لحظة طلبها وحتى وصول الشحنات إلى الموانئ والأسواق، مؤكدًا أن منظومات الرقابة الحالية بحاجة إلى كوادر أكثر تخصصًا وخبرة لضبط هذه التجاوزات.
كما أشار إلى وجود مخالفات تتعلق بعدم تطابق قيمة الاعتمادات مع حجم البضائع المستوردة فعليًا، موضحًا أن بعض الشركات تتحصل على اعتمادات بملايين الدولارات، في حين تستورد كميات محدودة فقط، وتستغل بقية الأموال لتحقيق أرباح سريعة عبر السوق الموازية.
وفي سياق متصل، أكد أن التحقيقات الجارية خلال الفترة الأخيرة كشفت العديد من التجاوزات داخل بعض المصارف والشركات، لافتًا إلى وجود قوائم حظر صدرت بحق شركات ثبت تورطها في مخالفات تتعلق بعمليات التوريد والاعتمادات.
ودعا الكاديكي إلى توحيد جهود الجهات الرقابية، بما يشمل مصرف ليبيا المركزي والمصارف التجارية وإدارات الجمارك والحرس البلدي وديوان المحاسبة، بهدف تتبع الشحنات ومراقبة المستندات والفواتير والتأكد من مطابقة السلع المستوردة لقيمة الاعتمادات الممنوحة.
وكشف الكاديكي عن معلومات تفيد بأن مصرف ليبيا المركزي يعمل على تطوير منظومة إلكترونية متخصصة لمتابعة الاعتمادات المستندية، ومراقبة الأسعار والفواتير وربطها بالأسواق الخارجية، معتبرًا أن هذه الخطوة قد تسهم في تقليص الفجوات والحد من التلاعب والتجاوزات في عمليات الاستيراد.
وعلى المستوى الأوسع، دعا الكاديكي إلى تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والرفاهية الاقتصادية، مؤكدًا أن هذا التوازن يمثل أحد أهم أهداف علم الاقتصاد على المستويين الكلي والجزئي.
كما أوضح أن الواقع الاقتصادي يتطلب وجود هامش ربح محدود بين فتح الاعتمادات والمكاسب التي تحققها الشركات، مع ضرورة إخضاع الأسعار لمتابعة دقيقة تضمن تخفيضها إلى مستوياتها الحقيقية بشكل فوري.
وأشار إلى أن التعامل مع السوق الليبي يجب أن يستند إلى دراسات علمية دقيقة ومسوح اقتصادية شاملة، لافتًا إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف أدوات البحث والدراسة، وعدم الاعتماد الكافي على البيانات الميدانية، وهو ما ينعكس سلبًا على دقة القرارات الاقتصادية.
كما انتقد الكاديكي اعتماد بعض الإدارات العليا على قرارات لا تستند إلى تحليل واقعي للسوق، مؤكدًا أهمية الاستعانة بالخبراء الاقتصاديين المتخصصين في رسم السياسات واتخاذ القرارات المالية.
وبينّ أن هناك خللًا في تركيبة الكوادر داخل بعض المصارف، حيث يغلب عليها التخصص المحاسبي والإداري، في مقابل تهميش دور الاقتصاديين، رغم أهمية تخصصهم في تحليل العرض والطلب وتقييم حركة السوق. مشدداً على ضرورة إعادة هيكلة المنظومة المصرفية بما يضمن إشراك الاقتصاديين إلى جانب المحاسبين والمتخصصين في التمويل والرقابة، بما يحقق تكاملًا في اتخاذ القرار المالي والاقتصادي.
وفي ختام حديثه، اعتبر الكاديكي أن غياب التحليل الاقتصادي المتخصص داخل بعض المؤسسات المصرفية، بما في ذلك المصرف المركزي، يمثل أحد أبرز التحديات، داعيًا إلى ضرورة اعتماد دراسات سوقية دورية تكون أساسًا لاتخاذ القرارات النقدية والمالية في البلاد.









