بو سعيدة: القيادة العامة لاعب رئيسي في رسم ملامح المرحلة السياسية الجديدة

أكد المحلل السياسي عمر بو سعيدة أن التحول في الموقف الدولي تجاه الأزمة الليبية بات واضحًا، مع توجه القوى الدولية نحو إطلاق مسار سياسي جديد ينهي المرحلة الانتقالية، مشيرًا إلى أن رؤية القيادة العامة للقوات المسلحة تقوم على الدفع نحو تسوية سياسية مستقرة.
وأشار بو سعيدة، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، إلى أن اجتماع لجنة “4+4” الأخير الذي استضافته روما شكّل محطة مفصلية في معالجة ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بعد سنوات من الخلاف بين مجلسي النواب والدولة، مبيناً أن الاجتماع نجح في تحقيق تقدم عملي عبر الاتفاق على آلية لإعادة تشكيل إدارة المفوضية، بما يمهد للانتقال إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل.
ولفت إلى أن الاتفاق تضمّن تكليف النائب العام بالإشراف على اختيار رئيس المفوضية، نظراً لما يحظى به من قبول لدى مختلف الأطراف، إلى جانب التوافق على استكمال بقية الهيكل الإداري للمفوضية، بما يضمن جاهزيتها لتنظيم الانتخابات البرلمانية والرئاسية المرتقبة.
وأكد بو سعيدة، أن ليبيا دخلت فعلياً مرحلة سياسية جديدة تتطلب المرور بعدة محطات تمهيدية قبل الوصول إلى تسوية نهائية تنهي الانقسام، وتؤسس لاستقرار سياسي ومؤسسي شامل.
وفي سياق اَخر، أوضح بو سعيدة، أن القيادة العامة، باتت تمثل ركيزة أساسية في المشهد الليبي الحالي، في ظل التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة التي تشهدها البلاد، مشيراً إلى أن المرحلة الراهنة تعكس وجود إرادة دولية ومحلية حقيقية للدفع نحو تسوية سياسية تنهي حالة الانسداد وتؤسس لمرحلة جديدة.
وأضاف، أن القيادة العامة تُعد، “أحد ثوابت المشروع الوطني”، نظراً لما تمتلكه من تنظيم عسكري واضح ورؤية سياسية مستقرة في إدارة المفاوضات والملفات الوطنية، مؤكداً أنها تعاملت بإيجابية مع مختلف جولات الحوار السابقة، وسعت باستمرار للوصول إلى حالة من التوافق السياسي.
واعتبر بو سعيدة، أن القيادة العامة، أصبحت تمتلك موقفاً تفاوضياً قوياً يستند إلى جملة من المعطيات الواقعية، من بينها السيطرة على مصادر الطاقة والمنافذ البرية والبحرية ومصادر المياه، إضافة إلى الامتداد الجغرافي والالتفاف الشعبي، معتبراً أن هذه العوامل تمنحها ثقلاً مؤثراً في أي تسوية سياسية مقبلة.
وفيما يتعلق بصندوق التنمية وإعادة الإعمار، أوضح بو سعيدة، أن ردود فعل رئيس الصندوق وتصريحاته الأخيرة جاءت في إطار السعي لضمان توفير غطاء سياسي وتنفيذي للمشروعات التنموية، معتبراً أن تلك التصريحات مثّلت شكلاً من أشكال الضغط السياسي الهادف إلى ضمان مكاسب مرتبطة بملف الإعمار والتنمية.
وأضاف أن هذا الحراك أسهم بصورة إيجابية في تعزيز دور الصندوق داخل المشهد الوطني، لافتاً إلى أن الصندوق كان طرفاً مهماً في الوصول إلى التوافق بشأن الميزانية الوطنية الموحدة، وهي الخطوة التي تعثرت لسنوات طويلة قبل التوصل إليها مؤخراً.
وأردف بو سعيدة: أن المشهد الليبي يشهد تحولات متسارعة تقودها تفاهمات بين القوى الفاعلة على الأرض، مؤكداً أن آلية التفاوض الحالية بُنيت على أساس موازين القوى والنفوذ العسكري والسياسي لكل طرف، وليس على اعتبارات نظرية أو شعارات سياسية.
وأوضح بو سعيدة، أن “الخريطة الموجودة على أرض الواقع تمثل حقيقة ملموسة”، مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية تفرض سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد، وهو ما يمنحها ثقلاً واضحاً على طاولة التفاوض، خاصة في ظل سيطرتها على حدود طويلة ذات امتدادات وتأثيرات استراتيجية على دول الجوار.
وبينّ أن هذا الواقع لا يمكن تجاهله في أي تسوية سياسية، قائلاً إن الموقف التفاوضي لأي طرف يُقاس بما يملكه من أدوات قوة وسيطرة ميدانية، معتبراً أن الأطراف الدولية تدرك هذه الحقائق وتتعامل معها باعتبارها أمراً واقعاً.
وفي حديثه عن التطورات السياسية الأخيرة، أكد بو سعيدة، أن الرؤية الأميركية الجديدة تجاه الملف الليبي تقوم على مبدأ “المشاركة بين الطرفين”، لافتاً إلى أن هذه الرؤية بدأت تُترجم عملياً من خلال خطوات وصفها بـ “الملموسة”، من بينها الاتفاق على ميزانية موحدة بعد أكثر من 13 عاماً من الانقسام السياسي والمؤسساتي.
وتابع بالقول: إن المسارات السياسية السابقة، بما فيها اتفاق الصخيرات واجتماعات بوزنيقة وملتقى جنيف للحوار الليبي واجتماعات تونس، لم تتمكن من تحقيق اختراق حقيقي في ملف توحيد الإنفاق والميزانية، معتبراً أن التدخل الدولي الفاعل كان عاملاً أساسياً في الوصول إلى هذه الخطوة.
كما لفت بو سعيدة، إلى اللقاءات التي جمعت قيادات عسكرية من الطرفين خلال الفترة الأخيرة، ومنها المشاركة المشتركة في مناورات “فلينتلوك 2026″، ثم اللقاءات اللاحقة في تركيا، تعكس “تقارباً حقيقياً” بين القوى الفاعلة، وقد تؤسس لتغيير جذري في شكل المشهد السياسي الليبي خلال المرحلة المقبلة.
وأكد بو سعيدة، أن ما يحدث حالياً هو عملية “بناء ثقة” تدريجية بين الأطراف المؤثرة، موضحاً أن هذا المسار يقوم على التقدم خطوة بخطوة وصولاً إلى تفاهمات أوسع قد تُفرض لاحقاً على الأجسام التنفيذية والسياسية القائمة.
وفي سياق متصل، قلّل بو سعيدة، من تأثير الاحتجاجات والمظاهرات التي شهدتها بعض مناطق غرب ليبيا خلال الأشهر الماضية، قائلاً إن تلك التحركات لم تُحدث أي تغيير فعلي في بنية السلطة أو في أداء حكومة الدبيبة.
ونوه إلى أن القوى والشخصيات التي ظهرت في الحراك السياسي الأخير هي ذات الوجوه التي تكررت في المشهد الليبي منذ عام 2012، متهماً إياها بالاستفادة من حالة الانقسام والفوضى، والوقوف ضد أي تقارب حقيقي بين الأطراف الليبية.
وأشار بو سعيدة، إلى أن هذه الأطراف، بحسب وصفه، كانت جزءاً من محطات سياسية سابقة أسهمت في تعميق الأزمة، من بينها قرارات المؤتمر الوطني العام، وقانون العزل السياسي، ورفض نتائج انتخابات 2014، إضافة إلى تعطيل المسارات الانتخابية اللاحقة.
وفيما يتعلق بدور القيادة العامة للقوات المسلحة، أوضح بو سعيدة، أن مشروعها الوطني يقوم على فرض الأمن والاستقرار ومواجهة خطر الانقسام، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي لفترة طويلة قد يقود إلى “انقسام فعلي” للدولة الليبية.
وأكد أن المؤسسة العسكرية دخلت في “شراكة حقيقية” مع الأطراف الأخرى في إطار مشروع يستهدف الوصول إلى حالة استقرار شاملة، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تختلف عن السنوات الماضية، إذ انتقلت الجهود الدولية – وفق تعبيره – من إدارة الأزمة إلى “بناء السلام”.
وأكد بو سعيدة، أن القيادة العامة، قدمت خطوات وتنازلات وصفها بالمهمة في سبيل تقريب وجهات النظر، معتبراً أن ذلك يعكس وجود قاعدة صلبة ورغبة في الوصول إلى تسوية، مشيراً إلى أن المواطن في بعض المناطق بات يرى فيها طرفاً قادراً على تنفيذ مشاريع على أرض الواقع، وهو ما عزز – بحسب قوله – ثقة شريحة من المواطنين بها.
كما لفت إلى أن الحكومة أو الأجسام السياسية القائمة، بما فيها حكومة الوحدة المؤقتة، تواجه تحديات تتعلق بالشرعية والقدرة على فرض نفسها كطرف جامع، مؤكداً أن الحل يكمن في التوصل إلى صيغة توافقية شاملة تضمن استقرار البلاد وإدارة المرحلة الانتقالية بشكل موحد.
وشدد بو سعيدة، على أن الحديث عن الديمقراطية والانتخابات في ليبيا، لا يمكن فصله عن واقع الدولة الليبية التي عاشت أكثر من أربعة عقود تحت حكم الفرد، دون وجود بنية مؤسساتية أو ثقافة ديمقراطية حقيقية، معتبراً أن أي عملية سياسية ناجحة يجب أن تُبنى أولاً على الاستقرار وبناء الثقة بين الأطراف الفاعلة.
وأوضح أن ما جرى من لقاءات ومشاورات سياسية، سواء في تونس أو تركيا، يعكس وجود “إرادة للتفاهم” بين الأطراف المختلفة، معتبراً أن بعض التنازلات التي قُدمت، خصوصاً في ملفات اقتصادية مثل المصرف المركزي والميزانية، تؤكد وجود رغبة في الوصول إلى تسوية سياسية حقيقية تنهي حالة الانقسام.
وأشار بو سعيدة، إلى تجربة سابقة تتعلق بحكومة فتحي باشاغا، موضحاً أنها واجهت تحديات حالت دون دخولها إلى العاصمة طرابلس، نتيجة وجود أطراف فاعلة مدعومة دولياً، على حد تعبيره، ساهمت في تعطيل تلك المبادرة رغم ما اعتبره آنذاك فرصة لبناء مسار وطني موحد.
وفي سياق حديثه، شدد بو سعيدة، على أن استمرار الانقسام السياسي في ليبيا يحمل مخاطر كبيرة، مستشهداً بتجارب دولية مثل جنوب السودان والعراق، حيث أدت حالات التهميش والانقسام إلى نتائج سلبية طويلة الأمد، منها الانفصال أو تفكك الدولة، على حد وصفه.
واعتبر أن المرحلة الحالية تمثل “فرصة حقيقية” أمام الليبيين يجب استثمارها، بعيداً عن الحسابات الضيقة والتجاذبات السياسية والتدخلات الخارجية، داعياً إلى توحيد الجهود من أجل التوصل إلى حل سياسي شامل ينقذ البلاد من حالة الانقسام المستمرة.
وختم بو سعيدة، مداخلته بالتأكيد على ضرورة دعم أي مسار سياسي جاد يهدف إلى إنهاء الانقسام، داعياً إلى تغليب مصلحة الوطن والعمل على بناء توافق وطني حقيقي يضع حداً للتجاذبات والصراعات السياسية.









