“تنتوش”: التحريض ضد المهاجرين والأفارقة مرفوض

قال الباحث في الشأن السياسي، محمد تنتوش، إن معالجة ملف الهجرة في ليبيا تتطلب مقاربة عادلة بين دول العبور ودول المقصد، معتبراً أن ما يحدث من توتر شعبي مرتبط بالملف رغم صدور مواقف رسمية رافضة للتوطين من مختلف المؤسسات الليبية، بما فيها البعثة الأممية ووزارات الداخلية والخارجية، والعمل، ومجلسي النواب والدولة، والحكومتين.
وأوضح تنتوش، في حديث على قناة “ليبيا الأحرار”، أن المسؤولية في تفاقم الأزمة لا تقع على الأطراف الدولية فقط، بل تتحملها أيضاً المؤسسات الليبية، مشيراً إلى أن المسؤول الليبي يساهم بشكل مباشر في استمرار الإشكال نتيجة قصور في إدارة الملف، على حد تعبيره، رغم أن الدول الأوروبية تتحرك وفق مصالحها.
وأضاف أن مختلف المؤسسات الليبية، سواء مجلس النواب أو حكومة الوحدة المؤقتة، قصّرت في وضع وتنفيذ استراتيجية فعالة للهجرة، مشيراً إلى وجود محاولات سابقة منذ عام 2021 لوضع خطة وطنية شاملة بمشاركة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، إلا أنها لم تُعتمد ولم يتم تفعيلها لاحقاً بعد التوحيد.
وتحدث تنتوش، عن تعثر اعتماد استراتيجية وطنية للهجرة رغم إعدادها، معتبراً أن عدم تنفيذها ساهم في استمرار حالة الارتباك في إدارة الملف، في ظل غياب رؤية موحدة بين المؤسسات المختلفة.
وعن الأرقام، أشار تنتوش، إلى وجود تضارب في تقديرات أعداد المهاجرين، حيث تُقدّر بعض الجهات العدد بنحو مليون مهاجر، فيما تشير وزارة الداخلية إلى ما يصل إلى ثلاثة ملايين، معتبراً أن هذا التفاوت يعكس غياب قاعدة بيانات دقيقة، موضحاً أن معدلات دخول المهاجرين إلى ليبيا سنوياً قد تصل إلى مئات الآلاف، مقابل عمليات ترحيل محدودة نسبياً، ما يخلق فجوة كبيرة بين الداخلين والمُرحّلين، ويجعل الحلول الحالية غير كافية لمعالجة الأزمة.
وأضاف أن عمليات الترحيل تواجه تحديات لوجستية ودبلوماسية معقدة، نظراً لطول الإجراءات وكلفة النقل وصعوبة تنظيم الرحلات، مشيراً إلى أن هذه العمليات، رغم أهميتها، لا تمثل سوى جزء محدود من الحل ولا يمكن التعويل عليها وحدها.
ورأى تنتوش، أن معالجة الملف تتطلب تنسيقاً دبلوماسياً وضغطاً دولياً منظماً لتسهيل إجراءات الترحيل وتنظيم العودة، معتبراً أن استمرار الوضع الحالي دون حلول استراتيجية سيؤدي إلى تفاقم الأزمة خلال السنوات المقبلة.
وقال إن مصطلح “توطين المهاجرين” لا يزال غير واضح بشكل دقيق، رغم وروده في بعض النصوص القانونية الليبية، مشيراً إلى أن تعريفه الذي يفيد بأن كل من يدخل ليبيا بقصد الإقامة الدائمة يعد ضمن نطاق التوطين يثير إشكاليات عملية في التطبيق، خصوصاً في ظل صعوبة تحديد نوايا المهاجرين.
وأوضح أن الإقامة القانونية في ليبيا تخضع للتجديد السنوي، بينما يدخل المهاجرون غير النظاميين بطرق مختلفة، من بينهم من يسعى للعبور إلى أوروبا، أو من يتقدم بطلب لجوء عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بهدف الانتقال إلى دول ثالثة مثل أوروبا أو كندا، ما يجعل تصنيف أوضاعهم معقداً وغير محسوم.
وتابع: غياب ضبط دقيق للمصطلح يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة حول وجود توطين من عدمه، متسائلاً عما إذا كان ما يحدث يمثل فعلاً إحلالاً سكانياً أم مجرد تكدس للمهاجرين في بعض المناطق دون حلول تنظيمية واضحة، لافتاً إلى أن المهاجرين لا يحلون محل الليبيين في الوظائف العامة أو المؤسسات الرسمية.
وأشار إلى أن ما يُتداول بشأن تزوير الجنسيات هو، وفق ما استشهد به من بيانات مكتب النائب العام، حالات محدودة قيد التحقيق تتعلق بأكثر من أربعة آلاف شخص، معتبراً أن هذه الوقائع تصنف كجرائم تزوير فردية وليست دليلاً على سياسة دولة في منح الجنسية للمهاجرين.
وأكد أن الأزمة الأساسية في ليبيا تتمثل في التكدس الكبير للمهاجرين غير النظاميين وغياب تنظيم فعال لهذا الملف، مشيراً إلى أن هذه المشكلة تراكمت عبر سنوات طويلة، وتفاقمت بعد أحداث عام 2011، التي غادر خلالها جزء كبير من المهاجرين الأراضي الليبية، قبل أن تعود الأعداد للارتفاع لاحقاً.
واستشهد تنتوش، ببيانات تعود إلى عام 2007 تشير إلى وجود مئات الآلاف من المهاجرين في ليبيا، ما يعكس، بحسب قوله، أن الظاهرة ممتدة تاريخياً وليست مرتبطة بمرحلة واحدة فقط، مبيناً أن الحديث عن وجود مشروع ممنهج لتوطين المهاجرين لا يستند إلى أدلة مباشرة، مرجحاً أن ما يحدث هو نتيجة سياسات أوروبية وإيطالية تهدف إلى نقل عبء الهجرة إلى ليبيا، معتبراً أن ذلك يضاعف الضغط على الدولة الليبية دون أن يعني وجود خطة واضحة لإحلال سكاني داخل البلاد.
وقال إن من حق الشعب الليبي رفض ما يراه تهديداً لبلاده والتعبير عن ذلك عبر الاحتجاج السلمي، مؤكداً أن هذه المظاهرات مفهومة في إطارها العام، غير أن أي خطاب تحريضي أو تصعيدي قد يهدد السلم الاجتماعي ويستوجب ضبطاً واضحاً لحدود التعبير.
واعتبر تنتوش، أن بعض مطالب المتظاهرين في منطقة السراج، خصوصاً ما يتعلق بنقل مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، مطالب مشروعة في ظل ما وصفه بتكدس المهاجرين ووجودهم في الطرقات والمناطق السكنية، إلا أنه اعتبر أن بعض المطالب الأخرى قد تفتقر إلى بدائل عملية وقد تؤدي إلى مزيد من التعقيد.
ولفت إلى أن الحملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما رافقها من دعوات للاعتداء على المهاجرين أو اقتحام منازلهم، تمثل خطراً حقيقياً، مستذكراً وجود دعوات سابقة وصفها بالتحريضية، معتبراً أن معالجة أزمة الهجرة يجب أن تتم في إطار قانوني ومنظم بعيداً عن الفوضى أو العمل الفردي.
وأكد أن المواطن من حقه السعي للمساهمة في حل أزمة الهجرة، لكن عبر التعاون مع الجهات المختصة وليس من خلال الاعتداء أو التعدي على القانون، مشدداً على أن أي انتهاك للمهاجرين، حتى وإن كانوا غير نظاميين، لا يمكن تبريره دينياً أو قانونياً.
ورأى أن الاعتداء على المقرات الدولية، بما فيها البعثة الأممية، يضر بصورة الدولة أكثر مما يضر بتلك المؤسسات، داعياً إلى ضرورة التعامل مع هذه الملفات بأسلوب منظم، لأن هذه الجهات تمتلك إجراءات قانونية ودبلوماسية للتعامل مع مثل هذه الأحداث.
وحذر تنتوش، من استغلال أزمة الهجرة في تأجيج الكراهية أو توجيه الرأي العام نحو العنف، معتبراً أن بعض الخطابات يتم توظيفها سياسياً عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بما يضر بقدرة المجتمع على التعامل الموضوعي مع الأزمة، مشيراً إلى أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بملف الهجرة، بل أيضاً بطريقة إدارة الخطاب العام، داعياً إلى التمييز بين المطالب المشروعة ومحاولات الاستغلال السياسي، ومؤكداً ضرورة الرجوع إلى أهل الاختصاص والحكمة في تحليل القضايا المعقدة.
وشدد على أن معالجة الأزمة تتطلب وعياً مجتمعياً وتوازناً في الطرح، بعيداً عن الانفعال أو الخطابات المتطرفة، مع ضرورة فهم الأبعاد القانونية والإنسانية والسياسية للملف بشكل متكامل.
وقال إن التعامل مع ملف الهجرة في ليبيا يجب أن ينطلق من مقاربة تنظيمية شاملة تبدأ بحصر أعداد المهاجرين وتوثيق بياناتهم، معتبراً أن ذلك يشكل خطوة أساسية لإنشاء “بنك معلومات وطني” يحدد أعدادهم وجنسياتهم ومناطق تواجدهم.
وأوضح أن عملية الحصر ينبغي أن تتضمن جمع البيانات البيومترية وربطها بالمنظومة الأمنية، بما يتيح تتبع أي مخالفات أو جرائم محتملة، إلى جانب إلزام أصحاب المنازل بتسجيل المهاجرين لديهم تحت رقابة قانونية، مشيراً إلى أن هذا الإجراء من شأنه الحد من الفوضى في إدارة الملف.
وأضاف أن جزءاً كبيراً من المهاجرين في ليبيا يمكن إدماجه في سوق العمل بشكل منظم عبر منحهم بطاقات حصر وربطهم بشركات تشغيل بدلاً من بقائهم في حالة تواجد عشوائي داخل المدن، لافتاً إلى أن أكثر من 90% من المهاجرين دخلوا البلاد بطرق غير قانونية، ما يستدعي، بحسب قوله، إعادة تنظيم وجودهم بدل تركه دون ضبط.
وفي سياق متصل، اعتبر تنتوش، أن الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإيطالي والأوروبي في ملفات الهجرة بحاجة إلى مراجعة وتطوير، داعياً إلى اعتماد نهج تفاوضي مشترك بين دول شمال أفريقيا بدل الاقتصار على التفاوض الثنائي، بما يحقق توازناً أكبر في إدارة الملف.
وأكد أن المقاربة الدبلوماسية تمثل عنصراً أساسياً في الحل، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى زيادة دعمه لدول المصدر عبر برامج تنموية حقيقية، وتمويل مشاريع لحماية الحدود، وتسريع إجراءات اللجوء، معتبراً أن هذه الإجراءات قد تسهم في تخفيف الضغط على ليبيا ودول العبور.
وأشار إلى ضرورة وجود تنسيق أوسع في ملف الهجرة يضمن معالجة الجذور الاقتصادية والأمنية للأزمة، مع فتح المجال أمام حلول منظمة تشمل الترحيل وتنظيم الدخول والحد من الانطلاقات غير النظامية نحو أوروبا، مع الحفاظ على ما وصفه بـ“الهجرة الآمنة والمنظمة” وفق آليات واضحة ومتفق عليها دولياً.









