الهوني: معالجة الهجرة تبدأ بالضغط على الحكومة والمؤسسات السيادية

أكد عضو الحراك المدني لإعادة الشرعية للشعب، أبو بكر الهوني، أن المطالب الشعبية المتصاعدة المتعلقة بتنظيم ملف العمالة الوافدة، ومكافحة تدفقات الهجرة غير الشرعية، إلى جانب الرفض القاطع لأي مشاريع تهدف إلى التوطين، لا تمثل تحركاً آنياً أو وليد اللحظة، بل هي مطالب وطنية مشروعة ومتداولة في الأوساط الليبية منذ أكثر من عقد من الزمان.
وأوضح الهوني أن هذه القضايا الحيوية ظلت قيد التداول والانتظار طيلة السنوات الماضية، دون أن تجد طريقها إلى حلول جذرية أو معالجات حاسمة من قِبل الحكومات المتعاقبة التي تولت إدارة البلاد.
وأشار الهوني في حديث لقناة “التناصح”، إلى أن الدعوات المطالبة بضرورة حصر دخول العمالة الأجنبية عبر المنافذ الحدودية الرسمية، واشتراط حيازتها على الوثائق القانونية والتأشيرات اللازمة، تعد ركيزة أساسية من ركائز السيادة الوطنية. وبناءً على ذلك، فإن تجاهل هذه المطالب من طرف السلطات، أو محاولة التقليل من قيمتها وأهميتها من قِبل بعض الدوائر، لن ينزع عنها بحال من الأحوال صفتها القانونية والشرعية، ولن يثني الشارع عن التمسك بها كحق أصيل لحماية هويته وموارده.
وأرجع الهوني حالة الاحتقان الشعبي والاحتجاجات الأخيرة في العاصمة طرابلس، إلى الفشل الممنهج والإخفاق المستمر في إدارة هذا الملف المعقد.
واعتبر أن الحكومات المتلاحقة منذ عام 2011 عجزت تماماً عن صياغة رؤية استراتيجية واضحة أو تبني سياسات أمنية وإدارية فاعلة، سواء للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية عبر الصحراء، أو حتى تنظيم وجود العمالة المقيمة داخل المدن. ونتيجة لذلك، استغلت بعض الأطراف السياسية – المحلية والدولية – هذا الفراغ القانوني لتوظيف ملف الهجرة واستخدامه كأوراق ضغط لتحقيق مكاسب ومصالح خاصة، مما زاد من تعقيد المشهد المرتبط أساساً بملف تأمين الحدود الجنوبية الشاسعة ومسالك التهريب.
ولفت الهوني إلى أن جانباً كبيراً من الهواجس والمخاوف التي يعيشها المواطن الليبي اليوم، يعود بالدرجة الأولى إلى الطفرة الملحوظة في أعداد المهاجرين غير النظاميين، وتمركزهم العشوائي داخل الأحياء السكنية المكتظة. مشيراً إلى أن آثار هذا الوجود غير المقنن شكّل ضغوطات خانقة تمس الحياة اليومية للمواطنين، بدءاً من استنزاف البنية التحتية المتهالكة ومزاحمة السكان في الخدمات العامة مثل الكهرباء والصحة، وصولاً إلى الاختلالات الحادة التي طالت السوق العقارية وإيجارات السكن.
واعتبر أن هذه الأوضاع أثارت تساؤلات مشروعة ومخاوف وجودية لدى الليبيين حول الآليات الغائبة والضوابط المنعدمة التي تنظم الوجود الأجنبي في بلادهم.
وفي سياق متصل، كشف عضو الحراك المدني أن عدداً من مناطق العاصمة طرابلس شهدت على مدى السنوات الماضية تقديم شكاوى متكررة ومناشدات مستمرة من قِبل السكان المحليين، احتجاجاً على تركز العمالة غير المنظمة في أحيائهم وما يجلبه ذلك من هواجس أمنية واجتماعية.
وعلى الرغم من أن هذه الشكاوى قد طُرحت مراراً وتكراراً أمام الجهات الحكومية المتعاقبة ووزارة الداخلية والمؤسسات الضبطية المختصة، إلا أن ردود الفعل الرسمية جاءت مخيبة للآمال ولم تصل إلى مستوى المعالجة الحاسمة، مما جعل خروج المواطنين إلى الشارع في نهاية المطاف خياراً حتمياً بعد أن استنفدوا كافة الوسائل القانونية والمطالبات السلمية.
واعتبر الهوني أن هناك خط فاصل بين مشروعية المطالب الوطنية وبين طريقة التعامل مع المهاجرين كبشر، حيث شدد على أن رفض التوطين ومحاربة الهجرة غير الشرعية لا يعنيان بأي شكل من الأشكال قبول الإساءة إلى المهاجرين، أو تعريض سلامتهم للخطر، أو انتهاك كرامتهم. وأكد أن أي اعتداء مادي أو معنوي يستهدف هؤلاء الأشخاص بسبب أوضاعهم القانونية أو ظروفهم الاجتماعية الصعبة هو سلوك مرفوض جملة وتفصيلاً من الناحية الأخلاقية والقانونية والإنسانية. علاوة على ذلك، نوه بأن المجتمع الليبي، استناداً إلى منظومته القيمية الدينية والاجتماعية العميقة، يستهجن الاعتداء على الضعفاء والمستضعفين، ويرفض تحميلهم وزر الأزمات السياسية والاقتصادية التي تصنعها الأنظمة والحكومات، داعياً إلى إدارة الملف عبر القنوات والمؤسسات الرسمية والأدوات القانونية والإدارية للدولة فقط.
ورأى الهوني أن الدولة الليبية تعاني من أزمة هيكلية تتمثل في عزوف المواطنين عن ممارسة بعض المهن الحرفية واليدوية والخدمية؛ وبالتالي، فإن البلاد بحاجة فعلية ومستمرة إلى العمالة الوافدة لسد هذا العجز في قطاعات مثل البناء والتجارة والورش. ولفت إلى أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في أصل وجود العمالة الأجنبية داخل البلاد، وإنما تكمن بوضوح في “الغياب التام للتنظيم القانوني والإداري” لملف الهجرة وسوق العمل من قِبل السلطات المعنية.
وفي معرض رده على التساؤلات والشكوك التي أثيرت حول خلفيات الاحتجاجات الأخيرة أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس، وتحديداً بشأن ظهور بعض الهتافات والشعارات السياسية المرتبطة بالرموز السياسية للنظام السابق، اعتبر الهوني أن هذه الظاهرة تعد أمراً طبيعياً ومتوقعاً في أي حراك جماهيري عفويا وواسع، لا سيما عندما تغيب عنه القيادة الموحدة والآليات التنظيمية الصارمة. واعتبر أن لجوء بعض الجهات السياسية أو المنصات الإعلامية إلى محاولة ركوب الموجة واستثمار هذا الغضب الشعبي لخدمة أجندات خاصة، لا يمكن بحال من الأحوال أن يلغي أو يشوه عدالة المطالب الجوهرية التي خرج من أجلها المحتجون.
وبناءً على هذه المعطيات، وجه الهوني انتقادات لاذعة لضعف أداء السُلطة التنفيذية حيال هذا الملف الخطير، مستدلاً بتصريحات سابقة لبعض المسؤولين الحكوميين الذين اعترفوا علناً بوجود اختراقات أمنية تمثلت في دخول أعداد من المهاجرين عبر المطارات الليبية الرسمية باستخدام وثائق وتأشيرات مزورة.
واعتبر الهوني أن مثل هذه الاعترافات الرسمية لا يجب أن تمر مرور الكرام، بل إنها تثير تساؤلات مريبة وعميقة حول طبيعة الإجراءات الفعلية التي اتخذتها الحكومة لمنع هذه الخروقات وحماية السيادة الجوية والبرية للبلاد. ومن ثمّ، فإن غياب الخطاب الرسمي الواضح والتواصل المباشر من قِبل الحكومة مع المواطنين لتبيان استراتيجيتها، هو ما فتح الباب على مصراعيه أمام اتساع رقعة التأويلات الجدلية والسياسية.
وخلص عضو الحراك المدني إلى رسم خارطة طريق للمرحلة المقبلة؛ حيث أوضح أن الوقفات الاحتجاجية أمام مفوضية اللاجئين أدت غرضها في التعبير عن الرفض الشعبي لسياسات المنظمات الدولية، بيد أن الخطوة التالية والأكثر أهمية تتطلب الانتقال الفوري من مربع التنديد والغضب في الشارع، إلى مربع الضغط المباشر والقانوني على المؤسسات السيادية الليبية.
واعتبر أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الحكومة، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، والأجهزة الأمنية والعسكرية الفاعلة على الأرض، نظراً لامتلاكها معلومات تفصيلية وإحصاءات كاملة عن مسارات التهريب الدولية الممتدة من آسيا وأفريقيا نحو أوروبا عبر الأراضي الليبية.
وفي الختام، دعا الهوني القوى المدنية والاجتماعية إلى تنحية الخلافات والتجاذبات السياسية جانباً، والتركيز على صياغة برامج توعوية وضغوطات سلمية تدفع نحو تفعيل القوانين الوطنية الصارمة وفي مقدمتها قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية “رقم 19 لسنة 2010″، لحماية الأمن القومي الليبي مع الالتزام التام بالمعايير الإنسانية الدولية التي تصون الكرامة البشرية.









