اخبار مميزةليبيا

طلوبة: دعم الوقود بنسبة 97% سيقود ليبيا نحو كارثة اقتصادية محتملة

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد اللطيف طلوبة، إن ارتفاع إيرادات النفط في ليبيا أدى إلى تحسن نسبي في تدفقات الميزانية العامة، إلاّ أن الاقتصاد الليبي ما زال يواجه التحديات الهيكلية ذاتها، وعلى رأسها الاعتماد المفرط على الإنفاق الاستهلاكي وضعف التنويع الاقتصادي.

وأوضح طلوبة، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن الاقتصاد الليبي يتسم بما وصفه بـ “النمط الاستهلاكي”، وهو نمط قائم على إنفاق الإيرادات المتاحة دون ربط حقيقي بين الإنفاق والاحتياجات التنموية أو خطط الميزانية، مشيرًا إلى أن هذا النمط كان موجودًا قبل عام 2011، لكنه أصبح أكثر وضوحًا بعد ذلك التاريخ.

وأضاف أن الإنفاق العام في ليبيا لا تحدده رؤية اقتصادية واضحة أو احتياجات تنموية دقيقة، وإنما يتأثر أساسًا بحجم الإيرادات المتوقعة، وهو ما اعتبره أحد أخطر أنماط إدارة الاقتصاد، سواء على مستوى الدولة أو حتى على مستوى سلوك الأفراد.

وضرب مثالًا بأن الاعتماد على الاستهلاك دون إنتاج قد يؤدي إلى اختلالات معيشية واقتصادية في حال تراجع الإيرادات، مشيرًا إلى أن المواطن أو الدولة التي تعيش وفق مستوى استهلاكي مرتفع دون قاعدة إنتاجية مستقرة تكون أكثر عرضة للأزمات عند تغير الظروف المالية.

وأكد أن تحديد الميزانية يجب أن يكون مرتبطًا بقرار تشريعي واضح يحدد سقف الإنفاق بشكل جماعي، إلا أنه شدد على أن الإشكال لا يقتصر على آلية الإقرار، بل يمتد إلى طريقة بناء الميزانية نفسها، والتي غالبًا ما تعتمد على حجم الإيرادات النفطية المتوقعة بدلًا من تحديد أولويات الإنفاق وفق الحاجة الفعلية.

وأشار إلى أن النقاشات المتعلقة بالميزانية في ليبيا تتركز عادة حول حجم الإيرادات المتاحة: “كم سنحصل من النفط لكي ننفق”، بدلًا من تحديد ما يجب إنفاقه وفق احتياجات التنمية، معتبرًا أن هذا النهج يعكس خللًا في فلسفة إدارة المالية العامة.

وأضاف أن أغلب الإنفاق في ليبيا ذو طبيعة استهلاكية، خصوصًا في بند المرتبات وبنود الإنفاق الجاري، مقابل تراجع واضح في الإنفاق التنموي والاستثماري، داعيًا إلى إعادة ترتيب أولويات الصرف العام وربطها بالاحتياجات الضرورية أولًا.

وشدد على أهمية تبني سياسات تقشفية مدروسة للحفاظ على الثروة الوطنية، موضحًا أن الإيرادات النفطية لا تمثل نتاجًا إنتاجيًا داخليًا مباشرًا، بل تعتمد على عوامل خارجية مثل أسعار النفط العالمية وقرارات الإنتاج الدولية، وهو ما يجعل الاقتصاد الليبي – حسب تعبيره – غير متحكم بشكل كامل في موارده الأساسية.

وأوضح أن ليبيا لا تمتلك سيطرة على حجم الإنتاج النفطي أو أسعار السوق العالمية، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من إيراداتها يتحدد خارج إرادتها الاقتصادية المباشرة، الأمر الذي يتطلب – بحسب رأيه – تعزيز مصادر الدخل غير النفطية.

وأكد أن الناتج المحلي غير النفطي ما يزال ضعيفًا للغاية، وهو ما يجعل الاقتصاد الليبي معتمدًا بشكل شبه كامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، في ظل غياب قاعدة إنتاجية بديلة يمكن الاعتماد عليها. مشيراً إلى أن هذا الواقع يعكس فجوة كبيرة في هيكل الاقتصاد الوطني، حيث لا تزال معايير الإنفاق والإيرادات خارج نطاق السيطرة الكاملة للسياسات الاقتصادية المحلية، على حد قوله.

واعتبر أن النمط الاقتصادي السائد في ليبيا لا يزال بعيدًا عن أسس الاقتصاد المستقر، بل حتى عن مبادئ الحياة الاقتصادية الطبيعية القائمة على الإنتاج مقابل الاستهلاك، داعيًا إلى ضرورة إعادة بناء السياسات المالية على أسس إنتاجية وتنموية أكثر استدامة.

وقال طلوبة إن تحويل أي طفرة مالية، حتى وإن كانت مؤقتة، إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة المواطنين، وخاصة في القوة الشرائية، يعد أمرًا معقدًا ولا يمكن قياسه أو تحقيقه بشكل مباشر عبر قرارات مالية منفردة.

وأوضح أن المواطنين يتطلعون إلى انعكاس مباشر لتحسن الإيرادات العامة، خصوصًا مع ارتفاع إيرادات النفط، من خلال انخفاض الأسعار وتحسن القدرة الشرائية، إلا أن هذا التصور لا يمكن تحقيقه عبر أدوات قصيرة المدى.

وأكد أن تحسين المستوى المعيشي لا يتحقق من خلال قرارات حكومية آنية، مثل رفع المرتبات أو زيادة الكتلة النقدية، بل يتطلب إصلاحًا اقتصاديًا شاملًا يمس البنية الإنتاجية والهيكل الاقتصادي للدولة. معتبراً أن الحكومات الليبية المتعاقبة منذ عام 2011 حاولت تحسين المستوى المعيشي عبر إجراءات نقدية، مثل زيادة المرتبات أو التوسع في الكتلة النقدية، إلا أن هذه السياسات كانت – على حد وصفه – ذات أثر محدود ومؤقت.

ولفت إلى أن هذه الزيادات غالبًا ما يقابلها ارتفاع في معدلات التضخم، ما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وعودة المستوى المعيشي إلى ما كان عليه سابقًا، رغم أي زيادات شكلية في الدخل. مشدداً على أن الحل الحقيقي يتمثل في تنفيذ برنامج اقتصادي شامل يركز على إصلاح البنية الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد على قطاع واحد، بما يضمن استقرارًا اقتصاديًا طويل الأمد.

وفي سياق حديثه، طرح طلوبة تساؤلات حول النموذج الاقتصادي المناسب لليبيا، مشيرًا إلى أن هناك ثلاث تجارب اقتصادية سابقة شهدتها البلاد: اقتصاد السوق المفتوح، والنموذج الاشتراكي الذي سيطر فيه تدخل الدولة على الأسعار، ثم المرحلة الحالية التي وصفها بمرحلة “الانفلات الاقتصادي”.

وأوضح أن ليبيا جربت قبل عام 1975 نموذج السوق المفتوح، ثم انتقلت في أواخر السبعينات وحتى بداية التسعينات إلى نموذج يقوم على تدخل الدولة في ضبط الأسعار وتحديد مستوى المعيشة، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى وضع اقتصادي أكثر تحررًا وافتقارًا للضوابط الواضحة، على حد تعبيره.

وتساءل طلوبة عن النموذج الذي يمكن أن يحظى بقبول المواطنين اليوم، وما إذا كان المطلوب هو سوق حر بالكامل أو تدخل حكومي مباشر في إدارة الأسعار، معتبرًا أن هذا السؤال جوهري في أي إصلاح اقتصادي قادم. وأشار إلى أن تطبيق سياسات تحسين مستوى المعيشة في ظل سوق مفتوح بالكامل، مع وجود منافذ حدودية نشطة وحركة استيراد واسعة، قد يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية واستنزاف أكبر للخزانة العامة، ما يجعل ضبط الاقتصاد أكثر تعقيدًا.

وأكد على أن استمرار الوضع الحالي دون إصلاح اقتصادي شامل وتنظيم واضح للسوق والحدود والسياسات المالية، سيجعل أي تحسن في الإيرادات غير كافٍ لتحقيق استقرار معيشي حقيقي ومستدام.

وقال طلوبة إن استمرار دعم الوقود في ليبيا بالشكل الحالي أصبح غير قابل للاستدامة، في ظل ارتفاع كلفته على الدولة واتساع الفجوة بين السعر الحقيقي وسعر البيع للمستهلك، معتبرًا أن هذا الملف من أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للجدل في الاقتصاد الليبي.

وأوضح أن أزمة دعم الوقود في ليبيا ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تراكمات تعود إلى أواخر الستينات، مشيرًا إلى أن الحكومات المتعاقبة باتت تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد بسبب ارتباطه المباشر بالاستقرار الاجتماعي والسياسي.

وأضاف أن أي حكومة تجد صعوبة في اتخاذ قرار جذري بشأن رفع أو تعديل دعم الوقود، لأنها تدرك أن ذلك قد يخلق ردود فعل شعبية واسعة، ما يجعلها تميل إلى تأجيل المعالجة أو ترحيلها إلى حكومات لاحقة. مشيراً إلى أن الدعم الحالي يغطي نسبة كبيرة جدًا من تكلفة الوقود، قد تصل إلى أكثر من 97%، ما يجعل المواطن يحصل عليه بسعر شبه رمزي، سواء في القطاع الخاص أو للاستخدام الشخصي.

وأكد أن استمرار بيع الوقود بهذا الشكل لا يحدث في أي اقتصاد في العالم، معتبرًا أن ذلك يؤدي إلى استنزاف الموارد وخلق اختلالات كبيرة في السوق، بما في ذلك التهريب والاستهلاك غير الرشيد.

وحول إمكانية الإصلاح، قال طلوبة إن الإشكال الحقيقي يتمثل في الفجوة بين الجانب النظري والجانب التطبيقي، إذ يتفق كثيرون على ضرورة إعادة النظر في تسعير الوقود، لكن التنفيذ يظل معقدًا بسبب المخاوف الاجتماعية والسياسية.

وأضاف أن الحل لا يكمن في إلغاء الدعم بشكل مفاجئ، بل في تبني سياسة تصحيح تدريجي للأسعار، بما يسمح بتخفيف الأثر على المواطنين وتجنب الصدمات الاقتصادية.

وأشار إلى أن أسعار الوقود في ليبيا لم يتم تعديلها منذ سنوات طويلة، رغم تغير مستويات الدخل، كما لفت إلى وجود مشكلة أخرى تتعلق بضعف منظومة الجباية والرقابة على توزيع الوقود، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الدعم – بحسب تقديرات رقابية – لا يصل إلى مستحقيه، بل يتسرب عبر التهريب أو جهات مختلفة، مدنية أو عسكرية، على حد تعبيره، وهو ما يحرم الدولة من موارد مالية كبيرة.

وأكد أن تحسين منظومة التحصيل والرقابة يجب أن يسبق أو يرافق أي عملية إصلاح سعري، حتى لا تستمر خسائر الدولة في هذا القطاع الحيوي.

وفي المقابل، شدد على أن وقف الدعم أو تحرير السوق بشكل كامل بشكل مفاجئ ليس خيارًا واقعيًا في المرحلة الحالية، نظرًا لاعتماد مناطق واسعة، خاصة في الجنوب والمناطق النائية، على الوقود المدعوم الذي يشكل عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية.

وأشار إلى أن بعض المناطق النائية تعاني بالفعل من ارتفاع أسعار الوقود أو صعوبة الحصول عليه، ما قد يؤدي إلى زيادة معدلات الهجرة نحو المدن الكبرى إذا لم تتم معالجة الفجوة السعرية بشكل عادل ومتوازن.

وأكد على أن الحل الأمثل يتمثل في إصلاح تدريجي لمنظومة تسعير الوقود، بالتوازي مع تحسين آليات التوزيع والرقابة، والبحث عن بدائل تدريجية لمنظومة الدعم الحالية بما يحافظ على الاستقرار الاجتماعي ويقلل من الهدر المالي.

وقال طلوبة إن أي إصلاح اقتصادي في ليبيا، خصوصًا فيما يتعلق برفع أو إعادة هيكلة الدعم، لا يمكن التعامل معه باعتباره انتقالًا مباشرًا نحو وضع أفضل، بل هو محاولة لتفادي “كارثة اقتصادية محتملة” في حال استمرار الأوضاع الحالية دون تغيير.

وأوضح أن استمرار دعم بعض السلع الأساسية، وفي مقدمتها الوقود، يضع الدولة أمام عجز متزايد عن تغطية تكاليفه، ما يجعل الاستمرار في الوضع الحالي غير ممكن على المدى الطويل، وفق تعبيره. مبيناً أن المواطنين بحاجة إلى إدراك أن أي عملية إصلاح ستتطلب قدرًا من التضحية المؤقتة، مشيرًا إلى أن الإصلاحات الاقتصادية لا تشمل جميع الفئات بشكل متساوٍ، وأن هناك شرائح قادرة على تحمل جزء من التغيرات السعرية، مقابل شرائح أكثر هشاشة تحتاج إلى حماية خاصة.

وأكد على أن الإصلاح الاقتصادي في ليبيا لا يمكن أن ينجح دون معالجة شاملة ومتكاملة لمختلف جوانب الإنفاق العام، وربطه بسياسات اجتماعية عادلة تضمن حماية الفئات الهشة، مع تنفيذ تدريجي ومدروس لأي تغييرات في منظومة الدعم والأسعار.

وختم طلوبة حديثه بالتأكيد على أهمية الحذر في التعامل مع الطفرات المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، داعيًا إلى عدم الاعتماد المفرط عليها في إدارة الاقتصاد، ومشدّدًا على ضرورة توجيه أي زيادة في الإيرادات نحو تعزيز الاستقرار الاقتصادي بدلًا من توسيع الاستهلاك فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى