اخبار مميزةليبيا

بلقاسم: غياب الثقة بين الحكومة والمواطنين فاقم الاحتقان الشعبي تجاه ملف الهجرة

أكد الباحث السياسي إبراهيم بلقاسم، أن المظاهرات التي شهدتها العاصمة طرابلس انطلقت في الأساس من موقف شعبي رافض لفكرة توطين المهاجرين داخل ليبيا، موضحاً أن الرسالة الرئيسية للاحتجاجات كانت موجهة إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل مقار ومؤسسات دولية أخرى.

وقال بلقاسم، في حديث لتلفزيون “المسار”، إن التجمع الاحتجاجي بدأ أمام مقر مفوضية اللاجئين بمنطقة السراج، حيث احتشد عشرات المواطنين للتعبير عن رفضهم لما يعتقدون أنه مشاريع أو توجهات تستهدف توطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية بصورة دائمة.

وأضاف أن المؤشرات الأولية أوحت بوجود استعدادات مسبقة من جانب المفوضية للتعامل مع الاحتجاجات، لافتاً إلى أن مقرها بدا خالياً من الموظفين عند وصول المتظاهرين، كما اتُّخذت إجراءات احترازية شملت نقل مستندات ومحتويات إدارية من المقر قبل بدء التظاهرة.

وأوضح أن الهدف الأساسي للمشاركين كان الاعتراض على السياسات أو التصورات المرتبطة بملف التوطين، غير أن طبيعة الحشود الكبيرة والمتنوعة تجعل من السهل توجيهها أو استثمارها من قبل أطراف سياسية أو أمنية تسعى إلى تحقيق أهداف ومكاسب مختلفة.

وفي هذا السياق، أشار بلقاسم إلى أن بعض الجهات حاولت توجيه حالة الغضب الشعبي نحو مؤسسات دولية أخرى، بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مضيفاً أن هناك من سعى كذلك إلى دفع المحتجين باتجاه مقار دبلوماسية وسفارات أجنبية داخل البلاد.

وشدد على أن البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية العاملة في ليبيا يجب أن تتمتع بالحماية الكاملة من قبل الأجهزة المختصة، باعتبار أن حماية هذه المقار تمثل التزاماً قانونياً يقع على عاتق الدولة المضيفة وفق الأعراف والاتفاقيات الدولية.

وعند تقييمه للأداء الأمني خلال الاحتجاجات، رأى بلقاسم أن ما حدث كشف عن وجود قصور واضح في إدارة المشهد الأمني، موضحاً أن الجهات المختصة كانت على علم مسبق بمكان التظاهرة وأهدافها والشعارات التي رفعتها، الأمر الذي كان يفترض أن يسمح بوضع ترتيبات أمنية كافية لضمان بقاء الاحتجاجات ضمن نطاقها المحدد.

وأضاف أن انتقال المتظاهرين من موقع إلى آخر يثير تساؤلات حول قدرة الأجهزة الأمنية على إدارة الموقف الميداني، معتبراً أن هذه التحركات كان ينبغي التعامل معها بفاعلية أكبر للحيلولة دون حدوث أي تطورات غير متوقعة.

وفي المقابل، لفت إلى أن السلطات الأمنية ربما كانت حريصة على تجنب أي مواجهة مباشرة مع المحتجين، خاصة في ضوء تجارب سابقة مرتبطة بالتعامل مع التظاهرات، ما أدى إلى حالة من التردد بين فرض الإجراءات الأمنية والحفاظ على حق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم.

وتابع أن هذه المعادلة أسهمت في انتقال الاحتجاجات إلى مواقع أخرى، كما سمحت بحدوث بعض التجاوزات، من بينها اختراق الحواجز الأمنية المحيطة بعدد من المقار الدولية، معتبراً أن ذلك يعكس وجود خلل في إدارة المشهد الميداني.

وأكد بلقاسم أن المسؤولية النهائية في هذا الملف تقع على عاتق السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية التابعة لها، باعتبار أن حماية البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية تمثل مسؤولية سيادية وقانونية تتحملها الحكومة في الدولة المضيفة.

وفيما يتعلق بموقف حكومة الدبيبة من الأزمة، رأى الباحث السياسي أن أحد أبرز أسباب تصاعد الاحتقان الشعبي يتمثل في غياب الثقة بين الحكومة والمجتمع، إلى جانب ضعف التواصل الرسمي بشأن الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف الهجرة والتوطين.

وأوضح أن الحكومة لم تنجح في تقديم رسائل واضحة ومقنعة للرأي العام حول حقيقة ما يجري، الأمر الذي ترك المجال مفتوحاً أمام الشائعات والتفسيرات المتباينة، وساهم في تأجيج المخاوف لدى شرائح واسعة من المواطنين.

وأشار إلى أن الاحتجاجات، رغم ما شهدته من توتر، لم تسفر عن أعمال عنف أو إصابات تُذكر، وهو ما اعتبره مؤشراً إيجابياً، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن ذلك لا ينفي وجود أزمة حقيقية تتعلق بضعف الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.

كما حذر من محاولات بعض الأطراف الدفع نحو خلق حالة مواجهة بين المجتمع الليبي والمنظمات الدولية أو المجتمع الدولي بشكل عام، معتبراً أن مثل هذا المسار قد يحمل تداعيات سياسية وأمنية تنعكس سلباً على صورة ليبيا وعلاقاتها الخارجية.

وفي المقابل، حمّل بلقاسم المنظمات الدولية جزءاً من المسؤولية، معتبراً أنها لم تبذل جهوداً كافية للتواصل المباشر مع المجتمع الليبي عبر القنوات الرسمية ووسائل الإعلام المحلية، كما أنها لم تقدم توضيحات وافية بشأن طبيعة عملها وأهدافها داخل البلاد.

وأضاف أن البيانات الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة ومؤسساتها عقب الاحتجاجات، والتي أكدت عدم دعم أي مشاريع لتوطين المهاجرين في ليبيا، جاءت متأخرة نسبياً ولم تنجح في معالجة أزمة نقص المعلومات أو تبديد المخاوف المنتشرة لدى الرأي العام.

وأكد أن جوهر الاحتجاجات يتمثل في رفض فكرة التوطين، وهو موقف يحظى بتأييد شعبي واسع، بينما تسعى بعض الجهات إلى توظيف هذا الملف وتوجيهه نحو أهداف سياسية أخرى تخدم مصالحها الخاصة.

ورأى أن معالجة الأزمة تتطلب تعزيز التواصل بين الحكومة والمجتمع، وتحسين آليات التنسيق بين السلطات الليبية والمنظمات الدولية، إلى جانب توفير معلومات واضحة وشفافة للرأي العام للحد من الشائعات ومنع حالة الارتباك التي صاحبت الأحداث الأخيرة.

وفي محور آخر، تناول بلقاسم التطورات المتعلقة بالعملية السياسية، معتبراً أن التقدم الذي أحرزته المجموعة المصغرة “4+4” يمثل خطوة إيجابية على مستوى وضع الأطر العامة والتنفيذية للعملية الانتخابية، لكنه لا يعكس بالضرورة وجود توافق سياسي شامل بين الأطراف الليبية حول القضايا الجوهرية المرتبطة بالانتخابات.

وأوضح أن مسار “4+4” يأتي ضمن الجهود التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ويمثل مساراً موازياً ومختلفاً عن المبادرات الدولية الأخرى المطروحة، مشدداً على أن تقييم نتائجه ينبغي أن يتم في ضوء التجارب السابقة للمسارات السياسية التي رعتها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية.

وأشار إلى أن اللجنة تمكنت حتى الآن من تحقيق تقدم يتعلق بالإطار التنفيذي لاختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، معتبراً أن هذه الخطوة مهمة، لكنها لا تعني تجاوز العقبات الأساسية التي لا تزال تعرقل الوصول إلى انتخابات شاملة.

وبينّ أن ملف الانتخابات لا يزال من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد الليبي، نظراً لارتباطه بخلافات سياسية وقانونية ودستورية متعددة، على رأسها العلاقة بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وآليات توزيع المقاعد في البرلمان، إضافة إلى شروط الترشح للانتخابات الرئاسية.

ولفت إلى أن فرص التوافق قد تكون أكبر إذا جرى التركيز أولاً على إجراء الانتخابات البرلمانية، بالتوازي مع وجود سلطة تنفيذية أو جسم رئاسي يدير المرحلة الانتقالية ويهيئ الظروف السياسية والقانونية اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية في مرحلة لاحقة.

كما رأى أن التوصل إلى توافق بشأن الانتخابات الرئاسية لا يزال أكثر صعوبة من التوافق حول الانتخابات البرلمانية، مشيراً إلى أن التجارب السابقة، سواء عبر مجلسي النواب والدولة أو لجنة “6+6” أو مختلف المسارات الحوارية والاستشارية، لم تتمكن من معالجة القضايا الخلافية المرتبطة بهذا الملف.

وأكد أن الانتخابات الرئاسية لا تزال تمثل جوهر الأزمة السياسية الليبية، موضحاً أن أبرز نقاط الخلاف تتمثل في شرط الجنسية، والاستقالة من المناصب السيادية والتنفيذية قبل الترشح، إلى جانب قضية ترشح العسكريين للمناصب السياسية وآليات تنظيم مشاركتهم في العملية الانتخابية.

وأضاف أن هذه القضايا ما زالت محل خلاف بين مختلف الأطراف، ولا توجد مؤشرات واضحة حتى الآن على التوصل إلى توافقات حقيقية بشأنها، رغم استمرار المشاورات السياسية.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة من اجتماعات “4+4” ستكون الأكثر حساسية وتعقيداً، لأنها ستتناول الملفات التي عجزت المسارات السابقة عن حلها، ما يجعلها اختباراً حقيقياً لقدرة اللجنة على تحقيق اختراق سياسي فعلي.

وفيما يخص الانتخابات البرلمانية، أوضح أن هناك تحديات فنية وسياسية تتعلق بتوزيع المقاعد والتمثيل السكاني والتوازن بين المناطق المختلفة، فضلاً عن مطالب بعض المناطق بإعادة النظر في آليات التمثيل البرلماني بما يضمن مشاركة أكثر عدالة.

كما أشار إلى وجود إشكاليات تخص المناطق الحدودية والمناطق المنتجة للنفط وبعض المناطق التي ترى أن تمثيلها السياسي لا يعكس وزنها السكاني أو الاقتصادي، ما يستدعي معالجة هذه الملفات قبل المضي في أي استحقاق انتخابي.

وأكد أن حل هذه الإشكاليات يتطلب حواراً سياسياً ومجتمعياً واسعاً يتجاوز النخب السياسية التقليدية، ويشمل مختلف القوى والفعاليات الليبية للوصول إلى مقاربات أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.

وفي ختام حديثه، أوضح بلقاسم أنه لا يتبنى موقفاً متشائماً بالكامل تجاه فرص نجاح المسار السياسي، لكنه في الوقت ذاته لا يرى مؤشرات كافية تدعو إلى التفاؤل بإمكانية الوصول السريع إلى تفاهمات نهائية بين الأطراف الرئيسية، وفي مقدمتها حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة. وأضاف أن الأزمة الليبية تحتاج إلى أكثر من اجتماعات فنية أو لجان مصغرة، بل تتطلب نقاشاً وطنياً واسعاً حول شكل الدولة ومستقبل العملية السياسية والضمانات المطلوبة لإنجاح أي انتخابات مقبلة.

واختتم بالتأكيد على أن الانتخابات تظل الخيار الأكثر واقعية لمعالجة الأزمة الليبية، لكنها تحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية توافقية تضمن مشاركة جميع الأطراف، وتسهم في تجديد الشرعية وإنهاء حالة الانقسام السياسي المستمرة منذ سنوات، بما يقلل من احتمالات عودة الصراع أو انهيار أي تفاهمات سياسية مستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى