غيث: ارتفاع الإيرادات النفطية مؤقت ولا يعكس تعافياً حقيقياً للاقتصاد الليبي

أكد عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، الدكتور مراجع غيث، أن الارتفاع الأخير في الإيرادات النفطية لا يمكن اعتباره مؤشراً على تحسن هيكلي في الاقتصاد الليبي، مشيراً إلى أن قراءة الأرقام المالية بمعزل عن السياق الاقتصادي العام قد تقود إلى استنتاجات مضللة بشأن حقيقة الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
وأوضح غيث، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة24″، أن الاقتصاد الليبي يواجه جملة من التحديات المعقدة رغم تسجيل إيرادات نفطية مرتفعة، لافتاً إلى أن ما يقارب أربعة مليارات دولار من العوائد النفطية، إلى جانب فاتورة استيراد الوقود التي تقدر بنحو مليار دولار، تأتي في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتذبذب سعر صرف الدولار في السوق الموازية الذي وصل إلى نحو 8.37 دينار، ما يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كان الاقتصاد يشهد حالة انتعاش أم يقترب من مزيد من التراجع.
وأضاف أن الزيادة الحالية في الإيرادات النفطية تعد زيادة ظرفية ومؤقتة، وليست نتيجة تحسن مستدام في الإنتاج أو تطور هيكلي في القطاع النفطي، موضحاً أن هذه الزيادة ارتبطت بالظروف الجيوسياسية الدولية، وخاصة الأزمة الناجمة عن الحرب بين إيران والولايات المتحدة، والتي انعكست بصورة مباشرة على أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، شدد غيث على أن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة إمكانية إنفاقها بالكامل، موضحاً أن الدولة ملزمة بسقف الإنفاق المحدد في الميزانية المعتمدة من السلطة التشريعية. وأشار إلى أن أي إيرادات تتجاوز هذا السقف، والمقدر بنحو 170 مليار دينار وفق الترتيبات المالية المعتمدة، لا يمكن التصرف فيها خارج الأطر القانونية والرسمية حتى وإن كانت قد دخلت فعلياً إلى الخزانة العامة.
كما أوضح أن هذا التوجه يتوافق مع توصيات صندوق النقد الدولي، الذي يدعو إلى توجيه الفوائض النفطية نحو الاحتياطيات المالية والصناديق الادخارية لمواجهة تقلبات الأسواق والأزمات المستقبلية، بدلاً من ضخها مباشرة في الإنفاق الجاري. وأكد أنه يتفق مع هذا الطرح، معتبراً أن بناء احتياطيات مالية قوية يمثل ضمانة أساسية للاستقرار الاقتصادي مستقبلاً.
وتابع: ليبيا سبق وأن اعتمدت سياسة تجنيب جزء من الفوائض النفطية في حسابات احتياطية، غير أن المشكلة الأساسية كانت تتمثل في ضعف الأطر القانونية والرقابية المنظمة لعمليات الصرف، الأمر الذي يستدعي اليوم وضع قواعد واضحة وآليات رقابة صارمة تضمن الشفافية وحسن إدارة هذه الأموال.
وحذر غيث من أن انتهاء التوترات الجيوسياسية الحالية قد يؤدي إلى زيادة إنتاج النفط من قبل الدول الخليجية وغيرها من الدول المنتجة، ما سيرفع حجم المعروض العالمي ويؤدي بالتبعية إلى انخفاض الأسعار وفقاً لقواعد العرض والطلب، وهو ما يفرض على ليبيا الاستعداد منذ الآن لمثل هذا السيناريو عبر سياسات مالية احترازية.
ودعا إلى ترشيد الإنفاق العام وعدم توجيه الفوائض النفطية نحو مصروفات غير ضرورية أو توسيع الإنفاق التشغيلي، مؤكداً أن الالتزام بالميزانية المعتمدة واستثمار الفوائض بصورة مدروسة ومسؤولة يعد الخيار الأمثل للحفاظ على الاستقرار المالي على المدى الطويل.
وأشار غيث إلى أن الموازنات العامة في ليبيا خلال السنوات الماضية اتسمت بطابع استهلاكي واضح، موضحاً أن الحديث عن انتعاش الميزانية بالأرقام يبقى محل نقاش واسع في ظل استمرار الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية وغياب الدور التنموي الفاعل في بنية الإنفاق العام.
ولفت إلى أن التحسن المؤقت في الإيرادات لا ينعكس بالضرورة على الواقع المعيشي للمواطنين، لافتاً إلى أن القدرة الشرائية لا تزال تعاني ضغوطاً كبيرة، بينما يرى البعض أن الوضع المالي العام يقترب من حالة الانهيار من حيث تأثيره المباشر على حياة المواطنين ومستويات المعيشة.
وبيّن أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بحجم الإيرادات فحسب، بل بطبيعة توظيفها، متسائلاً عما إذا كانت الميزانيات العامة صُممت فعلاً لإنعاش الاقتصاد وتحقيق تنمية مستدامة، أم أنها تركز فقط على تغطية المصروفات التشغيلية وعلى رأسها رواتب القطاع العام المتضخم، دون وجود رؤية استثمارية واضحة تدعم النمو الاقتصادي.
وأشار إلى أن بندي المرتبات والدعم يستحوذان على الجزء الأكبر من الإنفاق العام، موضحاً أن الجدل المتصاعد حول دعم الوقود يعكس حجم العبء الذي تمثله هذه البنود، والتي قد تستهلك أكثر من 80 بالمئة من إجمالي الإنفاق الحكومي، ما يترك هامشاً محدوداً للغاية للإنفاق التنموي والاستثماري.
وأكد أن المشاريع التنموية غالباً ما تكون أول ضحايا الأزمات المالية، إذ يتم تجميدها أو إيقافها عند انخفاض الإيرادات النفطية أو تراجع أسعار الخام، في حين تستمر النفقات التشغيلية الأساسية دون تغيير يذكر.
وأضاف أن تقليص الإنفاق قد يطال أحياناً بعض البنود القابلة للتأجيل، إلا أن مشاريع التنمية تبقى الأكثر تضرراً على الدوام، رغم دورها المحوري في خلق فرص العمل وتحفيز النشاط الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل الوطني.
وأوضح أن الإنفاق الاستهلاكي لا يخلق قيمة اقتصادية مستدامة، ولا يسهم في توسيع القاعدة الضريبية أو زيادة إيرادات الدولة، بخلاف المشاريع التنموية التي تعزز الاقتصاد الإنتاجي وتوفر فرصاً أكبر للنمو.
وفي سياق متصل، انتقد غيث محدودية الاهتمام بالقطاع الخاص، معتبراً أنه يشكل أحد أهم مصادر الإيرادات والتنمية الاقتصادية. وأشار إلى أن ليبيا كانت تمتلك في السابق مؤسسات مالية متخصصة، من بينها مصرف التنمية والمصرف الريفي والمصرف الزراعي ومصرف الاستثمار الداخلي والاستثمار العقاري، داعياً إلى إعادة هيكلتها وتفعيل دورها في تمويل الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية.
كما شدد على أهمية توفير التمويل للمواطنين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد المفرط على القطاع العام.
وفيما يتعلق بملف دعم الوقود، وصف غيث القضية بأنها من أكثر الملفات الاقتصادية تعقيداً في ليبيا، معتبراً أن البلاد انزلقت إلى هذا المسار منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وأن تعقيدات الملف تراكمت مع مرور الزمن حتى أصبح الخروج منه أكثر صعوبة.
واعتبر أن الحكومات المتعاقبة فضلت تأجيل معالجة الملف بدلاً من اتخاذ قرارات جريئة، مرجعاً ذلك إلى طبيعة العلاقة بين الإنفاق العام والشرعية السياسية، حيث إن زيادة الإنفاق تعزز شعبية الحكومات، بينما قد يؤدي تقليصه أو إعادة هيكلته إلى ردود فعل سياسية واجتماعية سلبية. مؤكداً أن الدعم الحالي للوقود يصل في بعض التقديرات إلى ما يقارب 100 بالمئة من التكلفة الفعلية، أو ما يزيد على 97 بالمئة منها، وهو ما يجعل المواطن يحصل على الوقود بأسعار رمزية لا تعكس قيمته الحقيقية.
وأردف: أن هذا الوضع يخلق هدراً اقتصادياً كبيراً، مستشهداً بإمكانية ملء خزان سيارة كاملة بما لا يتجاوز خمسة دنانير تقريباً، أي أقل من دولار واحد، لقطع مسافات طويلة قد تصل إلى 500 كيلومتر، وهو أمر لا يوجد في أي اقتصاد طبيعي حول العالم.
ورغم اتفاق معظم الخبراء على ضرورة مراجعة سياسة تسعير الوقود، أوضح غيث أن التحدي لا يكمن في الجانب النظري، بل في القدرة على تنفيذ الإصلاحات عملياً في ظل الحساسية الاجتماعية المرتفعة لهذا الملف.
وأشار إلى أن الحكومات تتردد في اتخاذ قرارات تتعلق برفع الدعم أو تعديله خوفاً من ردود الفعل الشعبية، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة البدء بخطوات تدريجية ومدروسة لتصحيح الأسعار.
واستشهد بالفترة ما بين عامي 2010 و2011، موضحاً أن سعر لتر الوقود كان آنذاك في حدود 20 قرشاً رغم أن الرواتب كانت أقل بكثير مما هي عليه اليوم، متسائلاً عن أسباب عدم مراجعة الأسعار بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
كما لفت إلى وجود خلل كبير في منظومة الجباية والتوزيع، مشيراً إلى أن تقارير رقابية تحدثت عن فقدان أو هدر أكثر من نصف قيمة الوقود نتيجة التهريب أو سوء الإدارة أو التصرف من قبل جهات مختلفة، سواء كانت مدنية أو عسكرية، ما يضعف من قدرة الجهات المختصة على التحصيل الفعلي.
وانتقد استمرار هذا النزيف المالي، مؤكداً أن إصلاح منظومة الجباية والتوزيع يجب أن يسبق أي تعديل جوهري في الأسعار، لأن بناء سياسة تسعير فعالة في ظل منظومة غير منضبطة سيؤدي إلى نتائج محدودة.
ودعا إلى اعتماد حلول تدريجية تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية، خاصة في المناطق النائية والجنوب الليبي، حيث ترتفع تكاليف النقل والمعيشة بصورة أكبر من بقية المناطق.
وحذر كذلك من أن أي إصلاح غير مدروس قد يؤدي إلى زيادة الهجرة الداخلية نحو المدن الشمالية، نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة توفير الخدمات في المناطق البعيدة. مؤكداً أن إنهاء الدعم بصورة مفاجئة أو وقف استيراد الوقود ليس خياراً واقعياً، داعياً إلى وضع بدائل منظمة وتدريجية تحافظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الوقت ذاته.
واستطرد أن الأزمة الحالية لا ترتبط بنقص الإمدادات أو توقف الاستيراد، إذ تنفق الدولة ما يقارب مليار دولار شهرياً على استيراد الوقود، ما يعني أن المشكلة الأساسية تكمن في منظومتي التوزيع والتهريب أكثر من ارتباطها بعملية التوريد.
كما تطرق إلى الجدل القائم بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط، إضافة إلى تعدد الجهات والشركات الوسيطة العاملة في منظومة التوريد والتوزيع، معتبراً أن هذا التشابك الإداري يثير الكثير من التساؤلات حول كفاءة الهيكل الحالي.
وانتقد وجود عدد كبير من الوسطاء بين المنتج والمستهلك، متسائلاً عن جدوى تعدد الشركات التي تتعامل مع مصدر واحد ومنتج موحد، في وقت تعتمد فيه العديد من الدول على شركات متخصصة تتميز بتنوع المنتجات والخدمات. ورأى أن هذا التعقيد المؤسسي يسهم في إنتاج أزمات متكررة داخل القطاع، مشيراً إلى أن بعض تلك الأزمات قد تُستخدم بصورة غير مباشرة للتأثير على الرأي العام ودفعه نحو تقبل فكرة تعديل أسعار الوقود، وإن كان لا يعتقد بوجود سياسة حكومية مباشرة بهذا الاتجاه.
وفي المقابل، أقر غيث بوجود مخاوف حقيقية لدى المواطنين من أي إصلاح محتمل في أسعار الوقود، مرجعاً ذلك إلى ضعف الثقة في مؤسسات الدولة وانتشار الفساد وضعف الرقابة. ومع ذلك، أكد أن استمرار الوضع الحالي لم يعد خياراً مستداماً، داعياً إلى تبني سياسة انتقالية تقوم على التحول التدريجي من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي المباشر خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.
وأوضح أن التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال اعتمدت على خطوات متدرجة بدأت غالباً بإصلاح أسعار البنزين باعتباره الأقل تأثيراً على الأنشطة الإنتاجية مقارنة بأنواع الوقود الأخرى.
كما شدد على ضرورة توفير دعم نقدي مباشر للفئات الهشة عبر آليات شفافة تضمن وصوله إلى مستحقيه دون وسطاء، مقترحاً أن تتولى وزارة المالية تحويل هذا الدعم مباشرة إلى المواطنين.
وأشار إلى أن تحديد الفئات الهشة يعتمد على مدى قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، موضحاً أن التقديرات الحالية قد تتراوح بين 40 و60 بالمئة من السكان، وهو ما يعكس اتساع حجم الشريحة المحتاجة للدعم.
وأضاف أن التحول نحو الدعم النقدي يمكن أن يوفر للأسر المستحقة مبالغ سنوية تتراوح بين 15 و21 ألف دينار وفق تقديرات تقريبية تستند إلى حجم الإنفاق الحالي على الوقود، لكنه أكد في الوقت نفسه أن نجاح هذه السياسة يتطلب وجود آليات تنفيذ دقيقة وفترة تحضيرية قد تمتد إلى عام كامل قبل بدء التطبيق.
وختم غيث حديثه بالتأكيد على أن نجاح أي إصلاح اقتصادي يتطلب تحقيق توازن بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية، داعياً إلى بناء منظومة دعم أكثر استهدافاً وشفافية، تقوم على توجيه الموارد إلى مستحقيها الحقيقيين، بدلاً من استمرار النموذج الحالي القائم على الدعم الشامل وما يرافقه من هدر مالي واختلالات اقتصادية مزمنة.









