“عمران”: الاستفتاء على مشروع الدستور هو الطريق الأقصر لإنهاء المراحل الانتقالية

أكدت عضوة الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، نادية عمران، أن المسار الدستوري في ليبيا، لا يواجه عراقيل حقيقية تحول دون استكماله، معتبرة أن حسم الإشكال الدستوري وإنهاء الجدل السياسي القائم، يمكن أن يتحققا عبر طرح مشروع الدستور للاستفتاء الشعبي، بما يتيح لليبيين تقرير مستقبلهم السياسي والدستوري بشكل مباشر، ويضع حداً للمراحل الانتقالية المتعاقبة التي أنهكت البلاد على مدى السنوات الماضية.
وأوضحت عمران، خلال مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، أن الاتجاه نحو الفصل بين المسار الدستوري المؤقت والمسار الدستوري الدائم يثير العديد من التساؤلات، لافتة إلى أن الذهاب نحو انتخابات تستند إلى قاعدة دستورية مؤقتة، مع تأجيل البت في مشروع الدستور الدائم، يعني عملياً إعادة إنتاج مرحلة انتقالية جديدة بدلاً من معالجة جذور الأزمة السياسية والدستورية بشكل نهائي.
وأضافت أن الحديث عن عدم وجود حلول قريبة للملف الدستوري لا يستند إلى معطيات واقعية، مشيرة إلى أن مشروع الدستور جاهز منذ سنوات، وأن اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي يمثل المسار الطبيعي لتعزيز الشرعية الشعبية، بدلاً من الاستمرار في إنتاج مبادرات وحوارات وأجسام انتقالية جديدة.
وفي هذا السياق، انتقدت عمران، أداء بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، معتبرة أن البعثة باتت تعكس توجهات ومصالح دول مؤثرة داخل المجتمع الدولي، وأنها تتدخل بشكل متكرر في الشأن الليبي من خلال طرح مسارات سياسية لا تؤدي إلى إنهاء الأزمة بقدر ما تسهم في تعقيدها وإطالة أمدها.
كما رأت أن التجارب السابقة، بدءاً من اتفاق الصخيرات مروراً بحوار جنيف ووصولاً إلى الحوار المهيكل الحالي، أثبتت أن الحلول التي تُصاغ بعيداً عن الإرادة الشعبية لم تنجح في تحقيق الاستقرار، بل أدت إلى تمديد المراحل الانتقالية وتعميق الانقسام السياسي والمؤسساتي.
ورداً على الانتقادات المتعلقة بمقترح الاستفتاء الإلكتروني واعتماد الأرقام الوطنية، أوضحت عمران، أن الإشكاليات المرتبطة بمنظومة الأرقام الوطنية لا تختلف عن التحديات التي قد تواجه أي عملية انتخابية أخرى، متسائلة عن أسباب استخدام هذه الملاحظات لتبرير تعطيل الاستفتاء على مشروع الدستور، في حين لا تُستخدم المبررات ذاتها لعرقلة الانتخابات.
وأكدت أن القضية الجوهرية بالنسبة للهيئة التأسيسية، تتمثل في استمداد الشرعية مباشرة من الشعب الليبي، معتبرة أن الاستفتاء على مشروع الدستور يمثل الطريق الأقصر والأوضح لحسم الخلافات الدستورية والسياسية، بدلاً من البحث المستمر عن بدائل لا تستند إلى الإرادة الشعبية.
وقالت عمران، إن أعضاء الهيئة الذين يواصلون الدفاع عن مشروع الدستور لا يسعون إلى تحقيق مكاسب سياسية أو شخصية، وإنما يهدفون إلى إنهاء حالة الهدر المستمرة للمال العام، ووضع حد لمعاناة المواطنين الناتجة عن استمرار الانقسام وغياب الاستقرار، مؤكدة أن استمرار المراحل الانتقالية لم يعد يخدم مصلحة الدولة الليبية.
وعن أسباب الاعتراض على مشروع الدستور، أوضحت عمران، أن أعضاء الهيئة أنفسهم كانت لديهم ملاحظات وتحفظات على بعض المواد أثناء مرحلة الصياغة، إلا أن المشروع أُقرّ وفق آلية تصويت معززة تشترط موافقة ثلثي الأعضاء زائد واحد، وهو ما يمنحه شرعية توافقية واسعة تتجاوز ما هو معمول به في العديد من التجارب الدستورية الأخرى التي تعتمد الأغلبية البسيطة.
وأضافت أن من الطبيعي ألا يحظى أي دستور بإجماع كامل أو رضا مطلق من جميع الأطراف، غير أن ذلك لا يشكل سبباً لتعطيله أو منع عرضه على الاستفتاء الشعبي، مؤكدة أن الفيصل النهائي في هذه المسألة يجب أن يكون رأي المواطنين أنفسهم لا مواقف القوى السياسية أو المؤسسات القائمة.
كما اعتبرت عمران، أن بعثة الأمم المتحدة تميل في بعض الأحيان إلى تبني توجهات محددة داخل المسارات السياسية، مستشهدة بما طرحته عضوة الحوار المهيكل جيهان مطاوع بشأن تبني بعض المقترحات وتجاهل الآراء المخالفة لها داخل النقاشات السياسية الأخيرة.
وكشفت عمران، أن الهيئة التأسيسية خاطبت بعثة الأمم المتحدة وطلبت عقد لقاءات مع أعضاء الحوار المهيكل لشرح مشروع الدستور وتوضيح مضمونه والخطوات القانونية المرتبطة به، وذلك بهدف تجنب إعادة فتح نقاشات تأسيسية سبق أن خاضها الليبيون منذ عام 2014، إلا أن هذه المبادرة لم تلقَ استجابة.
وأضافت أن البعثة بررت موقفها بوجود مخاوف من رفض مشروع الدستور، معتبرة أن هذا التبرير غير مقنع، لأن الوسيلة الوحيدة لمعرفة موقف الليبيين من المشروع تتمثل في طرحه للاستفتاء وترك القرار للشعب.
وحول ما إذا كانت الاعتراضات على المشروع ترتبط بمواد محددة أو بخلفيات سياسية أوسع، أوضحت عمران، أن هناك جملة من الأسباب المتداخلة، من بينها وجود أطراف سياسية لا ترغب أساساً في الانتقال إلى مرحلة دستورية مستقرة، لأن ذلك سيؤدي إلى إنهاء الأجسام الانتقالية الحالية وخروج بعض القوى من المشهد السياسي.
وأكدت أن عدداً من النصوص الواردة في مشروع الدستور لا ينسجم مع مصالح بعض الأطراف السياسية النافذة، وهو ما يفسر جانباً من المعارضة التي يواجهها المشروع، مضيفة أن هناك أيضاً أطرافاً إقليمية لا يخدمها انتقال ليبيا إلى مرحلة الاستقرار الكامل وبناء مؤسسات دائمة.
وفي هذا الإطار، أشارت عمران، إلى أن الاستفتاء على مشروع الدستور يعني عملياً إنهاء مختلف الأجسام الانتقالية القائمة والانتقال إلى مرحلة دستورية مستقرة، وهو ما قد يتعارض مع مصالح بعض الجهات المستفيدة من استمرار الوضع الراهن.
ولفتت إلى أن من بين المواد التي أثارت جدلاً لدى بعض الأطراف النص المتعلق بعدم السماح لمزدوجي الجنسية بتولي بعض المناصب السيادية العليا، معتبرة أن هذا النص قد يتعارض مع مصالح شخصيات سياسية وأعضاء في مؤسسات قائمة أو مرشحين محتملين لمناصب قيادية.
كما رأت أن لدى بعثة الأمم المتحدة تحفظات على بعض المواد المرتبطة بالهوية ومصادر التشريع، مؤكدة أن مثل هذه القضايا يجب أن تُحسم حصراً من قبل الليبيين أنفسهم، بعيداً عن أي تأثيرات أو اعتبارات خارجية.
وفي سياق متصل، شددت عمران، على أن مشروع الدستور لا يعاني من أزمة شرعية أو قبول مجتمعي بالصورة التي يروج لها البعض، مؤكدة أن تهميش الملف الدستوري بات يتكرر في مختلف المبادرات السياسية، كما حدث سابقاً خلال حوار جنيف ولجنة الـ75، رغم أن المشروع يمثل أحد أهم مفاتيح معالجة الأزمة الليبية.
وعن تحفظات بعض المكونات الليبية على المشروع، أوضحت عمران، أن الإعلان الدستوري نص بوضوح على مراعاة الخصوصيات الثقافية واللغوية للمكونات الليبية، وأن الهيئة أخذت هذه الاعتبارات بعين الاهتمام أثناء إعداد المشروع.
وأضافت أن مكون الطوارق توصل إلى توافق كامل مع الهيئة بشأن النصوص الدستورية، فيما استمرت المشاورات والتواصل مع المكون الأمازيغي رغم عدم مشاركته المباشرة في الهيئة، مشيرة إلى أن عدداً من المواد عُدّل استجابة لملاحظات ومقترحات قدمت خلال مراحل الصياغة.
وأشارت إلى أن المكون الوحيد الذي ظل لديه عدد من التحفظات هو مكون التبو، موضحة أن اعتراضاته تركزت حول قضايا تتعلق بالتمثيل في السلطة التنفيذية وبعض الجوانب الإدارية، وليس بشأن الحقوق الثقافية واللغوية التي تناولها الإعلان الدستوري.
وفي معرض ردها على من يربطون الاستقرار السياسي بضرورة تأجيل الاستفتاء على مشروع الدستور، استندت عمران، إلى مفهوم اللحظة الدستورية في الفقه الدستوري، موضحة أن الدول تلجأ عادة إلى إقرار الدساتير إما للخروج من الأزمات أو لمنع وقوعها، معتبرة أن ليبيا تنطبق عليها الحالتان معاً في الوقت الراهن.
وأكدت أن الدستور ليس الضامن الوحيد للاستقرار، لكنه يمثل إحدى ركائزه الأساسية، لافتة إلى أن معظم الخلافات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، سواء المتعلقة بالمناصب السيادية أو الانتخابات أو شروط الترشح للمناصب العليا، كانت في جوهرها ناتجة عن غياب أساس دستوري مستقر ينظم الحياة السياسية بشكل واضح.
وأضافت أن مجلس النواب نفسه استند في عدد من تعديلاته ومبادراته الدستورية إلى مفاهيم ونصوص مأخوذة من مشروع الدستور، بما يعكس الحاجة المستمرة إلى مرجعية دستورية واضحة وشاملة.
كما ذكّرت عمران، بأن بعثة الأمم المتحدة كانت في مراحل سابقة من أبرز الداعمين للهيئة التأسيسية ولمشروع الدستور، مشيرة إلى أن المبعوث الأممي الأسبق غسان سلامة كان يؤكد أهمية استكمال التصويت على المشروع باعتباره خطوة أساسية نحو الاستقرار، قبل أن يتحول النقاش لاحقاً إلى فكرة القاعدة الدستورية المؤقتة.
ورداً على الطرح القائل إن فتح ملف الدستور قد يؤدي إلى تأجيل الانتخابات وإطالة بقاء بعض الأطراف في السلطة، اعتبرت عمران، أن البديل المطروح حالياً يتمثل في إدخال البلاد في مرحلة انتقالية جديدة قد تستمر سنوات إضافية، في حين أن مشروع الدستور يمثل وثيقة جاهزة أعدتها هيئة منتخبة ويمكن الاحتكام بشأنها مباشرة إلى إرادة الناخبين.
وأوضحت أن الإعلان الدستوري رسم مساراً واضحاً للتعامل مع المشروع، إذ يُعرض على الاستفتاء الشعبي، فإذا وافق عليه المواطنون يصبح دستوراً دائماً للبلاد، أما إذا رفضوه فيُعاد إلى الهيئة لإجراء التعديلات اللازمة خلال فترة زمنية محددة قبل إعادة طرحه من جديد.
واعتبرت عمران، أن استمرار تعطيل هذا المسار يعود إلى إدراك بعض الأطراف السياسية والجهات الدولية أن الاستفتاء قد يحظى بقبول شعبي واسع، مؤكدة أن الليبيين يتطلعون إلى أي خطوة تضع حداً لحالة عدم الاستقرار وتنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.
وأشارت إلى أن مشروع الدستور، رغم ما قد يتضمنه من ملاحظات أو نواقص باعتباره عملاً بشرياً، يظل نتاج عملية تأسيسية استمرت أربع سنوات وشارك فيها قانونيون وخبراء وممثلون عن مختلف التوجهات السياسية والفكرية والاجتماعية في ليبيا.
ووصفته بأنه التوافق العظيم بين الليبيين، موضحة أن الهيئة ضمت ممثلين عن مختلف التيارات والمناطق، وأصدرت أكثر من مسودة خضعت لمراجعات وتعديلات متتالية قبل الوصول إلى النسخة النهائية التي تم التصويت عليها.
كما علقت عمران، على ما ورد في بعض مخرجات الحوار المهيكل بشأن الأقاليم، محذرة من أن العودة إلى صيغ قائمة على المحاصصة أو المثالثة بين الأقاليم قد تفتح الباب أمام انقسامات جديدة وتكرس منطق التقسيم بدلاً من تعزيز وحدة الدولة.
وأكدت أن الحفاظ على وحدة ليبيا يتطلب بناء مؤسسات تستند إلى الدستور وإرادة المواطنين، لا إلى ترتيبات انتقالية مؤقتة أو معادلات سياسية ظرفية.
وشددت على أن الهيئة التأسيسية استنفدت معظم الأدوات المتاحة لها، سواء عبر التواصل مع المؤسسات السياسية أو اللجوء إلى القضاء أو إصدار البيانات والمواقف التوضيحية، مؤكدة أن الهيئة ستواصل الدفاع عن حق الليبيين في الاحتكام إلى الاستفتاء الشعبي، باعتباره الخيار الأكثر شرعية وواقعية لإنهاء الانسداد السياسي وبناء دولة المؤسسات والقانون وتحقيق الاستقرار الدائم في ليبيا.









