ليبيا

“القطراني”: إنشاء أقاليم جديدة قد يفتح الباب لتعقيدات يصعب احتواؤها

قال القيادي في التيار الفيدرالي، أبو بكر القطراني، إن الجدل الدائر حول إعلان الإقليم الجديد لا يرتبط فقط بمسألة اللامركزية أو توزيع الصلاحيات، بل يعكس في جوهره أزمة ثقة أعمق في مؤسسات الدولة، إلى جانب ارتباطه بحسابات النفوذ والتموضع السياسي في ظل غياب سلطة سياسية وعسكرية موحدة على مستوى البلاد.

وأكد القطراني، في تصريحات لقناة “فرانس 24″، أن مفهوم الأقاليم ليس أمراً جديداً على ليبيا، موضحاً أن البلاد تتكون تاريخياً من أقاليم برقة وطرابلس وفزان، وفق ما ورد في قرار الأمم المتحدة رقم 289، كما أن مقدمة الدستور الليبي أشارت إلى ممثلي الشعب الليبي من برقة وطرابلس وفزان، معتبراً أن مصطلح الإقليم لا ينبغي أن يثير مخاوف أو حساسية لدى الليبيين.

وأوضح أن المخاوف التي يبديها بعض الليبيين ترتبط بالاعتقاد بأن منح الأقاليم صلاحيات واسعة قد يقود إلى التقسيم أو يهدد وحدة البلاد، مشيراً إلى أن هذا التصور يقف خلف جزء من الجدل الدائر بشأن إعلان ما يُعرف بالإقليم الرابع.

وأضاف أن الإعلان عن الإقليم جاء بمبادرة من عدد من البلديات، من بينها بلديات ترهونة ومصراتة وبني وليد إلى جانب بلديات أخرى بلغ عددها تسع بلديات، لافتاً إلى أن هذه البلديات رأت ضرورة تأسيس إقليم يجمعها ضمن إطار مشترك.

ورأى القطراني، أن هذه الخطوة قد تحمل أبعاداً سياسية، سواء بهدف ممارسة الضغط في اتجاهات معينة أو لترسيخ فكرة وجود إقليم يمكن أن يكون له دور في المستقبل القريب ضمن المشهد الليبي.

وأشار إلى أن قانون الإدارة المحلية رقم 59 يتيح، وفق المواد من 44 إلى 48، إمكانية طرابلس تجعل من أي مبادرة تسهم في تقريب وجهات النظر وردم الفجوات بين مكوناته أمراً إيجابياً، معتبراً أن أي خطوة تساعد على تعزيز التقارب بين المناطق التي شهدت خلافات سابقة يمكن النظر إليها باعتبارها خطوة مفيدة على المستوى الاجتماعي والسياسي.

وفي المقابل، شدد القطراني، على أنه إذا كان المقصود من هذه المبادرة إنشاء إقليم ذي طبيعة فيدرالية، فإن ذلك لا يمكن أن يتم إلا عبر تشريع يصدر عن مجلس النواب، معتبراً أن غياب هذا الأساس التشريعي هو ما يدفع العديد من الجهات إلى التشكيك في شرعية الإقليم المعلن ورفضه.

وأوضح أن إقليم طرابلس يختلف في تركيبته الاجتماعية والسياسية عن إقليم برقة، مشيراً إلى أن مناطق إقليم طرابلس تعاني تاريخياً من إشكالات جهوية ومناطقية، في حين تغلب الاعتبارات القبلية على جزء من المشهد الاجتماعي في برقة، الأمر الذي ينعكس على طبيعة القضايا المطروحة داخل كل إقليم.

وأضاف أن الخلافات التاريخية بين مناطق إقليم طرابلس تجعل من أي مبادرة تسهم في تقريب وجهات النظر وردم الفجوات بين مكوناته أمراً إيجابياً، معتبراً أن أي خطوة تساعد على تعزيز التقارب بين المناطق التي شهدت خلافات سابقة يمكن النظر إليها باعتبارها خطوة مفيدة على المستوى الاجتماعي والسياسي.

وأشار إلى أن موقفه يستند إلى قناعة بأن ليبيا تتكون من ثلاثة أقاليم تاريخية هي برقة وطرابلس وفزان، لافتاً إلى أن هذا التصور يستند إلى شواهد قانونية وتاريخية، من بينها قرار الأمم المتحدة المتعلق باستقلال ليبيا، إضافة إلى ما ورد في مقدمة دستور الأمة الليبية التي نصت على تمثيل شعب ليبيا من برقة وطرابلس الغرب وفزان.

وأضاف أن أي تغيير في هذا التقسيم التاريخي من خلال استحداث أقاليم جديدة قد يفتح المجال أمام مطالب مماثلة في مناطق أخرى، الأمر الذي قد يخلق تحديات إضافية أمام الدولة الليبية، سواء على مستوى الموارد أو القدرات البشرية اللازمة لإدارة هذه الكيانات الجديدة.

ورأى القطراني، أن الأفضل كان يتمثل في تنسيق البلديات المبادِرة مع بلديات برقة وفزان لإحياء النظام الفيدرالي وفق الأقاليم التاريخية الثلاثة، موضحاً أن العودة إلى النموذج الفيدرالي الذي تأسست عليه الدولة الليبية عام 1951 تمثل، من وجهة نظره، الإطار الأنسب لمعالجة هذه القضايا.

وأكد أن من حق إقليم طرابلس، في حال اعتماد النظام الفيدرالي، إنشاء مقاطعات أو وحدات إدارية جديدة داخل نطاقه الجغرافي، سواء في غريان أو الجبل الغربي أو ترهونة أو المنطقة الوسطى، شريطة أن يتم ذلك عبر آليات دستورية وتشريعية واضحة وتحت إشراف المجلس التشريعي للإقليم.

وأوضح أن أي مقترح لإنشاء مقاطعات أو محافظات داخل الإقليم الواحد ينبغي أن يُعرض على المجلس التشريعي للإقليم المعني للتصويت عليه، قبل إحالته إلى مجلس النواب الليبي للمصادقة النهائية، معتبراً أن هذا المسار ينسجم مع التنظيم الإداري للدولة ويحافظ على وحدة البنية الفيدرالية.

وفي المقابل، حذر القطراني، من أن إنشاء أقاليم فيدرالية جديدة خارج التقسيم التاريخي قد يفتح الباب أمام مطالب وتطورات يصعب التحكم فيها مستقبلاً، مشيراً إلى أن الدولة الليبية قد لا تمتلك الإمكانات البشرية والإدارية الكافية لاستيعاب مثل هذا التوسع.

وشدد على أن العودة إلى الصيغة الفيدرالية التي قامت عليها الدولة الليبية عند الاستقلال، والقائمة على أقاليم برقة وطرابلس وفزان، تمثل الخيار الأكثر واقعية، مع منح الأقاليم صلاحية إنشاء مقاطعات ووحدات إدارية داخلية وفق ما يحدده الدستور وتحت إشراف المؤسسات التشريعية المختصة.

واعتبر القطراني، أن العودة إلى النظام الفيدرالي لا تمثل رجوعاً إلى الوراء كما يصفها البعض، مؤكداً أن ليبيا تعيش عملياً حالة من التراجع نتيجة إخفاق النظام المركزي على مدى عقود في تقديم الخدمات للمواطنين وتحقيق التنمية المتوازنة بين المناطق.

وأضاف أن إعلان الإقليم الجديد داخل نطاق إقليم طرابلس، رغم محدودية مساحته مقارنة بإقليمي برقة وفزان، يعد دليلاً على وجود إشكالات حقيقية في نموذج الإدارة المركزية، مشيراً إلى أن إقدام عدد من البلديات على هذه الخطوة يعكس شعوراً بالحاجة إلى صيغ إدارية وتنظيمية مختلفة.

ورأى القطراني، أن الوصول إلى الدولة المدنية الحقيقية يتطلب ترسيخ ثقافة الحوار والتوافق بين المكونات المختلفة، لافتاً إلى أن التجارب الأوروبية نجحت في بناء اتحادات سياسية رغم اختلاف اللغات والثقافات، بينما لا تزال ليبيا تواجه صعوبات في تجاوز الانقسامات المناطقية والجهوية.

وأشار إلى أن إقليم طرابلس شهد تاريخياً خلافات بين عدد من مناطقه ومدنه، موضحاً أن هذه الإشكالات ليست وليدة المرحلة الحالية، بل تعود إلى فترات سابقة، وهو ما يفسر وجود مخاوف لدى بعض المدن من هيمنة مدن أخرى أو استحواذها على القرار داخل أي إطار إقليمي جديد.

وأضاف أن هذه المخاوف يمكن تفهمها، مشدداً على أنه إذا كانت مدينة مصراتة تسعى إلى لعب دور قيادي داخل الإقليم الجديد، فإن ذلك ينبغي أن يتم بالتوافق والتشاور مع بقية البلديات والمناطق المعنية، مع تقديم رؤية واضحة حول أهداف الإقليم وطبيعة صلاحياته والمسار الذي يسعى إلى تحقيقه.

ورأى القطراني، أن أي ترتيبات تتعلق بإعادة تنظيم الأقاليم أو استحداث كيانات إدارية جديدة يجب أن تستند إلى حوار واسع يضم مختلف البلديات المعنية، موضحاً أن المبادرة الحالية لم تجر بشأنها مشاورات مع بقية أقاليم ليبيا أو حتى مع جميع مناطق إقليم طرابلس.

وأشار إلى أن لكل إقليم خصوصياته وظروفه المحلية، معتبراً أن سكان كل منطقة هم الأقدر على تقييم احتياجاتهم وتحديد الخيارات المناسبة لهم، وهو ما يجعله متحفظاً على إصدار أحكام نهائية بشأن المبادرة الحالية.

وأوضح أنه لا يستطيع الجزم بما إذا كان المشروع سيحقق نتائج إيجابية أو سلبية بالنسبة لسكان المنطقة، مؤكداً أن ذلك يتوقف على طبيعة الأهداف الحقيقية التي تقف وراءه وعلى مستوى التوافق الذي يمكن أن يحظى به بين البلديات والمكونات المحلية.

وشدد على ضرورة إشراك جميع البلديات المعنية في مناقشة المشروع ووضعها في صورة أهدافه وتفاصيله، معتبراً أن من حق الرأي العام معرفة ما إذا كان الهدف من هذه الخطوة تنموياً وإدارياً أم أنها تحمل أبعاداً سياسية تتعلق بإعادة ترتيب موازين القوى أو ممارسة الضغوط أو التأثير في مسارات ومشاريع سياسية أخرى.

وأكد أن وضوح الأهداف والشفافية في طرح المبادرات يظلان شرطين أساسيين لضمان قبولها ونجاحها، داعياً إلى تجنب أي خطوات قد تُفسَّر على أنها محاولة لخلط الأوراق أو توظيف القضايا الإدارية في صراعات سياسية قائمة، ومؤكداً أن الليبيين لا يملكون ترف إضاعة المزيد من الوقت في مسارات قد تزيد المشهد تعقيداً بدلاً من المساهمة في حل أزماته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى