“السنوسي”: ملف الهجرة تهديد وجودي للدولة الليبية.. والسياسات الحالية غير كافية

قال الباحث في استراتيجيات الأمن القومي، محمد السنوسي، إن ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا بلغ مرحلة التهديد الأمني الوجودي، في ظل ما وصفه بتداخل عوامل سياسية وأمنية معقدة وانقسام مؤسسي يحد من قدرة الدولة على إدارة هذا الملف بشكل شامل وفعّال.
وأوضح السنوسي، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، أن الإجراءات التي أعلنتها الحكومة المؤقتة ووزارة الداخلية، بما في ذلك وقف منح بعض التأشيرات للعمالة الوافدة وإطلاق منظومة إلكترونية لتسجيل وحصر المهاجرين عبر البصمة والتفتيش الميداني وربط البيانات بين الجهات المختصة، تمثل في جوهرها سياسات وقائية متأخرة وليست حلولًا علاجية للأزمة.
وأضاف أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها من حيث المبدأ، لا ترقى إلى مستوى استراتيجية أمنية متكاملة قادرة على التعامل مع ملف مركب ومعقد، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الأراضي الليبية خارج سيطرة الدولة، ما يجعل تطبيق أي خطة وطنية موحدة أمرًا بالغ الصعوبة.
وأكد أن الاعتماد على المعالجة الإلكترونية والحصر الميداني يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية وضعف المنظومات التقنية، معتبرًا أن الواقع الحالي لا يسمح بتطبيق هذه الأدوات بالشكل المطلوب.
ولفت إلى أن غياب الإحصاءات الدقيقة حول أعداد المهاجرين داخل ليبيا يمثل أحد أبرز الإشكالات الجوهرية، مشيرًا إلى تباين الأرقام بين تقديرات رسمية تتحدث عن نحو 3 ملايين مهاجر، وأخرى صادرة عن منظمات دولية تقدّر العدد بين 800 و900 ألف مهاجر غير نظامي.
وأوضح أن هذا التباين في البيانات ينعكس على دقة تقدير حجم المخاطر الأمنية، لافتًا إلى أن حتى نسبة ضئيلة من هذا العدد قد تشكل تهديدًا إذا ما ارتبطت بأنشطة إجرامية أو تطرف، مشيرا إلى أن عمليات الترحيل المحتملة تواجه بدورها تحديات مالية ولوجستية كبيرة، إلى جانب إشكالات تتعلق بقبول الدول الأصلية استقبال مواطنيها في ظل غياب الوثائق والبيانات الرسمية.
وفي سياق متصل، اعتبر السنوسي، أن ملف الهجرة لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي، لافتًا إلى أن أوروبا تتجه نحو تطوير تشريعات تسمح بإعادة المهاجرين إلى دول العبور، بما فيها ليبيا، ما يزيد من تعقيد المشهد.
وأكد أن الإجراءات الحالية، رغم طابعها التنظيمي والأمني، تبقى غير كافية لمعالجة ملف بهذه الدرجة من التعقيد، داعيًا إلى بلورة استراتيجية وطنية شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسياسية للظاهرة، بدل الاقتصار على الحلول الجزئية أو المتأخرة.
وفي سياق متصل، قال السنوسي، إن الجدل المثار حول ملف التوطين يعكس أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية، في ظل غياب خطاب رسمي واضح وشفاف يشرح طبيعة تدخلات المنظمات الدولية العاملة في البلاد، وفي مقدمتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
وأوضح أن الاكتفاء بنفي فكرة التوطين دون تقديم بيانات دقيقة ساهم في اتساع فجوة الثقة، لافتًا إلى أن غياب المعلومات الرسمية وتعدد الروايات الإعلامية عزز المخاوف الشعبية المرتبطة بملف الهجرة.
وأشار إلى أن المفوضية تعمل دون تقديم أرقام واضحة حول أنشطتها ونتائج برامجها، سواء داخل ليبيا أو فيما يتعلق بعمليات إعادة التوطين، ما يفاقم حالة الغموض، مؤكدا أن معالجة ملف الهجرة تتطلب تنسيقًا مؤسسيًا أعلى وإنشاء قاعدة بيانات موحدة، مشددًا على أن غياب هذه المنظومة يفتح الباب أمام تضارب الأرقام ويضعف القدرة على اتخاذ القرار.
واعتبر أن استمرار الاعتماد على سياسات ظرفية دون استراتيجية وطنية موحدة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، محذرًا من احتمال تحولها إلى انفجار اجتماعي في ظل التجارب السابقة للتوترات بين المواطنين والمهاجرين.
وشدد على أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يتم وفق عقل الدولة وليس عقل الحكومات، وبما يضمن صياغة سياسة وطنية موحدة وتنسيق الجهود بعيدًا عن الانقسامات القائمة، مع التأكيد على أن ليبيا لا يمكنها تحمل أعباء هذا الملف منفردة دون شراكة دولية وإقليمية عادلة.









