اخبار مميزةليبيا

لملوم: غياب البيانات الدقيقة وتضارب الأرقام يعرقلان أي سياسة فعالة لإدارة ملف الهجرة

قال رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، طارق لملوم، إن الإجراءات التي أعلنتها حكومة الوحدة المؤقتة بشأن ملف الهجرة قد تمثل خطوة مهمة في حال التزام وزارة الداخلية بتنفيذها، لكنها تبقى مرهونة بمدى التطبيق الفعلي على الأرض.

وأوضح لملوم، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن بعض الإجراءات المتعلقة بتقييد دخول المهاجرين عبر المنافذ الجوية، بما في ذلك التأشيرات المؤقتة في المطارات، معمول بها في العديد من دول العالم، غير أنها استُغلت في السياق الليبي الحالي لتسهيل عبور بعض المهاجرين باتجاه السواحل أو ربطهم بشبكات تهريب داخل البلاد.

وأضاف أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها في الظرف الراهن، لا يمكن اعتبارها تحولًا جذريًا في إدارة الملف، بل تظل اختبارًا لمدى جدية وزارة الداخلية والحكومة في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، مشيرًا إلى أن السنوات الماضية شهدت تكرارًا لوعود رسمية لم تُترجم إلى تنفيذ فعلي على الأرض، رغم ما صدر من توصيات عن مؤتمرات ولقاءات سابقة.

وانتقد لملوم، غياب البيانات الدقيقة حول أعداد المهاجرين داخل ليبيا، لافتًا إلى وجود تضارب كبير في الأرقام المعلنة، بين تقديرات تتحدث عن ملايين وتصريحات رسمية تؤكد عدم توفر إحصاءات دقيقة، معتبرًا أن هذا الخلل يعيق أي محاولة لوضع سياسات واقعية لإدارة الملف.

وأشار إلى أن غياب التعداد السكاني الحديث، إلى جانب عدم وجود منظومة موحدة لتسجيل المهاجرين، يجعل من الصعب بناء رؤية دقيقة، موضحًا أن حركة المهاجرين داخل البلاد تمر عبر مسارات متعددة تشمل الشرق والغرب والجنوب وصولًا إلى السواحل، ما يعكس تعقيد الظاهرة وصعوبة تتبعها.

وأضاف أن هناك، بحسب وصفه، تضخيمًا متعمدًا في بعض الأرقام المتداولة، لا يتسق مع الوقائع الميدانية أو مع نتائج الحملات الأمنية وعمليات الاحتجاز في المدن الليبية.

وفي سياق حديثه عن مراكز الاحتجاز، أوضح لملوم، أن هناك إشكالات تتعلق بغياب منظومة دقيقة لتسجيل المهاجرين، حيث يقتصر العمل في كثير من الحالات على تصنيفهم حسب الجنسيات دون بيانات تفصيلية أو سجلات فردية واضحة، الأمر الذي يؤدي إلى صعوبات في تتبع عمليات النقل بين المراكز، فضلًا عن ورود شكاوى تتعلق بفقدان بيانات بعض المحتجزين.

واعتبر أن استمرار هذا الوضع يعكس خللًا في منظومة الإدارة داخل جهاز الهجرة، رغم ما يتلقاه من دعم دولي من منظمات مثل المنظمة الدولية للهجرة والاتحاد الأوروبي، سواء على مستوى التدريب أو التجهيزات.

وأشار إلى أن غياب منظومة رقمية موحدة لتسجيل وإدارة البيانات يفتح المجال أمام تضارب المعلومات، ويؤثر على تقدير حجم الإنفاق المرتبط بمراكز الاحتجاز والخدمات المقدمة للمهاجرين.

ورأى لملوم، أن معالجة ملف الهجرة في ليبيا تتطلب الانتقال من المقاربات الأمنية والإجراءات الظرفية إلى بناء منظومة بيانات دقيقة وشاملة تتيح صياغة سياسات قابلة للتنفيذ، بدل الاعتماد على تقديرات غير مستقرة.

وفيما يتعلق بجدل التوطين، قال لملوم، إن هذا الملف يرتبط، في جزء كبير منه، بتخوفات عامة تغذيها غياب الرواية الرسمية الواضحة، إلى جانب تداخلات سياسية داخلية وخارجية، مؤكدًا أن اتهام دول بعينها بالسعي إلى توطين المهاجرين في ليبيا لا يستند إلى معطيات دقيقة أو إلى مصلحة مباشرة لهذه الدول.

وأوضح أن الحديث عن سياسات خارجية تهدف إلى إبقاء المهاجرين داخل ليبيا لا يعكس، بحسب تقديره، الواقع الفعلي، مشيرًا إلى أن دولًا مثل قطر والإمارات وغيرها لا تقبل بوجود طالبي اللجوء على أراضيها، لكنها تساهم عبر قنوات أممية، وفي مقدمتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، في دعم وتمويل برامج موجهة للمهاجرين خارج بلدانها، دون ارتباط مباشر بمسألة الإقامة داخل ليبيا.

وأضاف أن جزءًا من الخطاب المتداول حول “التوطين” جرى توظيفه سياسيًا وإعلاميًا، ما ساهم في تضخيم الصورة دون تقديم معطيات دقيقة أو نفي قائم على بيانات واضحة، في ظل غياب خطاب مؤسسي منظم من الجهات المعنية.

وفي سياق متصل، انتقد لملوم، ما وصفه بضعف أداء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا من حيث التواصل الإعلامي وتقديم المعلومات للرأي العام، مقارنة بعملها في دول أخرى، مشيرًا إلى أن حصر التسجيل في طرابلس بعد منع التسجيل في بنغازي والمناطق الجنوبية ساهم في تعقيد وصول المهاجرين وطالبي اللجوء إلى خدماتها.

وأوضح أن هذا الوضع دفع العديد من العائلات إلى قطع مسافات طويلة من مناطق مختلفة داخل ليبيا للوصول إلى مكتب المفوضية في طرابلس من أجل التسجيل أو متابعة ملفاتهم، وهو ما يعكس خللًا في توزيع الخدمات الإنسانية.

كما أشار لملوم، إلى أن المفوضية تقتصر في خدماتها على تقديم مساعدات إنسانية عاجلة وغذائية، دون توفير حلول إيواء مستدامة، ما يدفع بعض المهاجرين إلى العيش في أوضاع صعبة أو في مناطق عشوائية بعد تسجيلهم.

وشدد لملوم، على أن الإشكال في ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا مشترك بين عدة أطراف، مشيرًا إلى أن السياسات المتبعة من وزارتي الداخلية والخارجية، إلى جانب ضعف التنسيق مع المنظمات الدولية، أسهمت في استمرار حالة الارتباك.

ودعا لملوم، إلى وضع أطر تنظيمية واضحة تحدد مهام الجهات المحلية والدولية، وتعزيز دور البلديات في حصر وتنظيم وجود المهاجرين، بما يساهم في تخفيف الضغوط على المدن والحد من الفوضى في الفضاء العام، مع التأكيد على ضرورة أن تكون أي معالجة واقعية وبعيدة عن التسييس أو الخطابات الإعلامية المتوتر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى