الرواف: نجاح المبادرة الأمريكية مرهون بوضوح تفاصيلها وقدرتها على توحيد المؤسسات
قال المحلل السياسي، عبد العزيز الرواف، إن انتقال المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا من مرحلة التسريبات والتكهنات إلى الطرح العلني عبر تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، يعكس توجهاً لإعادة صياغة مقاربة جديدة للتعامل مع الأزمة الليبية، مشيراً إلى أن المشهد الليبي منذ عام 2011 يعاني انقساماً سياسياً حاداً ساهمت في تعقيده عوامل داخلية وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة، ما أدى إلى تعثر المبادرات السابقة وعدم وصولها إلى حلول مستدامة.
وأوضح الرواف، في مداخلة على تلفزيون «المسار»، رصدتها «الساعة 24»، أن الأطراف الإقليمية والدولية تنظر إلى ليبيا باعتبارها ساحة تتقاطع فيها مصالح متعددة، الأمر الذي يجعل أي مبادرة سياسية عرضة للتجاذبات والتعقيدات بين القوى المؤثرة، لافتاً إلى أن المبادرة الأمريكية الحالية، رغم ما تحمله من زخم سياسي، لا تزال تفتقر إلى تفاصيل حاسمة تتعلق بشكل السلطة التنفيذية المقبلة وطبيعة المجلس الرئاسي وآليات اختيار الحكومة ومواقعها، وهو ما يفتح المجال أمام التكهنات والقراءات المتباينة.
وأضاف أن عدم الإفصاح الكامل عن تفاصيل المبادرات السياسية قد يكون خياراً مقصوداً من جانب الإدارة الأمريكية بهدف الحد من فرص الإرباك أو التشويش على مسار التفاهمات، بعد تجارب سابقة انتهت إلى الفشل نتيجة الإفصاح المبكر أو التصعيد السياسي حول التفاصيل، لكنه أشار إلى أن هذا النهج ينعكس مباشرة على الرأي العام الليبي ويزيد من حالة الغموض والتساؤلات بشأن مستقبل العملية السياسية.
ورأى الروف، أن غياب المعلومات الدقيقة يجعل من الصعب على المراقبين والمواطنين والمحللين تقديم تقييم واضح للمبادرة، سواء من حيث الأطراف الداعمة أو الرافضة أو طبيعة التوازنات التي قد تنتج عنها، موضحاً أنه يفضل الاستناد في تقييمها إلى المعطيات الواقعية والمؤشرات السياسية والميدانية المتاحة إلى حين اتضاح الصورة بشكل أكبر.
وشدد على أن المرحلة الحالية لا تزال في طور التشكل، وأن الحكم النهائي على المبادرة الأمريكية يبقى مرهوناً بما ستسفر عنه من ترتيبات عملية على الأرض ومدى قدرتها على تقديم حل سياسي متوازن ومستدام للأزمة الليبية.
وأشار الرواف، إلى أن أي مبادرة دولية بشأن ليبيا لا يمكن فصل أبعادها السياسية عن الاعتبارات الاقتصادية، مؤكداً أن الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي تتحرك وفق مصالح واضحة، سواء تعلق الأمر بالدول الأوروبية أو الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الفاعلة، موضحاً أن الاهتمام الأمريكي بالملف الليبي يتزايد في ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة، لا سيما ما يتعلق بأسواق الطاقة وأمن الإمدادات النفطية.
وأضاف أن جوهر الإشكال لا يكمن في طرح مبادرات جديدة بقدر ما يرتبط بغياب الوضوح بشأن مضمونها وآليات تنفيذها، لافتاً إلى أن المبادرة التي يتبناها مسعد بولس لم تُعلن حتى الآن بتفاصيلها الكاملة أو خطوطها العريضة بصورة رسمية.
ورأى الرواف، أن الحديث عن توحيد المؤسسات العسكرية والحكومية يظل طرحاً عاماً ما لم يتم توضيح كيفية تنفيذ هذا التوحيد والجهات المشمولة به وآليات الدمج أو إعادة الهيكلة، إلى جانب تحديد طبيعة السلطة التنفيذية المقبلة، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن إطلاق مبادرات من دون وضوح في آليات التنفيذ أو ترتيبات المرحلة الانتقالية لم يحقق نتائج ملموسة، بل أدى في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.
ولفت إلى أن بعض المناطق الليبية لا تزال تواجه أوضاعاً أمنية معقدة، مع وجود تفاوت في مستويات الاستقرار بين الشرق والغرب، كما أن المناطق الغنية بالموارد تمثل جزءاً أساسياً من معادلة الصراع، ما يجعل البعد الأمني عاملاً حاسماً في أي تسوية مستقبلية.
وقال إن المطلوب اليوم هو الكشف الكامل عن تفاصيل المبادرة الأمريكية، بما في ذلك شكل المجلس الرئاسي المقترح وطبيعة الحكومة المرتقبة وآليات اختيارها وهيكلها التنفيذي، سواء كانت حكومة مصغرة أو موسعة، معتبراً أن غياب هذه المعطيات يضع المواطن الليبي أمام حالة من الغموض ويحد من قدرته على تقييم المبادرة وتأثيرها على مستقبل البلاد.
ورأى الرواف، أن التحركات العسكرية والاقتصادية التي يجري الحديث عنها، بما في ذلك التدريبات المشتركة أو الاتفاقات التنموية، لا تكفي بمفردها لمعالجة الأزمة الليبية، موضحاً أن الأزمة أعمق من أن تُحل عبر خطوات جزئية أو مبادرات اقتصادية منفصلة، بل تحتاج إلى رؤية سياسية شاملة وواضحة تُعرض أمام الرأي العام وتحدد بدقة مسار التنفيذ.
وأكد أن أي حوار إقليمي أو اجتماعات دولية، سواء في القاهرة أو غيرها من العواصم، تبقى مرتبطة بشكل مباشر بالدور الأمريكي في تحريك هذا المسار، باعتبار واشنطن الطرف الأكثر تأثيراً في صياغة المبادرة الحالية، مشدداً على ضرورة أن تخاطب الإدارة الأمريكية الليبيين بصورة مباشرة وشفافة عبر إعلان تفاصيل مبادرتها بشكل واضح، بما يسمح للمواطن بفهم ملامحها وتقييمها واتخاذ موقف واعٍ منها بدلاً من بقاء المشهد في دائرة الغموض والتكهنات.
وأوضح أن فرص نجاح أي مبادرة دولية أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بمدى قبول القوى الفاعلة على الأرض، أكثر من ارتباطها بالأجسام السياسية التقليدية التي تصدرت المشهد خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن القيادة العامة للجيش الوطني الليبي أبدت استعدادها للتفاعل مع المبادرة الأمريكية، في مقابل تحفظات أو رفض من أطراف سياسية أخرى، وهو ما يعكس طبيعة الانقسام القائم داخل المشهد الليبي.
وأضاف أن الأجسام السياسية التي ظلت حاضرة في المشهد لأكثر من ثلاثة عشر عاماً لم تنجح في تحقيق حلول حقيقية أو خطوات ملموسة نحو الاستقرار، رغم تعدد المبادرات المتعلقة بالانتخابات أو التسويات السياسية، معتبراً أن الاستمرار في طرح مواعيد مستقبلية بعيدة، مثل الحديث عن انتخابات عام 2027، دون تسويات عملية على الأرض، قد يُفهم باعتباره إدارة للوقت أكثر منه مساراً منتجاً للحلول.
وشدد الرواف، على أن أي حل للأزمة الليبية يجب أن يقوم على وضوح الخطوط العامة للمبادرة، بما يشمل شكل المجلس الرئاسي وتركيبة الحكومة المقبلة وآليات التعامل مع الأطراف الرافضة أو المتحفظة، مؤكداً أن غياب الحد الأدنى من المعلومات حول هذه الملفات يخلق فجوة بين المسار السياسي والنقاش المجتمعي الداخلي ويجعل من الصعب على الرأي العام فهم طبيعة الحلول المطروحة.
وأضاف أن المبادرات السياسية، رغم اختلافها عن العمل العسكري، تحتاج إلى قدر كافٍ من الوضوح والشفافية في إطارها العام بما يسمح ببناء توافق داخلي حولها، مع إبقاء التفاصيل الفنية موضع تفاوض بين الأطراف المعنية.
وفي سياق المقارنة مع أزمات إقليمية أخرى، أوضح الرواف، أن الحالة الليبية تختلف عن نماذج مثل سوريا واليمن من حيث البنية الاجتماعية، لكنه أكد أن التدخلات الدولية والصراعات الداخلية خلال السنوات الماضية ساهمت في تعقيد المشهد وترسيخ الانقسام بين شرق البلاد وغربها، ما جعل أي عملية سياسية أكثر تعقيداً من السابق.
وأشار إلى أن الموقف المصري ظل، بحسب تقديره، الأكثر ثباتاً في التعامل مع الملف الليبي، من خلال التركيز على دعم مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية، دون الانخراط في دعم التشكيلات المسلحة أو الفصائل غير الرسمية، معتبراً أن هذا النهج يعكس مقاربة تستهدف الحفاظ على الدولة الليبية ككيان موحد وليس كمساحات نفوذ متنازعة.
وأوضح أنه لا يدعو إلى نشر تفاصيل الاجتماعات أو المحاضر، وإنما إلى إعلان الخطوط العريضة للمبادرة، بما يتيح للشارع الليبي فهم طبيعة المرحلة المقبلة، مؤكداً أن توضيح آلية توحيد المؤسسات وشكل السلطة التنفيذية وطريقة التعامل مع مختلف الأطراف يمثل شرطاً أساسياً لإنجاح أي مسار سياسي.
وأضاف أن الحديث عن دمج القوى الفاعلة في شرق وغرب وجنوب ليبيا ضمن تسوية سياسية شاملة قد يكون مقبولاً من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى إطار واضح ومعلن يحدد خطوات التنفيذ بشكل تدريجي ومنظم، مؤكداً أن أي مبادرة لا تقوم على وضوح كافٍ وتوافق داخلي واسع ستظل عرضة للتعثر، وأن توحيد المؤسسات الليبية يمثل المدخل الحقيقي لأي استقرار سياسي أو انتخابي مستقبلي.
وقال إن تقييم أي مبادرة دولية لا يمكن أن يتم بصورة دقيقة قبل الاطلاع على تفاصيلها التنفيذية وآليات تطبيقها على الأرض، موضحاً أنه لا يعارض من حيث المبدأ أي مشروع يهدف إلى إنهاء حالة الانقسام المستمرة منذ نحو أربعة عشر عاماً، لكنه يرى أن الحكم على المبادرات يجب أن يستند إلى خطط واضحة لا إلى عناوين أو تصورات عامة.
وأشار الرواف، إلى أن من أبرز الملفات المثيرة للقلق الوضع الأمني في العاصمة طرابلس، حيث لا تزال المدينة، وفق وصفه، تشهد وجود تشكيلات مسلحة وقوى غير نظامية في عدد من أحيائها، إلى جانب وجود عناصر أجنبية في إطار ترتيبات سابقة، معتبراً أن هذه المعطيات تطرح تساؤلات حول كيفية التعامل معها ضمن أي تسوية سياسية مقبلة، سواء قبل تنفيذ الاتفاقات أو أثناء المرحلة الانتقالية.
ورأى أن نجاح أي مبادرة يتطلب معالجة مسألة انتشار التشكيلات المسلحة وضمان وجود سلطة نظامية واحدة قادرة على فرض القانون وإدارة المؤسسات بعيداً عن نفوذ المجموعات المسلحة.
وفيما يتعلق بالبعد الإداري للدولة، أشار الرواف، إلى أن تركيز المؤسسات في مدينة واحدة في ظل الظروف الأمنية الحالية قد يطرح تحديات كبيرة، موضحاً أن بعض التصورات المتعلقة بإعادة توزيع مقرات الدولة أو إعادة هيكلة المركز الإداري تستحق النقاش، نظراً إلى مساحة ليبيا الشاسعة وتنوعها الجغرافي، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن أي تصور إداري يجب أن يبقى ضمن إطار الدولة الليبية الواحدة وألا يتحول إلى مدخل للتقسيم.
وأكد أن جميع الأطراف الفاعلة، بما في ذلك القيادة العامة، تدرك تعقيدات الواقع الأمني والسياسي، وتتفاعل مع المبادرات المطروحة على أساس أنها تهدف في النهاية إلى تفكيك البنية المسلحة غير النظامية وبناء مؤسسات دولة موحدة، مشيراً إلى أن أي دور مستقبلي للقوى المحلية أو الإقليمية يجب أن يكون في إطار دولة ذات سلطة واحدة ومؤسسات موحدة، لا ضمن مناطق نفوذ متوازية.
وأضاف أن النقاش حول الأقاليم أو النماذج الإدارية يمكن أن يُطرح في مرحلة لاحقة بعد تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، مؤكداً أن الأولوية الحالية تبقى لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية.
وشدد الرواف، على أن المشهد الليبي يشهد حالياً تنافساً بين مقاربتين مختلفتين للحل السياسي، إحداهما تقودها الولايات المتحدة عبر المبادرة المطروحة، والأخرى تستند إلى الأجسام السياسية القائمة، معتبراً أن الحسم سيكون في نهاية المطاف لمن يمتلك القدرة على التأثير الفعلي على الأرض.
وأوضح أن موازين القوة تتوزع بين أطراف تمتلك ثقلاً عسكرياً وميدانياً وأخرى تستند إلى دعم سياسي وإقليمي ودولي متفاوت، ما يفرض على أي مشروع سياسي أن يأخذ هذه المعادلة بعين الاعتبار. مشيرا إلى أن حكومة الوحدة الوطنية جاءت بموجب اتفاق سياسي دولي كان يفترض أن يقود إلى انتخابات خلال فترة محددة، إلا أن تلك الاستحقاقات تعطلت بسبب الخلافات بين الأجسام السياسية الفاعلة.
وأكد الرواف، أنه لا يمكن التقليل من أهمية مجلس النواب أو من دور رئيسه المستشار عقيلة صالح باعتباره أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي الليبي، لكنه رأى أن بعض التحركات الأخيرة الصادرة عن مجلس النواب ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي لم تكن واضحة بالقدر الكافي للرأي العام، خاصة فيما يتعلق بمسار الانتخابات.
وأضاف أن الدعوات المتكررة لإجراء الانتخابات لم تترجم إلى نتائج عملية بسبب استمرار الانقسام السياسي وعدم التوافق على القواعد الدستورية والتنفيذية، مشيراً إلى أن المبادرات والرؤى المطروحة تحتاج إلى دقة أكبر في التوقيت وآلية الطرح بما يضمن توافقاً أوسع بين الأطراف المختلفة.
واختتم الرواف، حديثه بالتأكيد على أن التجارب السابقة، بما فيها محاولات التفاهم في الصخيرات وتونس ومصر، لم تحقق النتائج المرجوة رغم الجهود المبذولة، معتبراً أن نجاح أي تسوية مستقبلية سيعتمد على قدرتها على الجمع بين مراكز القوة الفعلية على الأرض والأطر السياسية القائمة، وأن تجاهل هذه المعادلة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.









