التهامي: المبادرة الأمريكية ما تزال مساراً تفاوضياً ونجاحها مرهون بإرادة الأطراف

اعتبر المحلل السياسي، أحمد التهامي، أن الزخم السياسي الذي تحظى به المبادرة الأمريكية الخاصة بالملف الليبي، لا يعود إلى وضوح تفاصيلها أو اكتمال بنودها بقدر ما يرتبط بثقل الجهة الراعية لها والأطراف الرئيسية المنخرطة فيها، مؤكداً أن المبادرة ما تزال في إطار وساطة سياسية تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين القوى الفاعلة على الساحة الليبية.
وأوضح التهامي، خلال لقاء مع قناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24″، أن المبادرة الأمريكية لا يمكن وصفها حتى الآن بأنها مشروع سياسي متكامل أو وثيقة نهائية جاهزة للتطبيق، بل تمثل مساراً تفاوضياً تقوده الولايات المتحدة بين ما وصفهما بالطرفين الأقوى في المشهد الليبي، وهما حكومة الوحدة المؤقتة والقيادة العامة للقوات المسلحة، مشيراً إلى أن ما أُعلن حتى الآن يقتصر على الخطوط العامة والأهداف الرئيسية، فيما تبقى التفاصيل خاضعة للنقاش والتفاوض بين الأطراف المعنية.
وأضاف أن البيان الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة أكد بدوره أن هناك تفاصيل عديدة ما تزال محل تفاوض ولم تُحسم بعد، وهو ما يعكس أن المبادرة لا تزال في مرحلة بناء التفاهمات السياسية، وليست في مرحلة الاتفاق النهائي على جميع البنود والترتيبات.
وفي رده على التساؤلات المتعلقة بإمكانية أن تؤدي بعض التفاصيل غير المعلنة إلى عرقلة المبادرة أو فرض واقع لا يحظى بقبول الليبيين، أوضح التهامي، أن أي عملية سياسية تبقى رهينة بمدى جدية الأطراف المشاركة فيها ورغبتها الحقيقية في الوصول إلى اتفاق، مؤكداً أن نجاح المبادرة أو فشلها سيظل مرتبطاً بإرادة القوى الليبية المنخرطة في المفاوضات وقدرتها على تجاوز الخلافات القائمة.
وأشار التهامي، إلى أن ما جرى تداوله حتى الآن بشأن المبادرة يتحدث عن العمل على توحيد المؤسسات السيادية، وفي مقدمتها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب تقريب وجهات النظر بين المؤسسات الأمنية والعسكرية وتعزيز التنسيق بينها، وصولاً إلى إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات باعتبارها الهدف النهائي لأي تسوية سياسية.
ورأى أن الحديث عن الضمانات السياسية يجب أن يُفهم في إطار العلاقات الدولية والتحالفات القائمة، موضحاً أن الأطراف الليبية الرئيسية تمتلك علاقات إقليمية ودولية واسعة يمكن أن تشكل جزءاً من منظومة الضمانات الداعمة لأي اتفاق سياسي يتم التوصل إليه، سواء عبر الولايات المتحدة أو من خلال الدول الحليفة والفاعلة في الملف الليبي.
وأضاف أن التجارب السياسية السابقة أثبتت أن أي اتفاق لا يمكن ضمان نجاحه بشكل مطلق، لأن التحولات السياسية وموازين القوى تتغير باستمرار، مشيراً إلى أن جميع الاتفاقات السياسية في العالم تبقى مرتبطة بمدى التزام الأطراف الموقعة عليها بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وفي سياق متصل، رأى التهامي، أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه المبادرة إلى تحقيق اختراق سياسي في الملف الليبي، معتبراً أن نجاحها في التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الليبية قد يمثل مكسباً سياسياً ودبلوماسياً للإدارة الأمريكية، خاصة في ظل تعثر العديد من المسارات السابقة التي لم تتمكن من إنهاء حالة الانقسام.
وأوضح أن أي تقارب بين القوى الرئيسية في الشرق والغرب من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، لافتاً إلى أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي أسهم في تعميق الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تواجه البلاد.
كما اعتبر أن توحيد المؤسسات، حتى وإن جاء عبر تسويات مرحلية أو تفاهمات سياسية مؤقتة، يظل أفضل من استمرار حالة الانقسام والصراع، مشيراً إلى أن الوصول إلى حكومة موحدة وسلطة تنفيذية واحدة يمكن أن يفتح المجال لمعالجة العديد من الملفات الاقتصادية والإدارية العالقة.
وفي حديثه عن الانتقادات الموجهة للمبادرة، أوضح التهامي، أن بعض المعارضين يبدون تخوفات مشروعة من تكرار تجارب سابقة بدأت بشعارات إيجابية وانتهت إلى أزمات جديدة، لكنه شدد في المقابل على أن رفض أي محاولة للحوار أو التفاوض مسبقاً لا يمثل بديلاً عملياً للخروج من الأزمة.
وأكد أن ميزان القوى القائم حالياً يفرض البحث عن تسويات بين الأطراف الرئيسية الموجودة على الأرض، موضحاً أن أي حل سياسي قابل للتطبيق يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع القائم والتوازنات الفعلية داخل البلاد، بدلاً من الاكتفاء بطرح حلول نظرية يصعب تنفيذها.
كما شدد على أن السياسة تقوم في جوهرها على التفاوض وتبادل التنازلات وتحقيق المصالح المشتركة، معتبراً أن أي اتفاق مستقبلي سيحتاج بالضرورة إلى قدر من التوافق بين الأطراف المتنافسة لضمان استمراريته وقدرته على تحقيق الاستقرار.
وفيما يتعلق بالجدل الدائر حول العلاقة بين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي، أوضح التهامي، أن النقاش حول هذه القضية لا ينبغي أن يحجب الحاجة الملحة إلى إيجاد حلول واقعية للأزمة الليبية، مؤكداً أن الأولوية الحالية يجب أن تتركز على إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
وأشار إلى أن الدعوات المتكررة للذهاب مباشرة إلى حلول نهائية تصطدم أحياناً بالواقع السياسي المعقد الذي تعيشه ليبيا، لافتاً إلى أن المسارات الانتقالية المؤقتة قد تكون في بعض الأحيان خطوة ضرورية للوصول إلى حلول أكثر استقراراً على المدى البعيد.
وأضاف أن الجدل المستمر حول المبادرات المختلفة لا يكفي وحده لإنهاء الأزمة، مؤكداً أن المطلوب هو تقديم بدائل عملية وقابلة للتنفيذ، وليس الاكتفاء بانتقاد المبادرات المطروحة دون طرح مسارات واضحة يمكن أن تحظى بإجماع أو توافق وطني.
واختتم التهامي، بالتأكيد على أن نجاح المبادرة الأمريكية سيظل مرهوناً بمدى استعداد الأطراف الليبية للانخراط الجاد في التفاوض وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، معتبراً أن أي فرصة لتوحيد المؤسسات تستحق الدراسة والدعم ما دامت تقود في النهاية إلى إنهاء المرحلة الانتقالية والوصول إلى انتخابات تُمكّن الليبيين من اختيار مؤسساتهم عبر صناديق الاقتراع.









