الفارسي: لا يمكن تطويع سياسة الصرف أو ترشيد الدعم في بيئة لا تنتج سوى النفط

أكد أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، أيوب الفارسي، أن الدولة الريعية، تفقد الأدوات الاقتصادية الكلاسيكية فيها فاعليتها وتتحول إلى أدوات لتسيير الأزمة بدلاً من حلها فالسياسة النقدية والمالية والتجارية تصبح رهينة للتدفقات النفطية، فحين يرتفع سعر النفط تتوسع الدولة في الإنفاق، وحين ينخفض تُمارس سياسات تقشفية عشوائية تضر بالاستقرار الاجتماعي، أو تحافظ على نفس الإنفاق على حساب قوة العملة.
وبين أن أداء السياسات الاقتصادية وفق النموذج الريعي، تتحول فيه السياسة التجارية إلى منظومة لتسهيل الاستيراد السلعي الاستهلاكي، بدلاً من تعزيز الصادرات أو حماية الإنتاج المحلي المعدوم أصلاً.
وقال إن معضلة ليبيا تكمن في الإطار الهيكلي الذي يحكم الاقتصاد ولا يمكن تطويع سياسة الصرف أو ترشيد الدعم في بيئة لا تنتج شيئاً سوى النفط، لأن أي تغيير في سعر الصرف -على سبيل المثال- سيمتصه السوق فوراً عبر التضخم، نظراً لاعتماد البلاد الشامل على استيراد الغذاء والدواء وكل متطلبات المعيشة.
وشدد على أن الفشل الحقيقي للنموذج الريعي الليبي يتجسد في صياغته لـ”عقد اجتماعي واقتصادي مشوه”، تحول فيه الجميع إلى مستهلكين ومقتاتين على ريع النفط دون تقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وبشأن الهيكل الوظيفي (التضخم الإداري)، قال: “تحولت الوظيفة العامة إلى أداة لتوزيع الريع وليس للإنتاج. تلتهم المرتبات النسبة الأكبر من الدخل القومي، مما خلق بطالة مقنعة ضخمة تُثقل كاهل الميزانية دون أي مردود تنموي”.
وأكد أن القطاع التجاري (اقتصاد الاعتمادات)، وأنه حتى القطاع الخاص المفترض به أن يكون قاطرة النمو، تشوه بفعل الريعية. وتحول جزء كبير من التجار إلى “وسطاء اعتمادات مستندية” يقتاتون على فروقات أسعار العملة والامتيازات المصرفية، ويمارسون تجارة استهلاكية استيرادية لا تخلق وظائف مستدامة ولا تدعم التصنيع المحلي أو سلاسل القيمة.
وبين أن السياسة المالية والاستهلاك المهدد للاستدامة أحد أبرز تجليات هذا الفشل الهيكلي هو التهام النفقات الاستهلاكية(المرتبات، الدعم، النفقات التسييرية) لمعظم الميزانية العامة للدولة عاماً بعد عام.
وشدد على أن هذا الخلل الهيكلي يجعل نصيب النفقات التنموية والاستثمارية ضئيلاً جداً، وحتى إن وُجدت، فإنها تفتقر للرؤية التنافسية التي تخلق اقتصاداً موازياً لا يعتمد على النفط. إن دولة تستهلك ميزانيتها في تسيير اليوم، هي دولة تأكل رأسمال مستقبلها، وتترك الأجيال القادمة رهينة لتقلبات سوق طاقة عالمي يتجه بسرعة نحو البدائل النظيفة.
وأشار إلى أنه في النموذج الريعي تكمن وظيفة السياسة النقدية في الاعتماد على التدفقات الضخمة من العملة الاجنبية للدفاع عن العملة المحلية، وبسبب طبيعة الحكومات التي تميل للانفاق فإن السياسة النقدية تعاني من هيمنة مالية غير مخططة، وفي ليبيا فإن هذه الهيمنة تحولت لانفلات يعيق محاولات الاستقرار مع معضلة الانقسام المؤسسي والسياسي، ويسبب الاتكال على الريع.
وشدد على أنه في هذا النموذج فإن كل هذا الإنفاق يمول من إيرادات الدولة النفطية ولا يوجد مساهمة تذكر للايرادات الحكومية رغم حجم النشاط التجاري الكبير.
وأردف: “الآن نأتي لسبب هذه المقدمة وهي محاولة اصلاح مقلوبة تبدأ من النتائج إلى الأسباب في مشهد يعكس فوضى الخطاب الاقتصادي وديمقراطية وسائل الاعلام الحديثة التي تكاد تلغي التخصص لصالح الذكاء الصناعي الغبي اقتصاديا وأصحاب المصالح والباحثين عن الترند الاقتصادي
وقال إن الانتقال من هذا النظام الفاشل إلى نظام مستدام لا يحدث بقرارات فجائية أو “صدمات اقتصادية غير مدروسة”، بل يتطلب إصلاحاً هيكلياً ممنهجاً ومتدرجاً بنى على خطط خمسية وعشرية واضحة المعالم.
وتابع: “هذا هو التدرج الطبيعي لكل عمليات التحول الدولية الناجحة (فمقولة من ليبيا يأتي الجديد لا مكان لها في الاقتصاد فيكفي هذه المقولة ما نسمعه من بدع اقتصادية يقف العقل والعلم مذهولا من جرأتها).
وقال إن المراحل الطبيعية للتحول الهيكلي هي:
1. المرحلة الأولى (التنويع الاقتصادي كمفتاح رئيسي): يجب أن تركز الخطط الخمسية الأولى على خلق قطاعات إنتاجية بديلة (الصناعات التحويلية، الزراعة الذكية، الخدمات اللوجستية، السياحة، والطاقة المتجددة) عبر شراكات حقيقية مع القطاع الخاص المحلي والدولي.
2. المرحلة الثانية (تحقيق القيمة المضافة): إعادة توجيه الائتمان المصرفي والاعتمادات المستندية لدعم المستثمرين والصناع الذين يقدمون قيمة مضافة ويخلقون فرص عمل حقيقية، ووقف التسهيلات الممنوحة للاستيراد العبثي للسلع الكمالية.
3. المرحلة الثالثة (تطويع السياسات الاقتصادية): بعد إرساء قواعد الاقتصاد التنافسي المتنوع، يصبح بالإمكان -وبشكل آمن- تطويع السياسات النقدية (كسعر الصرف) والمالية (كإعادة توجيه الدعم لمستحقيه أو فرضه كحوافز إنتاجية) دون الخوف من حدوث انهيارات اجتماعية أو تضخمية حادة.
وشدد على أن تغيير النموذج الليبي لا يكمن في العبث الصف رقم 3، بل في شجاعة الجراحة الهيكلية المدفوعة بإرادة حقيقة للتغيير من أعلى لأسفل.









