نزار كريكش: “منطق الدولة وحده يعيد الأمن إلى ليبيا

أكد مدير مركز بيان للدراسات نزار كريكش، أن الأزمة الأمنية في ليبيا تجاوزت كونها مجرد اشتباكات بين تشكيلات مسلحة، لتتحول إلى أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية مركبة، مشدداً على أن منطق الدولة وسيادة القانون هما السبيل الوحيد لإنهاء دوامة العنف، فيما وصف استمرار اعتماد السلطة التنفيذية على التشكيلات المسلحة بأنه أحد أبرز أسباب إطالة أمد الأزمة وتعقيدها.
وأوضح كريكش، خلال لقاء مع “تلفزيون المسار”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن إدارة الأزمات لا تعني التعامل مع الأحداث بعد وقوعها، بل تقوم أساساً على القدرة على استشراف المخاطر والاستعداد لها قبل انفجارها، لافتاً إلى أن بطء استجابة المؤسسات التنفيذية للأحداث، والذي قد يمتد لساعات أو حتى أيام، يعكس غياب ثقافة إدارة الطوارئ والأزمات داخل مؤسسات الدولة.
وأضاف أن المؤشرات التي تتحدث عن احتمالية وقوع صدامات بين التشكيلات المسلحة كان ينبغي أن تدفع الجهات المختصة إلى التحرك الاستباقي، لأن إدارة الأزمات تقوم على توقع السيناريوهات المحتملة ومنع وقوعها، وليس الاكتفاء بردود الفعل بعد اندلاع الاشتباكات.
وأشار إلى أن جوهر الأزمة سياسي بالدرجة الأولى، موضحاً أن بقاء أي تشكيل مسلح مرتبط بقدرته على توفير التمويل لعناصره بشكل يومي، إذ تحتاج المليشيا التي تضم نحو 500 مقاتل إلى ما يقارب 100 ألف دولار يومياً لضمان استمرارها، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن مصادر تمويل سواء من داخل الدولة أو عبر الارتباط بأطراف سياسية أو حتى جهات خارجية، ما يجعل المال المحرك الأساسي لاستمرار هذه التشكيلات.
ورأى أن السلطة التنفيذية لا تتعامل مع هذه المجموعات باعتبارها خطراً ينبغي إنهاؤه، وإنما باعتبارها أدوات يمكن الاستناد إليها في الصراع السياسي، الأمر الذي يدفعها إلى محاولة استمالة كل تشكيل مسلح بدلاً من تفكيكه، وهو ما يؤدي إلى تصاعد مستويات العنف واستخدام أسلحة أكثر تطوراً مع كل جولة من جولات الصراع.
وأضاف أن استمرار التمويل الخارجي أو الداخلي لأي طرف مسلح يجعل الصراع قابلاً للاستمرار لأسابيع أو أشهر، محذراً من أن هذا الواقع يرسخ شعور المواطنين بأن حياتهم اليومية باتت مرتبطة بالاشتباكات والانفجارات، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والنفسي، خاصة في المدن التي أصبحت تعيش بصورة متكررة على وقع المواجهات المسلحة.
وأكد كريكش، أن المشكلة لا تقتصر على الممارسات الخارجة عن القانون التي ترتكبها التشكيلات المسلحة، بل تمتد إلى كون العديد منها حصل على شرعية رسمية وأصبح تابعاً لمؤسسات الدولة ويتلقى منها الرواتب والدعم اللوجستي، بينما يستمر في الوقت ذاته بالحفاظ على بنيته العسكرية المستقلة وتمويله الخاص، معتبراً أن هذه الحالة تمثل واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في المشهد الليبي.
وأوضح أن دراسات متخصصة تناولت واقع المليشيات في ليبيا خلصت إلى أن الرواتب الرسمية ليست سوى جزء محدود من احتياجاتها، إذ تحتاج بصورة يومية إلى تمويل إضافي للأسلحة والذخائر والاتصالات والدعم اللوجستي، ما يجعلها في حالة بحث دائم عن الموارد المالية ويزيد ارتباطها بالمصالح السياسية والاقتصادية.
وشدد على أن الأزمة الليبية معقدة ومركبة، ولا يمكن التعامل معها من زاوية أمنية فقط، لأنها تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، الأمر الذي يتطلب تفكيك أسبابها تدريجياً، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة نتائجها الأمنية.
كما أشار إلى أن حالة انعدام الثقة في مؤسسات الدولة دفعت كثيراً من المدن إلى اعتبار التشكيلات المسلحة الضامن الوحيد لأمنها، وهو ما عزز منطق الحماية المحلية على حساب الدولة، مؤكداً أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب إنشاء أجهزة أمنية وطنية محترفة تتبع الدولة مباشرة، وتتولى مسؤولية حفظ الأمن بعيداً عن أي انتماءات مناطقية أو جهوية.
وأوضح أن الحكومة تواجه صعوبة في فرض سلطتها لأن بنيتها نفسها لا تعمل بمنطق الدولة، مشيراً إلى أن دخول أي قوة أمنية من خارج المناطق التي تشهد الاشتباكات غالباً ما يقابل بالرفض الشعبي نتيجة تغلغل الانتماءات الجهوية والمناطقية في الحياة السياسية، وهو ما يجعل إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة تحدياً أساسياً.
وأضاف أن الخطاب السياسي السائد ما يزال يتعامل مع المدن والتشكيلات المسلحة باعتبارها امتدادات جهوية، وهو ما يكرس الانقسام ويمنع بناء مؤسسات وطنية موحدة، مؤكداً أن الدولة مطالبة بالتعامل مع جميع المواطنين على قدم المساواة، بعيداً عن أي اعتبارات مناطقية أو قبلية.
وأكد كريكش، أن البداية الحقيقية للإصلاح تكمن في نقل الملف الأمني من أيدي التشكيلات المسلحة إلى أجهزة أمنية مهنية تتبع الدولة، تكون قادرة على فرض القانون وحماية المواطنين، مع الحفاظ على مؤسسات الأمن التقليدية باعتبارها خطاً أحمر لا يجوز المساس به.
وأشار إلى أن استمرار غياب الدولة يدفع المواطنين إلى فقدان الثقة في المستقبل، ويعزز شعورهم بأن الأمن مرهون بوجود المليشيات، وهو ما يفاقم حالة التفكك ويجعل كل منطقة تبحث عن وسائلها الخاصة للحماية، بدلاً من الاعتماد على مؤسسات الدولة.
ولفت إلى أن بناء الدولة يبدأ بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، بحيث يخضع كل من يرتكب جريمة للمحاسبة بغض النظر عن انتمائه أو الجهة التي يتبعها، مؤكداً أن سيادة القانون وحدها كفيلة بحماية الحقوق ووقف نزيف الدم المستمر.
وفي سياق متصل، أوضح أن الدولة مطالبة بأن تتعامل مع المواطنين بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وليس وفق انتماءاتهم الجغرافية أو السياسية، معتبراً أن استمرار منطق الجهوية والقبلية سيمنع قيام دولة حقيقية مهما توفرت الإمكانات أو الدعم الخارجي.
وحذر كريكش من التداعيات الخطيرة لاستمرار الاشتباكات المسلحة على المشهد العام، مؤكداً أن المواطن بات عاجزاً عن توقع مستقبله أو ممارسة حياته بصورة طبيعية، في ظل تراكم الأزمات الأمنية والاقتصادية والخدمية، وتزايد مشاعر الإحباط وفقدان الثقة بالمشهد السياسي.
واعتبر أن الخيارات الواقعية للخروج من الأزمة تتمثل في التوصل إلى اتفاق سياسي أو الاحتكام إلى الانتخابات ضمن إطار دولة قوية تحترم القانون، مستشهداً بتجارب دول خرجت من الحروب الأهلية عبر بناء المؤسسات بعد انتهاء الصراع، لا عبر استمرار المواجهة المسلحة.
وأكد أن استعادة هيبة الدولة تبدأ بإعلاء قيمة المواطن واعتبار أمنه وحقوقه أولوية، داعياً إلى قيام قيادة تتعامل بمنطق الدولة لا بمنطق المصالح السياسية، لأن الدولة التي تطبق القانون على الجميع وتوفر الأمن والخدمات هي وحدها القادرة على إنهاء دوامة العنف وإعادة الاستقرار إلى ليبيا.









