الفيتوري: غياب الاستقرار السياسي يعزز ريعية الاقتصاد

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور عطية الفيتوري أن الاقتصاد الليبي تحول إلى اقتصاد ريعي منذ بدء تصدير النفط عام 1961، مشيراً إلى أن الاعتماد شبه الكامل على العائدات النفطية حال دون بناء اقتصاد متنوع قادر على تحقيق التنمية المستدامة، محذراً من أن استمرار الانقسام السياسي وسوء إدارة الموارد سيبقي البلاد رهينة لتقلبات أسعار النفط.
وأوضح الفيتوري، خلال تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها الساعة24، أن ليبيا قبل اكتشاف النفط كانت تمتلك اقتصاداً بسيطاً يعتمد بصورة رئيسية على الزراعة والرعي، وكانت مستويات الدخل متدنية للغاية، فيما عانت البلاد من ارتفاع معدلات الأمية وضعف الخدمات الأساسية وشح الإمكانات، حتى إن ليبيا كانت تعتمد على المساعدات الخارجية لتوفير الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك برامج التغذية المدرسية التي كانت تمولها منظمات دولية.
وأضاف أن شركات النفط بدأت عمليات الاستكشاف في منتصف خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يتم تصدير أول شحنة نفط من ميناء البريقة عام 1961، وهو الحدث الذي شكل نقطة التحول الكبرى في الاقتصاد الليبي، حيث أصبحت الدولة تعتمد بصورة متزايدة على إيرادات النفط باعتبارها المصدر الرئيسي للدخل والصادرات.
وبيّن الفيتوري أن الاقتصاد الريعي هو الاقتصاد الذي يعتمد على سلعة طبيعية واحدة تشكل النسبة الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي والصادرات، مثل النفط أو الغاز أو المعادن، موضحاً أن هذه الموارد ليست نتاجاً لعملية إنتاج صناعي، وإنما يتم استخراجها من باطن الأرض وبيعها، وهو ما يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات الخارجية.
وأشار إلى أن ليبيا شهدت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي محاولات جادة لإقامة قاعدة صناعية من خلال إنشاء مصانع ومشروعات إنتاجية ضمن الخطط الثلاثية والخمسية، إلا أن معظم هذه المشروعات فشلت بسبب ضعف الإدارة وغياب الكفاءة في تشغيل المؤسسات العامة، مؤكداً أن القطاع الخاص يعد أكثر كفاءة في إدارة المشروعات الإنتاجية.
وقال إن أحداث عام 2011 وما تبعها من اضطرابات أمنية وسياسية أدت إلى توقف عدد كبير من المصانع والمنشآت الإنتاجية في مختلف المدن الليبية، كما تعرض بعضها للتخريب والنهب، الأمر الذي زاد من اعتماد الاقتصاد على النفط بصورة أكبر من السابق، بعدما تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى.
ورأى الفيتوري أن الانقسام السياسي ووجود حكومتين متنافستين وعدم استقرار المؤسسات العامة يمثلان العائق الأكبر أمام تنفيذ أي خطط اقتصادية طويلة الأجل، مضيفاً أن انتشار الفساد المالي خلال السنوات الأخيرة أدى إلى هدر جزء كبير من الثروة النفطية، بدلاً من استثمارها في مشروعات تنموية تخلق فرص عمل وتدعم الاقتصاد الوطني.
وأكد أن الاقتصاد الليبي لن ينهار طالما استمرت عائدات النفط، لكنه سيبقى عند الحد الأدنى من النمو، ولن يتمكن من تحقيق التنمية الحقيقية دون إصلاحات هيكلية وسياسات اقتصادية واضحة.
وفي مقارنة مع تجارب دول أخرى، أوضح الفيتوري أن النرويج نجحت في تجنب آثار الاقتصاد الريعي عبر إنشاء صندوق سيادي تستثمر فيه الفوائض النفطية بدلاً من إنفاقها بالكامل، إلى جانب امتلاكها اقتصاداً متنوعاً وقطاعاً خاصاً قوياً ومؤسسات مستقرة.
أما بالنسبة للإمارات، فأشار إلى أن ظروفها تختلف عن ليبيا، نظراً لاعتمادها على أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية التي تشكل غالبية السكان، وهو نموذج لا يمكن تطبيقه في ليبيا، مؤكداً أن البلاد تحتاج إلى نموذج اقتصادي خاص يتناسب مع أوضاعها السكانية والاجتماعية.
ولفت الفيتوري إلى أن ليبيا تفتقر حالياً إلى رؤية اقتصادية واضحة تمتد حتى عامي 2030 أو 2040، بسبب استمرار الانقسام السياسي، موضحاً أن إعداد أي خطة تنموية يتطلب وجود حكومة موحدة، ومؤسسات مستقرة، ووزارة تخطيط قادرة على رسم السياسات الاقتصادية وتنفيذها.
وأضاف أن الخطط السابقة تضمنت أهدافاً لخفض الاعتماد على النفط وزيادة مساهمة الصناعة والزراعة في الناتج المحلي، إلا أن الظروف السياسية حالت دون تنفيذها.
وشدد الفيتوري على ضرورة ضبط الإنفاق العام وعدم ربطه بارتفاع أسعار النفط، مبيناً أن الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع الأسعار يجب أن توجه إلى الصندوق السيادي والاستثمارات طويلة الأجل، بدلاً من استخدامها في زيادة المصروفات الجارية.
وقال إن أغلب الإنفاق الحكومي في ليبيا يذهب إلى أبواب الاستهلاك والمرتبات والدعم، في حين تحصل مشروعات التنمية على نسبة محدودة، وهو ما يعرقل عملية تنويع الاقتصاد.
وأكد أستاذ الاقتصاد أن الصناعات التحويلية تمثل المدخل الحقيقي لتنويع الاقتصاد الليبي، داعياً إلى الاستثمار في الصناعات القائمة على المواد الخام المحلية، وعلى رأسها الصناعات البتروكيماوية وتكرير النفط.
وأشار إلى أن ليبيا، رغم كونها دولة نفطية، ما تزال تستورد جزءاً من احتياجاتها من الوقود بسبب محدودية طاقات التكرير، معتبراً أن إنشاء مصافٍ جديدة يمثل أولوية اقتصادية تسهم في توفير المنتجات النفطية محلياً وتقليل فاتورة الاستيراد.
كما دعا إلى التوسع في الصناعات المرتبطة بمنتجات النفط، مثل صناعة الأسمدة واليوريا والمنتجات الكيماوية، بدلاً من تصدير المواد الخام وإعادة استيرادها بعد تصنيعها في الخارج.
ورأى الفيتوري أن ليبيا تمتلك فرصاً كبيرة لتنويع مصادر الدخل من خلال دعم الاستثمار في قطاعات الصناعة والسياحة والزراعة، وإعادة النظر في قانون الاستثمار بما يوفر حوافز حقيقية للمستثمرين المحليين والأجانب.
وأشار إلى أن نجاح دول مثل مصر في جذب الاستثمارات السياحية يؤكد أهمية توفير بيئة مستقرة وتشريعات واضحة، مؤكداً أن ليبيا تمتلك مقومات طبيعية وتاريخية تؤهلها لتطوير قطاع سياحي قادر على دعم الاقتصاد إذا توفرت الظروف المناسبة.
واختتم الفيتوري حديثه بالتأكيد على أن نجاح أي برنامج اقتصادي في ليبيا يبدأ أولاً بتحقيق الاستقرار السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن وجود حكومة واحدة ورؤية اقتصادية موحدة يمثلان الأساس لأي إصلاح اقتصادي حقيقي.
وأضاف أن ليبيا قادرة خلال فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات على تقليل اعتمادها على النفط إذا توفرت الإرادة السياسية، ووضعت خطط واقعية تعتمد على تطوير الصناعة والزراعة والسياحة ودعم القطاع الخاص، بما يضمن بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة للأجيال المقبلة.









