اخبار مميزةليبيا

طلوبة: الاعتماد على النفط أضعف القطاعات الإنتاجية في البلاد

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، الدكتور عبد اللطيف اطلوبة، أن اكتشاف النفط مثّل نقطة تحول تاريخية في الاقتصاد الليبي، إلا أنه أسهم في انتقال البلاد سريعًا من اقتصاد بسيط قائم على الاكتفاء الذاتي إلى اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، محذرًا من أن استمرار هذا النهج، في ظل غياب الإدارة الرشيدة، سيؤدي إلى مزيد من الاعتماد على النفط وإضعاف القطاعات الإنتاجية.

وأوضح اطلوبة، خلال تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها الساعة24، أن الاقتصاد الليبي قبل اكتشاف النفط كان اقتصادًا بدائيًا محدود الموارد، يعتمد على الزراعة والرعي والصناعات الحرفية لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، الأمر الذي جعل البلاد مهيأة للتحول سريعًا إلى اقتصاد ريعي بمجرد ظهور مورد مالي ضخم كالنفط.

وأشار إلى أن الحكومة آنذاك سارعت إلى توظيف العائدات النفطية لمعالجة عقود من الفقر ونقص الخدمات، من خلال التوسع في التوظيف الحكومي، وتوفير التعليم والرعاية الصحية المجانية، وإنشاء البنية التحتية، قبل بناء قاعدة اقتصادية إنتاجية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة.

وأضاف أن هذا المسار كان طبيعيًا بالنسبة لدولة خرجت من أوضاع اقتصادية صعبة، إذ توجهت الأولويات إلى تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، إلا أن الاعتماد على الإنفاق الحكومي بدلاً من الاستثمار في الإنتاج أدى إلى ترسيخ نموذج الاقتصاد الريعي.

وأكد أن آلاف الليبيين تركوا الريف، حيث كانت الزراعة والرعي تمثلان قاعدة للإنتاج، واتجهوا إلى المدن للعمل في القطاع الحكومي أو شركات النفط، وهو ما أحدث تحولًا اجتماعيًا واقتصاديًا عميقًا، تمثل في تقلص النشاط الزراعي، وارتفاع الضغط على الخدمات العامة والإسكان والتعليم، وتحول نسبة كبيرة من المواطنين من منتجين إلى معتمدين على الدولة.

وبيّن اطلوبة أن عقد السبعينيات لم يشهد تغييرًا جوهريًا في التوجه الاقتصادي مقارنة بمنتصف الستينيات، بل استمر التوسع في الإنفاق الحكومي، وترسيخ مجانية الخدمات العامة، حتى أصبح القطاع العام المشغل الرئيسي للقوى العاملة، بينما ظل القطاع الخاص محدودًا ويتركز في التجارة والنقل والمقاولات والخدمات المرتبطة بالنشاط النفطي.

وأضاف أن الاستثمارات الحكومية في الزراعة والصناعة لم تحقق النمو المطلوب، وبقيت إنتاجيتها متواضعة مقارنة بالتوسع الكبير في الإنفاق الحكومي، ما أدى إلى هيمنة النفط على الناتج المحلي والإيرادات العامة والصادرات.

وأوضح أستاذ الاقتصاد أن توصيف الدولة بأنها “ريعية” يستند إلى ثلاثة معايير رئيسية، أولها اعتماد الخزانة العامة على مصدر واحد للإيرادات، وثانيها هيمنة هذا المورد على الصادرات، وثالثها مساهمته المرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي.

وأشار إلى أن ليبيا حققت هذه المعايير جميعًا بعد اكتشاف النفط، إذ أصبحت الإيرادات النفطية تمثل ما بين 70 و90% من إيرادات الدولة، بينما تراجعت أهمية الضرائب والإيرادات الأخرى، كما تحولت الصادرات بالكامل تقريبًا إلى النفط الخام بعد أن كانت تشمل المنتجات الزراعية والحيوانية والأسماك، والتمور والزيوت وغيرها.

وأضاف أن مساهمة القطاع الزراعي انخفضت من نحو 30 إلى 35% قبل النفط إلى أقل من 2% خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهو ما يعكس التراجع الحاد في القطاعات الإنتاجية.

ورأى اطلوبة أن أخطر آثار الاقتصاد الريعي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى البعد السياسي والاجتماعي، موضحًا أن الدولة التي تعتمد على مورد طبيعي مملوك لها لا تصبح بحاجة إلى الضرائب، وبالتالي تتراجع أهمية العلاقة التقليدية بين الحاكم والمحكوم القائمة على المساءلة والمحاسبة.

وأضاف أن الدولة تحولت إلى المستثمر الأكبر، ورب العمل الأول، والمصدر الأساسي للدخل والاستثمار، ما جعل المواطن أكثر ارتباطًا بالسلطة واعتمادًا عليها اقتصاديًا.

وأكد اطلوبة أن وصف أي دولة بأنها “ريعية” يعد مؤشرًا على ضعف بنيتها الاقتصادية، موضحًا أنه يمكن الحديث عن دولة نفطية ناجحة، لكن لا يمكن اعتبار الدولة الريعية نموذجًا ناجحًا، لأن نجاح الاقتصاد يقاس بتنوع مصادر الدخل والإنتاج والصادرات، وليس بحجم الموارد الطبيعية وحدها.

واستشهد بالنرويج، موضحًا أن النفط فيها لا يمثل المصدر الرئيس للناتج المحلي أو الإيرادات الحكومية أو الصادرات، وإنما يعمل كعامل دعم لاقتصاد متنوع يعتمد على الصناعة والخدمات والابتكار، وهو ما مكّنها من تجنب الوقوع في فخ الريع.

وأوضح أن الدول الصناعية الكبرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والنرويج، تنتج كميات كبيرة من النفط لكنها لم تتحول إلى دول ريعية، لأن اقتصاداتها كانت قائمة على قطاعات إنتاجية قوية قبل اكتشاف النفط، بينما وجدت الدول الفقيرة، ومنها ليبيا، نفسها تعتمد على النفط باعتباره المورد الوحيد القادر على تمويل التنمية.

وأشار إلى أن معظم دول الخليج واجهت ظروفًا مشابهة لليبيا من حيث محدودية الموارد الطبيعية الأخرى، إلا أنها نجحت نسبيًا في تنويع اقتصاداتها عبر تطوير قطاع الخدمات والاستثمار، رغم أن هذا القطاع يظل أكثر عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية.

وأكد أن الفارق الحقيقي بين التجربتين الليبية والخليجية يتمثل في الإدارة، موضحًا أن الاستقرار السياسي، والرؤية الاقتصادية الواضحة، والاستفادة من الخبرات الدولية ساعدت بعض الدول الخليجية على تنويع اقتصادها، في حين تعرضت ليبيا منذ سبعينيات القرن الماضي إلى تحولات سياسية وإدارية متتالية، بدأت بالانتقال من النظام الملكي إلى العسكري، ثم تبني النهج الاشتراكي، وصولًا إلى أحداث عام 2011 وما أعقبها من انقسام سياسي، وهو ما حال دون تنفيذ سياسات اقتصادية مستقرة.

وفي تقييمه لمستقبل القطاع النفطي، قال اطلوبة إن اكتشاف حقول جديدة أو ارتفاع أسعار النفط قد لا يمثلان خبرًا إيجابيًا في الظروف الحالية، بل قد يؤديان إلى تعميق الاعتماد على الإيرادات النفطية، وزيادة الإنفاق والفساد، إذا لم تتغير السياسات الاقتصادية.

وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في النفط نفسه، بل في القناعة السائدة بأن الثروة النفطية تكفي لضمان الرفاه، مستشهدًا بما أورده رئيس الوزراء الليبي الأسبق الراحل شكري غانم، بأن “أسوأ ما ترتب على النفط هو اعتقاد الليبيين أن الفقر أصبح من الماضي”.

وأضاف أن المطلوب هو ترسيخ ثقافة تقوم على أن مستوى معيشة المواطن يجب أن يكون نتيجة للإنتاج والعمل، وليس للاعتماد على مورد طبيعي قابل للنضوب.

وحذر اطلوبة من أن اعتماد الدولة على مورد واحد يجعل اقتصادها رهينة لتقلبات الأسعار والأسواق العالمية، لافتًا إلى أن ليبيا عاشت هذه التجربة خلال انهيار أسعار النفط عام 1986 عندما هبط سعر البرميل إلى أقل من عشرة دولارات، ما تسبب في عجز واضح بالميزانية.

وأضاف أن أي اكتشاف عالمي لمصدر طاقة بديل أو تراجع طويل في الطلب على النفط قد يضع الاقتصاد الليبي أمام أزمة حقيقية، في ظل غياب قطاعات إنتاجية قادرة على تعويض الإيرادات المفقودة.

كما اعتبر أن ارتباط ازدهار الاقتصاد المحلي بالأزمات الدولية وارتفاع أسعار النفط الناتجة عن الحروب يثير إشكالًا أخلاقيًا، مؤكدًا أن الاقتصاد السليم يجب أن يعتمد على الإنتاج المحلي لا على الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدول الأخرى.

واكد على أن الاستفادة الحقيقية من ارتفاع أسعار النفط لا تكون عبر زيادة الإنفاق الاستهلاكي، وإنما من خلال توجيه العائدات نحو الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وبناء اقتصاد متنوع.

وقال إن النفط يجب أن يكون “محركًا للاقتصاد لا بديلًا عنه”، داعيًا إلى تقليص الاعتماد المباشر على الإيرادات النفطية في تمويل الإنفاق الجاري، واستثمارها في إنشاء قاعدة اقتصادية مستدامة تعزز الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية، بما يضمن خروج ليبيا تدريجيًا من دائرة الاقتصاد الريعي وتحقيق تنمية طويلة الأجل.

أكد اطلوبة أن الطبيعة البشرية تميل إلى البحث عن الطريق الأسهل والأقل مشقة، وهو ما يفسر تحول الدول النفطية إلى الاقتصادات الريعية، نتيجة الاعتماد على الإيرادات النفطية التي تُعرف بـ”الأموال السهلة” (Easy Money)، كونها لا ترتبط بجهد إنتاجي مباشر كما هو الحال في الزراعة أو الصناعة.

وأوضح اطلوبة أن الإيرادات النفطية تتدفق إلى خزائن الدولة بسهولة مقارنة بالإيرادات الضريبية التي تعتمد على نشاط اقتصادي حقيقي وإنتاج مستدام، مبينًا أن الحكومات التي تمتلك مورداً نفطياً وفيراً غالباً ما تجد نفسها أقل اهتماماً بتنمية القطاعات الإنتاجية، لأنها لا تعتمد على الضرائب كمصدر رئيسي للدخل، وبالتالي لا تكون مضطرة إلى تحفيز المواطنين على العمل والإنتاج أو تنويع الاقتصاد.

وأشار إلى أن اكتشاف النفط في ليبيا أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من العاملين من القطاع الزراعي إلى المدن والوظائف الحكومية، بسبب ارتفاع الرواتب في القطاعين الحكومي والنفطي مقارنة بالأعمال الزراعية والإنتاجية التي تتطلب جهداً كبيراً، الأمر الذي أسهم تدريجياً في تراجع الزراعة وانكماش القطاعات الإنتاجية.

وأضاف أن معظم الدول التي اكتشفت النفط ولم تكن تمتلك قاعدة إنتاجية متينة تحولت إلى دول ريعية، باستثناء الدول التي كانت لديها قطاعات اقتصادية قوية وإدارات رشيدة أدركت مبكراً مخاطر الاعتماد الكامل على النفط، فعملت على تنويع مصادر دخلها.

وفيما يتعلق بدور القطاع الخاص، أوضح اطلوبة أن المشكلة لم تكن في ضعف القطاع الخاص بقدر ما كانت في محدودية وجوده قبل اكتشاف النفط، حيث كان يقتصر على أنشطة معيشية بسيطة تحقق الاكتفاء اليومي في ظل مستويات مرتفعة من الفقر كانت تعيشها ليبيا آنذاك.

وقال إن المواطنين انتقلوا بعد ظهور النفط من أوضاع اقتصادية صعبة إلى وظائف حكومية توفر دخلاً مستقراً ومستوى معيشياً أفضل، إلا أن ذلك لم يصاحبه بناء قطاع إنتاجي حقيقي، إذ انحصرت معظم أنشطة القطاع الخاص في التجارة والمقاولات والنقل والخدمات، وهي قطاعات تعتمد بصورة مباشرة على الإنفاق الحكومي والإيرادات النفطية، ولا تمثل قاعدة إنتاجية مستدامة.

وأشار إلى أن القطاع الزراعي شهد خلال سبعينيات القرن الماضي محاولات واعدة للنمو، غير أن السياسات الاقتصادية التي تبنتها الدولة خلال مرحلة التحول نحو الاقتصاد الاشتراكي وسيطرة القطاع العام أدت إلى محاصرة القطاع الخاص، ما تسبب في تراجع تلك التجربة.

 

وأضاف أن القطاع الخاص لم يتمكن بعد عام 2000 من استعادة مكانته أو تعويض الانهيار الذي تعرض له خلال ثمانينيات القرن الماضي، مرجعاً ذلك إلى سببين رئيسيين؛ الأول يتمثل في فقدان الخبرات والتراكم المعرفي الذي كان قد بدأ بالتشكل قبل انهياره، والثاني يتعلق بغياب الثقة في استقرار السياسات الحكومية، الأمر الذي جعل المستثمرين المحليين يترددون في الدخول في استثمارات طويلة الأجل خشية تغير القرارات أو السياسات الاقتصادية.

وتابع أن الأوضاع الأمنية والسياسية التي شهدتها ليبيا بعد عام 2011 زادت من عزوف القطاع الخاص عن الاستثمار في الأنشطة الإنتاجية، مؤكداً أن معظم الاستثمارات الحالية تتركز في الأنشطة سريعة الربح مثل التجارة والمضاربة والمقاولات، وهي أنشطة لا تضيف قيمة إنتاجية حقيقية للاقتصاد الوطني.

وفي سياق حديثه عن الاستثمار الأجنبي، شدد اطلوبة على أن رأس المال يبحث دائماً عن البيئة الآمنة، مؤكداً أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل الشرط الأول والأساسي لأي عملية استثمار، سواء بالنسبة للمستثمر المحلي أو الأجنبي.

وأوضح أن توفير بيئة تشريعية وقانونية مستقرة وجاذبة يشكل الركيزة الثانية بعد الأمن، إذ يتعين على الدولة تقديم حوافز حقيقية للمستثمرين، تشمل الإعفاءات الضريبية، وضمان حرية تحويل الأرباح، وتبسيط الإجراءات، وتوفير الخدمات اللازمة، بما يجعل التشريعات الليبية قادرة على منافسة التجارب الناجحة في دول الخليج التي استطاعت استقطاب استثمارات ضخمة بفضل بيئاتها الاستثمارية المحفزة.

وأشار إلى أن ليبيا تمتلك فرصاً واعدة للاستثمار، لا سيما في قطاع الصناعة التحويلية، والصناعات البتروكيماوية، والصناعات القائمة على النفط، نظراً لما تتمتع به من ميزة نسبية في هذا المجال، بينما تبقى فرص الاستثمار في الزراعة محدودة نسبياً، في حين يمكن للسياحة أن تمثل قطاعاً واعداً إذا توفرت الظروف المناسبة.

واختتم اطلوبة بالتأكيد على أن أي حديث عن جذب الاستثمارات الأجنبية أو تنشيط الاقتصاد سيظل محدود الأثر ما لم تسبق ذلك خطوات جادة نحو إنهاء الانقسام السياسي، وترسيخ الأمن، وإقرار دستور أو عقد اجتماعي جامع، وتوحيد مؤسسات الدولة، وبناء منظومة قانونية مستقرة تنظم النشاط الاقتصادي وتمنح المستثمرين الثقة اللازمة لضخ رؤوس أموالهم داخل ليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى