اخبار مميزةليبيا

أبوفردة: اشتباكات الزاوية تعكس فشل الدولة 

أكد مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، شريف أبوفردة، أن تكرار الاشتباكات المسلحة في مدن الساحل الغربي، وخاصة الزاوية ومحيطها، يعكس فشل الدولة في احتكار استخدام القوة، معتبراً أن المعالجات الأمنية الحالية تقتصر على احتواء النتائج دون الاقتراب من جذور الأزمة، وفي مقدمتها التمويل والحصانة السياسية وغياب المساءلة، مشدداً على أن التشكيلات المسلحة تحولت إلى “مؤسسة داخل مؤسسة الدولة”.

وأوضح أبوفردة، خلال لقائه مع “تلفزيون المسار”، رصدته “الساعة 24″، أن منطقة الزاوية تمثل عمقاً استراتيجياً للعاصمة طرابلس، وأن ما تشهده من اشتباكات متكررة خلال السنوات الثلاث الأخيرة يؤكد أن الدولة ما زالت تتعامل مع الأعراض وليس مع الأسباب الحقيقية للأزمة، إذ تتكرر السيناريوهات ذاتها في كل مرة، بينما تبقى الحلول مقتصرة على الوساطات الاجتماعية أو إرسال قوات لفض الاشتباكات ثم الانسحاب.

وأضاف أن هذه المعالجات لا تمس جوهر المشكلة، والمتمثل في استمرار تمويل التشكيلات المسلحة، وتمتعها بحصانة من المساءلة، ووجود غطاء سياسي يحميها، مؤكداً أن هذه العوامل مجتمعة تعكس غياب احتكار الدولة للقوة، وهو المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه أي دولة مستقرة.

وأشار إلى أن التشكيلات المسلحة التي تخوض اليوم معارك داخل الأحياء السكنية ليست مجرد مجموعات خارجة عن القانون، وإنما أصبحت جزءاً من مؤسسات الدولة بعد إدماجها في هياكلها بصورة هجينة، ومنحت بعض قياداتها صلاحيات قانونية، من بينها صفة الضبط القضائي، الأمر الذي جعلها تعمل داخل مؤسسات الدولة مع احتفاظها باستقلالها العسكري، وهو وضع شديد الخطورة والتعقيد.

ورأى أن التعامل مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الأجهزة الشرطية، موضحاً أن مديريات الأمن وأجهزة الشرطة هي مؤسسات مدنية مهمتها الأساسية إنفاذ القانون وحماية المواطنين، بينما ما يجري حالياً يتمثل في مواجهات عسكرية بين تشكيلات تمتلك قدرات وتسليحاً عسكرياً، وهو ما يتطلب، تدخلاً من قوات عسكرية نظامية تتبع الدولة بصورة حقيقية وتخضع للتسلسل القيادي الرسمي.

وأكد أن الاشتباكات الأخيرة شهدت تحولاً نوعياً خطيراً في طبيعة المواجهات، تمثل في استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة على المستوى العملياتي، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من الضحايا سقط نتيجة استخدام الطائرات المسيّرة، وهو ما يعكس تطوراً خطيراً في مستوى التهديد الذي تمثله هذه التشكيلات على مؤسسات الدولة.

وأضاف أن امتلاك المليشيات لهذا النوع من التسليح يؤكد أن الدولة باتت تواجه خصماً يمتلك إمكانات عسكرية متطورة، الأمر الذي يجعل مواجهته تتطلب مؤسسة عسكرية نظامية تمتلك القدرة على فرض سلطة الدولة واستعادة احتكارها لاستخدام القوة.

وفي تفسيره لاستمرار تفاقم الأزمة في مدن الساحل الغربي مقارنة بمناطق أخرى، أوضح أبوفردة أن الدولة عالجت نتائج المشكلة دون معالجة بنيتها الأساسية، مشيراً إلى أن إدماج التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة في المنطقة الغربية جرى بطريقة هجينة، بخلاف التجارب التقليدية التي تعتمد على تفكيك التشكيلات أو إنشاء مؤسسات أمنية جديدة.

وأوضح أن خصوصية مدينة الزاوية تكمن في عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في البنية الاجتماعية، حيث تعتمد التشكيلات المسلحة على حاضنتين أساسيتين هما القبيلة والمنطقة، إذ تمتلك القبائل الكبرى تشكيلاتها المسلحة الخاصة، كما تمتلك كل منطقة داخل الساحل الغربي مجموعتها المسلحة، وهو ما وفر لهذه التشكيلات غطاءً اجتماعياً وحاضنة شعبية عززت من استمرارها.

وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في الاقتصاد غير المشروع، مبيناً أن الساحل الغربي يعد من أكبر مراكز شبكات التهريب والجريمة المنظمة في ليبيا، حيث تتنافس التشكيلات المسلحة على السيطرة على تهريب الوقود المدعوم، والهجرة غير النظامية، والاتجار بالبشر، إضافة إلى التحكم في الموانئ والمنافذ والمصافي النفطية، وعلى رأسها مصفاة الزاوية ومجمع مليتة، الأمر الذي يجعل الصراع مرتبطاً بالسيطرة على الموارد الاقتصادية غير المشروعة.

وأشار إلى أن هذا التنافس على مصادر الريع الاقتصادي يمثل أحد أبرز دوافع الاشتباكات، إلى جانب غياب الردع القضائي والمساءلة القانونية، لافتاً إلى أن الأسماء ذاتها تتكرر في كل جولة من جولات الصراع دون أن تصدر بحقها إجراءات رادعة أو مذكرات ضبط أو محاكمات.

وأكد أن سقوط الضحايا بصورة متكررة يفرض على النيابة العامة والأجهزة القضائية الاضطلاع بدورها في محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، متسائلاً عن المبرر القانوني أو الأخلاقي لسقوط هذا العدد من الضحايا دون محاسبة.

ودعا كذلك الحاضنة الاجتماعية إلى سحب الغطاء عن التشكيلات المسلحة وعدم توفير الحماية لها، معتبراً أن استمرار الدعم الاجتماعي يسهم في إطالة أمد الأزمة ويمنح هذه المجموعات قدرة أكبر على الاستمرار.

وانتقد أداء السلطة التنفيذية، معتبراً أن غياب “عقل الدولة” يمثل السبب الرئيسي لاستمرار الأزمة، موضحاً أن ليبيا تفتقر إلى استراتيجية أمنية موحدة تطبق على كامل البلاد، بعيداً عن الأشخاص أو التوازنات السياسية، كما انتقد غياب المسؤولين عن المشهد في ظل تصاعد الأحداث، قائلاً إن البلاد تشهد استخداماً للطائرات المسيّرة وسقوط قتلى، بينما لا يظهر تحرك فعلي من الجهات التنفيذية المختصة.

وأشار إلى أن تصريحات المسؤولين بشأن امتلاك وزارة الداخلية مئات الآلاف من المنتسبين تثير التساؤلات حول سبب العجز عن نشر قوة قادرة على فرض الأمن في منطقة تشهد اشتباكات متكررة، متسائلاً عن أسباب عدم الاستفادة من هذه الإمكانات في حماية المواطنين.

وأكد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً صرفاً، لأن الاعتماد على القوة التقليدية وحدها في مناطق ذات كثافة سكانية سيؤدي إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة، كما أنه قد يوفر للتشكيلات المسلحة مبررات إضافية للتجنيد تحت شعارات الدفاع عن المدينة أو القبيلة أو المنطقة.

وشدد على أن الحل يتطلب اعتماد “الضغط الهجين المركب”، من خلال تنفيذ مجموعة من الإجراءات الأمنية والاقتصادية والاستخباراتية بالتوازي، بما يؤدي إلى تفكيك التشكيلات المسلحة من الداخل وتقليص نفوذ قياداتها.

وأوضح أن هذه الإجراءات تشمل تجفيف مصادر التمويل، وتفعيل وحدات مكافحة غسل الأموال والتحريات المالية، ومراجعة حجم الإنفاق العام والوظائف الحكومية، إضافة إلى تفعيل أجهزة البحث الجنائي ومكافحة المخدرات والهجرة غير النظامية، بما يعزز قدرة الدولة على ملاحقة مصادر تمويل الجريمة المنظمة.

كما دعا إلى إنشاء قوة أمنية أو عسكرية خاصة ذات كفاءة عالية، يتم اختيار عناصرها بعناية وتخضع لتدريب احترافي، تكون قادرة على التدخل السريع وفرض الأمن عند اندلاع أي مواجهة، معتبراً أن مثل هذه القوة ينبغي أن تعمل وفق استراتيجية واضحة وتحت قيادة الدولة حصراً.

ورداً على المخاوف من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى توسيع دائرة الصراع، أوضح أبوفردة أن الدراسات التي أجراها المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، إلى جانب أكثر من مائة ورقة بحثية تناولت التشكيلات المسلحة في ليبيا، خلصت إلى أن هذه المجموعات ترتبط في الغالب بقيادات محددة، وأن تفكيكها يبدأ بإضعاف القيادة وتجفيف مصادر قوتها، مؤكداً أن استعادة الدولة لاحتكار القوة قد تفرض في بعض المراحل مواجهات محدودة، لكنها تظل خياراً ضرورياً إذا أرادت الدولة استعادة هيبتها وبناء مؤسساتها الأمنية على أسس سليمة.

واختتم أبوفردة حديثه بالتأكيد على أن استعادة الدولة تبدأ باستعادة احتكارها لاستخدام القوة، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية محترفة، مقرونة بإصلاحات مالية وقضائية واستخباراتية، معتبراً أن أي معالجة لا تستهدف جذور الأزمة ستبقي الاشتباكات تتكرر بالسيناريو نفسه، مهما تعددت الوساطات أو تبدلت الأطراف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى