ليبيا

الشحاتي: السياسة النقدية هي مفتاح استقرار الدينار وسعر الصرف

قال الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي إن الضغط على الدينار الليبي ليس وليد اللحظة، مؤكداً أن العملة المحلية تتعرض لضغوط مستمرة منذ ما قبل جائحة كورونا، وأن الإجراءات التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي خلال السنوات الماضية نجحت في بعض الفترات في ضبط السوق الموازي، قبل أن تعود الأزمة من جديد نتيجة غياب سياسة نقدية واضحة ومتكاملة.

وأوضح الشحاتي، في لقائه مع قناة ليبيا الحدث، رصدته “الساعة 24” أن مصرف ليبيا المركزي لجأ في مراحل سابقة إلى تعديل سعر الدولار وخفض القيمة الرسمية للدينار في محاولة لسحب السيولة الموجودة لدى الجمهور، مشيراً إلى أن المصرف نجح في نهاية عام 2021 في سحب ما يقارب 30 مليار دينار من العملة المتداولة لدى الجمهور وإعادتها إلى النظام المصرفي، إلا أن هذه الأموال عادت لاحقاً إلى خارج القطاع المصرفي مع تطور الأوضاع الاقتصادية واستمرار غياب الأدوات النقدية الفاعلة.

وأشار إلى أن المشكلة تتمثل كذلك في عدم وجود سياسة نقدية واضحة لدى المصرف المركزي تتجاوز مسألة سعر الصرف، موضحاً أن سعر الفائدة يمثل إحدى أهم الأدوات التي يمكن من خلالها التحكم في عرض النقود وزيادة الطلب على العملة المحلية، لأن رفع الطلب على الدينار من جانب المستثمرين والأفراد يمكن أن يقلل من توجههم إلى الدولار والعملات الأجنبية باعتبارها وسيلة للتحوط من التضخم.

وبيّن الشحاتي أن المستثمر أو المواطن الليبي يلجأ إلى العملات الأجنبية لحماية مدخراته من مخاطر التضخم، في ظل عدم وجود حوافز كافية للاحتفاظ بالدينار، لافتاً إلى أن استمرار ارتفاع التضخم يؤدي تدريجياً إلى تراجع قيمة العملة المحلية، وهو ما يضع مصرف ليبيا المركزي أمام ضغوط شديدة، قد تدفعه مستقبلاً إلى اتخاذ إجراءات جديدة تتعلق بسعر الصرف.

وفيما يتعلق بأزمة السيولة، أكد الشحاتي أن المشكلة لا ترتبط فقط بكمية النقود، وإنما بطبيعة حركة الأموال داخل النظام المصرفي، موضحاً أن الدينار في أي نظام مصرفي يخرج من المصارف ثم يعود إليها مجدداً عبر الدورة الاقتصادية، بينما الوضع في ليبيا مختلف، إذ تخرج كميات كبيرة من الأموال من النظام المصرفي ولا تعود إليه.

ولفت إلى أن جزءاً كبيراً من الأموال النقدية يتم اكتنازه خارج القطاع المصرفي، سواء داخل المنازل أو لدى أشخاص يحتفظون بها لأغراض تجارية أو احتياطية، ما يؤدي إلى انخفاض سرعة دوران النقود داخل النظام المصرفي، ويجعل كميات كبيرة من العملة الموجودة لدى الجمهور خارج الدورة المصرفية الفعلية.

وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي نجح في فترات سابقة في سحب جزء من هذه الأموال عبر تعديل سعر الصرف مرتين متتاليتين، غير أن العملة عادت مجدداً إلى أيدي الجمهور وخارج النظام المصرفي، لتصبح بذلك أموالاً محجوبة عن التداول المصرفي، وهو ما يخلق في المقابل نقصاً في الأموال المتاحة داخل المصارف.

وفي حديثه عن الإيرادات النفطية، قال الشحاتي إنه اطلع على معلومات تفيد بأن مصرف ليبيا المركزي استلم حتى نهاية شهر يوليو نحو 13 مليار دولار، معتبراً أن هذا الرقم، إذا استمر بالمعدل نفسه حتى نهاية العام، قد يرفع إجمالي الإيرادات إلى أكثر من 21 أو 22 مليار دولار، موضحاً أن ذلك يعكس ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة الماضية.

وأكد أن هذا الرقم لا يشير إلى وجود نقص كبير في الإيرادات النفطية خلال العام الحالي، حتى مع الارتفاع الكبير في فاتورة استيراد الوقود، مشيراً إلى أن المعلومات المتداولة حول وصول فاتورة الوقود إلى نحو مليار و400 مليون دولار خلال شهر معين لم تصدر بشكل رسمي عن مصرف ليبيا المركزي أو المؤسسة الوطنية للنفط.

وأوضح أن ارتفاع تكلفة الديزل يرتبط بعوامل دولية وإقليمية، في ظل نقص المعروض العالمي، ولا سيما بعد توقف أو تراجع صادرات الديزل الروسية نتيجة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من أضرار لحقت بعدد من المصافي الروسية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع علاوات وأسعار الديزل عالمياً.

وأشار إلى أن ليبيا تتحمل في الوقت ذاته فاتورة مرتفعة لاستيراد الديزل نتيجة الحاجة المتزايدة إليه في إنتاج الكهرباء، خصوصاً مع انخفاض إنتاج الغاز محلياً، موضحاً أن ليبيا تنتج النفط بسعر يقارب 80 دولاراً للبرميل وفق الأسعار التي أشار إليها، وبالتالي فإن الوضع المالي للدولة، رغم تعقيداته، ليس بالدرجة الصعبة التي تستدعي بالضرورة خفض قيمة الدينار في الوقت الراهن.

وتابع أن البيانات المتاحة تشير إلى استمرار تدفق إيرادات النفط إلى مصرف ليبيا المركزي، لافتاً إلى أن الرقم المتداول بشأن الإيرادات حتى نهاية يوليو يعد مرتفعاً مقارنة بالسنوات الماضية، وإن كان الحديث عن الوضع المالي يعتمد في جزء منه على بيانات منشورة في الصحافة ومواقع التواصل، بينما الجهة التي تصدر البيانات الشهرية بصورة منتظمة بشأن الإنتاج والإيرادات النفطية هي المؤسسة الوطنية للنفط.

وفي هذا السياق، شدد الشحاتي على أن انخفاض إنتاج الغاز يمثل مشكلة أساسية في قطاع الطاقة الليبي، موضحاً أن الحل لا يتمثل فقط في تحويل بعض محطات الكهرباء من الديزل إلى الغاز، لأن إنتاج الغاز نفسه تراجع ويحتاج إلى استثمارات ومشروعات جديدة وتحديث للبنية التحتية.

وقال إن ليبيا استهلكت في عام 2010 نحو خمسة ملايين طن من الديزل سنوياً، وإن الاستهلاك الحالي يقترب من خمسة ملايين ونصف المليون طن، معتبراً أن ارتفاع إنتاج الغاز خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2022 أو 2023 ساهم في تحقيق وفر كبير من الديزل، قبل أن يؤدي انخفاض إنتاج الغاز إلى عودة الاعتماد على الديزل بكميات كبيرة.

وأضاف أن ليبيا تحتاج إلى استثمارات جديدة في قطاع الغاز حتى تتمكن من العودة تدريجياً إلى استبدال الديزل بالغاز، غير أن تنفيذ هذه الاستثمارات قد يحتاج إلى ثلاث أو أربع سنوات، بينما تحتاج الدولة في الوقت الراهن إلى توفير الكهرباء، ما يجعلها مضطرة إلى الاستمرار في استيراد الديزل أو استخدام النفط الخام لتوليد الطاقة.

وأوضح أن بعض الدول، مثل الكويت والسعودية وغيرها، تلجأ إلى استخدام النفط الخام في إنتاج الكهرباء عند الحاجة، مشيراً إلى أن ليبيا يمكنها كذلك استخدام النفط الخام، وقد تصل الكميات المستخدمة في هذا المجال إلى نحو 16 ألف برميل يومياً، في ظل نقص الغاز والديزل، غير أنه رأى أن استيراد الديزل قد يكون أقل تكلفة من استهلاك النفط الخام في بعض الحالات.

وأكد أن الخيارات المتاحة أمام ليبيا محدودة، خصوصاً في ظل أزمة الطاقة العالمية والتداعيات التي خلفتها الحرب الروسية الأوكرانية على أسواق الوقود، مشدداً على أنه إذا كانت الدولة تريد استمرار إنتاج الكهرباء وتلبية الطلب المرتفع خلال فترات الذروة، فعليها توفير الوقود اللازم لذلك.

وانتقل الشحاتي إلى ملف الطلب على الدولار، مؤكداً أن المشكلة لا تتمثل فقط في توفير العملة الأجنبية، وإنما أيضاً في ارتفاع حجم الطلب عليها، نتيجة وجود كميات كبيرة من الأموال في الاقتصاد الليبي، سواء لدى القطاع العام أو القطاع الخاص.

وأوضح أن القطاع الخاص في ليبيا ينفق مبالغ كبيرة، بالتوازي مع الإنفاق الحكومي، وأن الأموال التي يتم توفيرها عبر مصرف ليبيا المركزي تتحول إلى كتلة مالية كبيرة تبحث عن فرص استثمارية، سواء داخل ليبيا أو خارجها.

وبيّن أن أصحاب الأموال قد يفضلون تحويلها إلى استثمارات خارج البلاد بدلاً من الاحتفاظ بها بالدينار، مشيراً إلى أن المواطن العادي يمكن أن يبحث عن استثمار في تركيا أو مصر أو غيرهما للحصول على عائد مرتفع، في حين يمكن أن تتخذ بعض القطاعات الحكومية السلوك نفسه.

واستشهد بما يعرف في الاقتصاد بـ”تجارة الفائدة”، حيث تتحرك الأموال من الدول ذات أسعار الفائدة المنخفضة إلى الدول التي تقدم عوائد أعلى، موضحاً أن الأموال يمكن أن تخرج من الاقتصاد بحثاً عن عائد أكبر، وهو ما يجعل خلق طلب حقيقي على العملة المحلية أمراً ضرورياً.

وأكد أن سعر الفائدة يمثل إحدى أهم الوسائل لزيادة الطلب على الدينار، مشيراً إلى أن انخفاض سعر الفائدة في ليبيا يجعل الطلب على العملة المحلية ضعيفاً، فيما يحاول مصرف ليبيا المركزي استخدام أدوات مثل المضاربة المطلقة والودائع المقيدة، إلا أن هذه الأدوات لا تكفي لسحب كميات كبيرة من النقود من السوق.

وشدد على ضرورة تبني سياسة نقدية تدفع القطاع الخاص والقطاع العام والمواطنين إلى الاحتفاظ بالدينار واستخدامه، بدلاً من تحويل الأموال باستمرار إلى الدولار، موضحاً أن الهدف يجب أن يكون خلق طلب حقيقي على العملة المحلية، لأن غياب هذا الطلب سيبقي الدينار تحت الضغط.

وفيما يتعلق بالجهة المسؤولة عن سعر الصرف والتضخم، قال الشحاتي إن مصرف ليبيا المركزي هو الجهة المسؤولة عن السياسة النقدية، وبالتالي يتحمل مسؤولية التحكم في سعر الصرف والتضخم من خلال أدواته النقدية، مشيراً إلى أن المصرف يستطيع وقف ضخ الأموال بصورة مباشرة إلا عبر آليات واضحة، وأن الحكومة إذا احتاجت إلى أموال إضافية فينبغي أن تحصل عليها في صورة قروض بتكلفة وشروط محددة، على أن تعمل لاحقاً على سدادها.

وانتقد التعامل مع ملف الدين العام بصورة سطحية، معتبراً أن الحديث عن إطفاء الدين العام لا يكفي وحده لحل المشكلة، ما لم تترافق الإجراءات مع ضبط الإنفاق وإعادة الأموال إلى الدورة المالية المنظمة.

وفي ملف بيع الدولار نقداً للمواطنين، أكد الشحاتي أن هذه الخطوة لم تحقق الفارق الموعود بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي، موضحاً أن بيع الدولار عبر البطاقة أو بيعه نقداً لا يغير جوهر المشكلة الاقتصادية، لأن الأمر يتعلق في النهاية بالسياسة النقدية وليس بطريقة تسليم العملة الأجنبية.

وقال إن الفرق بين إعطاء المواطن ألف دولار عبر بطاقة مصرفية أو تسليمه المبلغ نقداً هو فرق نفسي وثقافي بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن جزءاً من المجتمع الليبي لا يزال مرتبطاً ثقافياً بالنقود الورقية ولا يثق بصورة كاملة بالتحويلات الرقمية، رغم التوسع الكبير في المعاملات الإلكترونية.

وفي هذا الإطار، رفض الشحاتي اعتبار وصول المعاملات المالية الإلكترونية في ليبيا إلى مستويات كبيرة، ومنها ما تم الإعلان عنه من بلوغ المعاملات الرقمية نحو تريليون دينار بنهاية العام، إنجازاً استثنائياً، معتبراً أن ليبيا ما زالت متأخرة مقارنة بالدول الأخرى في مجال التحول الرقمي.

وأكد في المقابل تقديره للجهود التي يبذلها مصرف ليبيا المركزي والعاملون في مجال الدفع الإلكتروني، لكنه شبّه الوضع بشخص كان في آخر السباق ثم تقدم خطوات قليلة، معتبراً أن التقدم النسبي لا يعني الوصول إلى مستوى الإنجاز الحقيقي.

وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق بالتقنية فقط، بل تشمل الثقافة المصرفية وثقافة المجتمع تجاه النقود والتحول الرقمي، موضحاً أن تغيير هذه الثقافة يحتاج إلى وقت وتدريب، كما حدث في الدول التي انتقلت تدريجياً إلى الأنظمة الرقمية.

وشدد على أن التحول الرقمي لا ينبغي أن يقتصر على المصارف، بل يجب أن يشمل الحكومة أيضاً، بحيث تتحول الإجراءات الإدارية والخدمات المدنية والمعاملات الحكومية إلى أنظمة إلكترونية، بما يسمح للمواطن بإتمام معاملاته بصورة رقمية، بما في ذلك عمليات الدفع الإلكتروني.

وعاد الشحاتي إلى الوضع المالي للدولة، مؤكداً أن البيانات المتاحة تشير إلى وجود وفر مالي خلال العام الحالي نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي فإن الوضع الحالي لا يشبه ما حدث في عامي 2020 و2021 عندما كانت صادرات النفط تتعرض للإغلاق وكانت الإيرادات الشهرية تنخفض في بعض الفترات إلى أقل من 400 مليون دولار.

وأوضح أن الظروف الحالية أفضل بكثير من تلك السنوات، وأن الإيرادات النفطية الحالية تعد مرتفعة نسبياً، ولذلك لا يرى، وفق المعطيات الموجودة، ضرورة للجوء إلى خفض جديد في قيمة الدينار خلال الشهرين المقبلين.

وأضاف أن الانخفاضات التي قد تحدث من شهر إلى آخر لا تعني بالضرورة وجود اتجاه عام نحو خفض قيمة العملة، طالما أن إجمالي الأموال التي تدخل إلى الدولة ما يزال عند مستويات جيدة، مشدداً على أن الإيرادات الحالية، مقارنة بعامي 2020 و2021، تمنح مصرف ليبيا المركزي مساحة أكبر للتعامل مع الضغوط القائمة دون اللجوء إلى خفض سعر الصرف.

واختتم الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي بالتأكيد على أن المؤشرات المالية الحالية يجب أن تدفع مصرف ليبيا المركزي إلى معالجة الضغوط القائمة من خلال أدوات السياسة النقدية، وإدارة الطلب على الدينار والدولار، بدلاً من الاكتفاء بضخ العملة الأجنبية أو التفكير في خفض جديد لقيمة الدينار، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في السياسة النقدية وآليات إدارة الأموال داخل الاقتصاد الليبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى