اخبار مميزةليبيا

بوالرايقة: هشاشة المؤسسات الأمنية وتعدد مراكز القوة جوهر الأزمة الليبية

قال المحلل السياسي والباحث في الأمن القومي، فيصل بوالرايقة، إن ضعف احتكار الدولة للسلاح والقوة يمثل جوهر الأزمة الأمنية في ليبيا، مؤكداً أن ما تشهده البلاد اليوم ليس انفلاتاً أمنياً مؤقتاً، وإنما حالة مزمنة نتجت عن تراكمات امتدت لنحو 15 عاماً، في ظل تعاقب حكومات لم تمتلك أجندة واضحة أو رؤية ثابتة لتحديد الأولويات.

وأوضح بوالرايقة، في لقائه مع قناة الوسط، رصدته صحيفة الساعة 24، أن تحميل المسؤولية الكاملة لحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عما يجري في المنطقة الغربية يرتبط باختصاصاتها المباشرة في حماية المؤسسات والأرواح والمنشآت، مشيراً إلى أن انتشار السلاح وتعدد مراكز النفوذ والتشكيلات المسلحة بات نتيجة طبيعية لتراكمات سياسية وأمنية لم تتم معالجتها بصورة جذرية.

وبيّن أن أصل المشكلة يعود إلى نحو 15 عاماً من الترتيبات التي اتخذتها حكومات متعاقبة دون امتلاك أجندة واضحة أو بوصلة محددة بشأن تقدير الأولويات، الأمر الذي أدى إلى تراكم المشكلات وصولاً إلى الوضع الراهن، لافتاً إلى أن المنطقة الغربية تُعد من أكثر المناطق حساسية نظراً لموقعها الجغرافي والاستراتيجي، وارتباطها بموارد ومنشآت حيوية، إلى جانب تماسها المباشر مع الحدود الجنوبية للبحر المتوسط.

وأشار إلى أن التشكيلات المسلحة التي نشأت وترعرعت خلال هذه الفترة تغيرت أفكارها وتبدلت أدوارها، وأصبحت تقتات على المنشآت الحيوية، ولا سيما قطاع النفط، من خلال عمليات التعيين والتمكين داخل المؤسسات، إضافة إلى استفادة بعض الأطراف السياسية والموظفين من هذه التشكيلات، فضلاً عن تغذيها على اقتصاد الظل عبر تهريب الوقود والهجرة غير الشرعية وغيرها من الأنشطة.

وأضاف أن المواجهات التي تتكرر بين فترة وأخرى لا يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث أمنية عابرة ناتجة عن اشتباك مؤقت، لأن ما يحدث يعكس مرضاً أصيلاً يتمثل في هشاشة المؤسسات الأمنية، موضحاً أن كل منطقة في ليبيا تضم مؤسسات أمنية ومديريات وأجهزة متعددة، سواء كانت قوات الدعم المركزي أو أجهزة البحث الجنائي أو أجهزة المعلومات والأمن الداخلي أو الأجهزة التابعة لوزارة الدفاع أو الحرس الرئاسي، وهو ما أدى إلى تداخل في الاختصاصات والمهام.

وأكد بوالرايقة أن المشكلة لا تكمن في غياب المؤسسات من حيث الشكل، بل في هشاشتها من حيث الكفاءة والقيادة والقدرة على فرض القانون، مشيراً إلى أن عدداً من العاملين داخل هذه المؤسسات يُعدون طارئين أو عابرين على العمل الأمني، ولم يتلقوا التدريب الكافي، فيما يرتبط بعضهم بتشكيلات مسلحة، سواء من خلال نقل المعلومات أو الانخراط في عمليات التهريب والأنشطة المرتبطة باقتصاد الظل.

ولفت إلى أن غياب الحوكمة طوال السنوات الماضية عن عمليات الاختيار والتعيين داخل المؤسسات الأمنية أسهم في تكريس الضعف الأمني، محذراً في الوقت ذاته من خطورة امتلاك بعض التشكيلات المسلحة طائرات مسيرة، باعتبار أن هذا النوع من التسليح يدخل ضمن مفاهيم الحروب الهجينة وحروب الجيل الخامس، ولا يمكن أن يستمر بعيداً عن وجود أدوار أو أيادٍ خارجية.

وأوضح أن بعض التشكيلات ارتبطت بوكالات عمل خارجي وأجزاء استخباراتية لدول مجاورة أو أطراف إقليمية، مشيراً إلى وجود حديث عن ارتباطات بجهات في مالطا وإيطاليا، فضلاً عن تلقي بعضها دعماً وتدريباً بصورة غير معلنة، سواء تحت غطاء المستشارين أو من خلال معسكرات تدريب.

وبيّن أن الطائرات المسيرة قد تستخدم في عمليات الاستطلاع والرصد والمسح، إلا أنها تظل سلاحاً بالغ الخطورة عندما تستخدم في عمليات الاستهداف، مشدداً على أن تراكم هذه التطورات خلال السنوات الماضية أدى إلى وصول ليبيا إلى مرحلة باتت فيها الأسلحة الاستراتيجية والخطيرة والمؤثرة جزءاً من المشهد، سواء استخدمت ضد طرف أو لمصلحته.

وفي رده على ما إذا كانت التشكيلات المسلحة أصبحت شريكاً للدولة في امتلاك السلاح، وما إذا كانت المواجهات الأخيرة مقصودة أو كان لحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة دور فيها، أكد بوالرايقة أن غياب الشفافية وغياب جهة تنقل المعلومات بصورة صحيحة يزيدان من تعقيد المشهد، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة في الغرب الليبي لا تزال تعتمد في كثير من الأحيان على تدخل العقلاء والحكماء، الذين يدفعون ثمناً من دماء أبناء الشعب الليبي لاحتواء المواجهات.

وأضاف أن الشباب صغار السن يدفعون ثمن غياب الشفافية وعدم وجود رؤية واضحة لدى رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، الذي تقع ضمن اختصاصاته حماية المؤسسات والأرواح والمنشآت، مشيراً إلى أن التداخل داخل المؤسسات الأمنية، سواء عبر وزارة الداخلية أو جهاز الأمن الداخلي أو جهاز المخابرات العامة أو وزارة الدفاع ورئاسة الأركان، يعكس حجم الإشكالية القائمة.

وأشار إلى أن الاشتباكات استمرت لفترة زمنية ليست قصيرة، واستخدمت خلالها أسلحة خفيفة ومتوسطة، قبل أن تتطور إلى استخدام أسلحة أكثر حساسية وتأثيراً، الأمر الذي يؤكد وجود إشكالية عميقة داخل البيئة الأمنية نفسها.

وانتقد بوالرايقة طريقة تعامل حكومة الدبيبة مع التشكيلات المسلحة، مشيراً إلى أن رئيس الحكومة ظهر في فترات سابقة خلال شهر رمضان وهو يستدعي بعض الأطراف إلى مصراتة ويتحدث معها، في وقت كان يفترض فيه وجود رجل دولة يمتلك رؤية استراتيجية واضحة لتفكيك هذه التشكيلات وإنهاء ظاهرة انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه سبق أن قدم تصوراً خلال فترة حكومة علي زيدان يقوم على إنشاء وحدة قتالية مدربة ومجهزة يمكن أن يصل تعدادها إلى نحو 500 عنصر، على غرار ما يعرف بقوات الرد السريع، بحيث تكون مؤهلة وقادرة على فرض الضغط على التشكيلات المسلحة ودفعها إلى تسليم أسلحتها، بدلاً من استمرار وجود عوائق تحول دون استعادة الدولة لاحتكارها للسلاح واستعادة الأمن القومي.

وأكد أن الأزمة لا يمكن تحميل مسؤوليتها فقط إلى الأعيان والحكماء في المنطقة الغربية، لأنهم غير قادرين بمفردهم على مواجهة التشكيلات المسلحة، مشيراً إلى أن الأمر يحتاج إلى تضحيات، لكن السؤال الأهم يتمثل في معرفة الجهات التي تقف خلف هذا المشروع، حتى تتمكن الدولة من استعادة زمام المبادرة.

واستشهد بما جرى في شرق ليبيا خلال شهر رمضان عام 2013، عندما ظهرت تشكيلات مسلحة وسيطرت على مدن من بينها درنة وسرت، قبل أن تتمكن الدولة من الالتفاف على شخصيات محددة ومكافحة تلك التشكيلات، مؤكداً أن استعادة الأمن والاستقرار في تلك المرحلة كانت لها كلفة باهظة.

وفيما يتعلق بتأخر خطة حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، حذر بوالرايقة من أن استمرار التأخير يمنح المجموعات المسلحة نفوذاً سياسياً واقتصادياً أكبر، ويجعل تفكيكها أكثر صعوبة مع مرور الوقت، موضحاً أن كثرة المديريات والمسميات الأمنية في ظل غياب الفاعلية الحقيقية في فرض الأمن المستدام خلقت “تعدد مراكز القوة”.

وأشار إلى أن وجود أكثر من جهة مسلحة داخل نطاق جغرافي ضيق يؤدي إلى تداخل الصلاحيات والاختصاصات، ويجعل كل تشكيل يتصرف وفق قرار ومصالح واحتياجات خاصة به، فضلاً عن التأثيرات التي قد يتعرض لها من شخصيات أو جهات مختلفة، وهو ما يضعف احتكار الدولة للسلاح والقوة.

وأكد أن هذا الضعف يمثل جوهر الأزمة الليبية، وأن ما تشهده البلاد اليوم هو نتيجة طبيعية لتراكمات امتدت لـ15 عاماً، موضحاً أن ليبيا أصبحت تعيش داخل بيئة معقدة من المخاطر، من أبرز مكوناتها اقتصاد الظل الذي تعتمد عليه بعض التنظيمات والتشكيلات المسلحة بشكل مباشر.

وبيّن أن هذا الدعم قد يأتي عبر المجلس الرئاسي من خلال دفع مبالغ مالية، أو عبر حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة من خلال التفاوض وشراء الولاءات، معتبراً أن هذه الممارسات أسهمت في تكريس البيئة التي أنتجت الوضع الأمني الراهن.

وأضاف أن عمليات التهريب والأنشطة غير المشروعة تمثل جزءاً من البيئة التي تغذت عليها التشكيلات المسلحة، موضحاً أن الانفلات الأمني الذي يظهر في صورة إطلاق نار واشتباكات ليس أصل المشكلة، وإنما مجرد عرض من أعراض أزمة أمنية أصبحت حالة مزمنة في ليبيا.

وشدد على أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً، وهو ما يستلزم وجود حكومة ورجل دولة قادر على قيادة الجهاز التنفيذي، سواء عبر الحكومة أو المجلس الرئاسي، وامتلاك رؤية واضحة لتنفيذ برامج جمع السلاح، ونزع السلاح، والتفكيك، والدمج، وإعادة التأهيل.

وأوضح أن هذه البرامج معمول بها في الدول التي شهدت صراعات أو حروباً أهلية، وأن تنفيذها يتطلب إرادة سياسية حقيقية داخل الجهاز التنفيذي، إلى جانب قيادة قادرة على التعامل مع تعقيدات الملف الأمني، مشيراً إلى أن هذه المسؤولية تقع في النهاية على عاتق صانع القرار، الذي يجب أن يمتلك القدرة على فهم تحديات المنطقة.

وفي ختام حديثه، انتقد بوالرايقة انشغال الأطراف الليبية بتعدد الاتفاقيات والمسارات، قائلاً إن العالم بات ينتبه إلى المخاطر المحدقة بمناطق مختلفة، بينما لا يزال النقاش الليبي يدور حول صيغ ومسارات مثل “5+5″ و”6+6″ و”4+4” و”3+3″، في وقت تتجزأ فيه التحديات بين الجنوب والغرب ومناطق أخرى.

وأكد أن معالجة هذه الملفات تحتاج إلى رجل دولة ورؤية وطنية واضحة، إلى جانب وعي شعبي وضغط مجتمعي يضع المصلحة الوطنية العليا فوق الحسابات السياسية والأمنية، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى مزيد من تعدد مراكز القوة، ويجعل استعادة الدولة لاحتكار السلاح وفرض الأمن أكثر صعوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى