الترهوني: إنشاء جيش وطني كان هاجساً مخيفاً للجماعات المتطرفة
قال الباحث السياسي محمد الترهوني إن إنشاء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة وقادرة على فرض الأمن والاستقرار في ليبيا شكّل، خلال السنوات التي أعقبت عام 2011، «هاجساً مخيفاً» بالنسبة إلى الجماعات والتيارات المتطرفة، معتبراً أن وجود جيش حقيقي يحظى بالتفاف شعبي كان يمثل تهديداً مباشراً لمشروعات تلك التنظيمات ونفوذها.
وأوضح الترهوني، في مداخلة على قناة «ليبيا الحدث»، رصدتها «الساعة 24» تناول فيها مسار المؤسسة العسكرية في ليبيا، أن الصراع لم يكن، في تقديره، مجرد خلاف سياسي أو عسكري عابر، وإنما ارتبط بمحاولات لمنع قيام مؤسسة نظامية قادرة على إنهاء نفوذ التشكيلات المسلحة والجماعات المتطرفة، مؤكداً أن الوصول إلى ما وصفه بـ«المؤسسة العسكرية الفاعلة» مرّ بمراحل شديدة التعقيد والتكلفة.
وأشار إلى أن محاولات إبعاد شخصيات عسكرية قادرة على جمع عناصر المؤسسة العسكرية وإعادة تنظيمها لم تبدأ، بحسب قراءته، في عام 2014، وإنما تعود إلى سنوات سابقة، مستشهداً بما قال إنها محاولات لإبعاد المشير خليفة حفتر عن المشهد، إضافة إلى تعرضه لمحاولات اغتيال وصدور قرارات وإجراءات هدفت، وفق روايته، إلى الحد من حضوره العسكري والسياسي.
وأضاف أن تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة والمتطرفة في عدد من المدن الليبية جعل فكرة تأسيس مؤسسة عسكرية موحدة تبدو، في تلك المرحلة، «شبه مستحيلة»، خصوصاً مع ما رافقها من عمليات اغتيال وتصفية وتهجير واستهداف للعسكريين، معتبراً أن الأوضاع الأمنية دفعت قطاعات من المواطنين والقبائل إلى البحث عن شخصية عسكرية قادرة على قيادة مرحلة مواجهة تلك التنظيمات.
وقال الترهوني إن عام 2014 مثّل نقطة تحول مفصلية، مشيراً إلى أن ما وصفه بـ«الحشود» توجهت إلى منزل المشير خليفة حفتر وطالبت بقيادته للمرحلة، في ظل تصاعد العمليات المسلحة والاغتيالات في بنغازي ومناطق أخرى. وأضاف أن الوضع آنذاك لم يكن، بحسب وصفه، مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كان صراعاً على وجود الدولة ومؤسساتها، مشيراً إلى نشاط جماعات مسلحة من بينها تنظيم أنصار الشريعة ومجالس شورى ظهرت لاحقاً في عدد من المدن والمناطق.
ورأى أن استهداف العسكريين لم يكن يقتصر على ساحات القتال، وإنما امتد إلى محيط المعسكرات والثكنات العسكرية، معتبراً أن ارتداء الزي العسكري في بعض المناطق خلال تلك الفترة كان يحمل مخاطر كبيرة على صاحبه. واعتبر الترهوني أن الظروف التي أحاطت بانطلاق العملية العسكرية في بنغازي جعلت المشروع يبدو، في بداياته، «أقرب إلى المستحيل»، نظراً إلى ضعف الإمكانات العسكرية وتشتت الأفراد، مقابل ما وصفه بانتشار واسع للجماعات المسلحة والتيارات الإسلامية السياسية.
وفي حديثه عن المرحلة السابقة لانطلاق العمليات العسكرية، اتهم الترهوني أطرافاً مرتبطة بالمؤتمر الوطني العام بدعم جماعات مسلحة ومتطرفة، وقال إن الأموال التي جرى الحديث عنها آنذاك استُخدمت، بحسب معلوماته، في استقطاب وتعبئة التشكيلات المسلحة في بنغازي.
وتطرق إلى مبلغ قدره 900 مليون، قائلاً إن هذه الأموال، وفق روايته، جرى توزيعها بهدف تنشيط وتقوية تشكيلات مسلحة، بينها «الدروع» وأنصار الشريعة، مشيراً إلى أن بعض الأفراد حصلوا، بحسب قوله، على مبالغ وصلت إلى عشرة آلاف لكل شخص بهدف تعزيز تلك التشكيلات.
وأكد الترهوني أن ما يورده بشأن تلك الأموال يمثل، بحسب تعبيره، معلومات متداولة لدى عدد من أهالي بنغازي، وأن الهدف منها، وفق قراءته، كان مواجهة أي محاولة لإنشاء مؤسسة عسكرية وطنية والحد من التفاف المواطنين حول مشروع عسكري يقوده المشير خليفة حفتر، كما وجه انتقادات إلى نوري بوسهمين، متهماً إياه بالمسؤولية السياسية عن سياسات اتخذت خلال تلك المرحلة، وقال إن نفي المعرفة بتلك الأموال أو آليات توزيعها، في حال صحّ ما يورده، لا ينسجم مع حجم الأحداث التي شهدتها المدينة آنذاك.
وانتقل الترهوني إلى الحديث عن التضحيات التي قال إنها رافقت العمليات العسكرية في بنغازي، مشيراً إلى أن الأسر الليبية تحملت خسائر كبيرة خلال تلك السنوات. وقال إن بعض الأسر كانت تتعامل مع مقتل أبنائها باعتباره جزءاً من معركة أوسع، مستشهداً بما وصفه بمشاهد لأمهات كنّ يستقبلن أبناءهن الذين قضوا في المعارك، ثم يسلمن الزي العسكري لأشقائهم لاستكمال المسار نفسه.
وأضاف أن تلك المرحلة، بحسب وصفه، فرضت على سكان بنغازي الاصطفاف حول مشروع قادر على مواجهة الجماعات المسلحة، معتبراً أن استمرار الوضع آنذاك كان يعني مزيداً من القتل والتهجير والفوضى. وقال الترهوني: «المجد لا يُعطى جزافاً، وإنما يؤخذ بالتضحية وينال بالجدارة»، معتبراً أن ما تحقق في بنغازي وغيرها من المناطق جاء نتيجة تضحيات كبيرة قدمها العسكريون والمدنيون.
وأشار الباحث السياسي إلى أن بنغازي ودرنة وأجدابيا عاشت، خلال سنوات الصراع، ظروفاً أمنية بالغة الصعوبة، متحدثاً عن عمليات قتل واغتيال واستهداف للعسكريين والمدنيين. واعتبر أن التحول الذي شهدته تلك المدن لاحقاً يمثل، في رأيه، دليلاً على أهمية وجود مؤسسة عسكرية وأمنية قادرة على فرض الاستقرار وحماية المواطنين وتأمين الحدود.
وقال إن درنة، التي ارتبط اسمها خلال سنوات الصراع بنشاط الجماعات المتطرفة، استعادت، وفق وصفه، جزءاً كبيراً من نشاطها المدني والسياحي، معتبراً أن عودة النشاط الدبلوماسي والزيارات الأجنبية إلى مدن شرق ليبيا تعكس تحسناً في الوضع الأمني.
وأضاف أن تطور قدرات القوات المسلحة، وفق تقديره، جعلها «قوة فاعلة على الأرض»، وأن هذا التطور بات يفرض نفسه داخلياً وخارجياً، على حد قوله. وقال الترهوني إن الخلاف مع تيارات الإسلام السياسي ليس وليد السنوات الأخيرة، مشيراً إلى نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر في منتصف القرن العشرين، وما تلا ذلك من تطورات في مفهوم الإسلام السياسي.
وأكد أن جوهر الصراع، من وجهة نظره، يتمثل في التناقض بين مشروع الدولة والمؤسسات النظامية من جهة، ومشروعات الجماعات السياسية والمسلحة التي تسعى إلى الاحتفاظ بالنفوذ خارج إطار الدولة من جهة أخرى. وأضاف أن وجود مؤسسة عسكرية وطنية ومنظمة يحد من قدرة الجماعات المسلحة على فرض نفوذها، ويمنح الدولة أدوات أكثر فاعلية في حماية الحدود ومكافحة الإرهاب ومواجهة الفساد والجريمة.
وقال إن «المشروع الحقيقي» الذي يرى أن المؤسسة العسكرية تسعى إلى تحقيقه لا يقتصر على الجانب العسكري، وإنما يشمل، بحسب تقديره، توفير بيئة ملائمة للاستقرار الاقتصادي والإعمار وحماية الحدود وتعزيز مؤسسات الدولة. وتحدث الترهوني عن برامج تدريب وتأهيل عناصر القوات المسلحة، مشيراً إلى وجود أفراد يتلقون تدريبات في عدد من الدول، من بينها الأردن وبيلاروسيا وروسيا وإيطاليا وتركيا.
واعتبر أن هذا المسار يمثل، بحسب رؤيته، جزءاً من مشروع لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس التدريب والتأهيل والتطوير، مؤكداً أن إعادة بناء الجيش لا تقتصر على زيادة أعداد الأفراد أو المعدات، وإنما تتطلب إعداد كوادر عسكرية قادرة على تطوير المؤسسة ومواكبة متطلبات المرحلة.
وقال إن فكرة إعادة بناء المؤسسة العسكرية كانت حاضرة منذ بداية المشروع الذي ارتبط باسم المشير خليفة حفتر، مشيراً إلى أن الهدف المعلن كان، وفق تعبيره، «قتال التنظيمات المسلحة وإعادة بناء المؤسسة العسكرية تدريباً وتأهيلاً».
وختم الترهوني مداخلته بالتأكيد على أن فكرة إنشاء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، التي كانت تبدو في مرحلة سابقة بعيدة المنال، أصبحت، بحسب تقديره، واقعاً ملموساً.
وقال إن الليبيين في مختلف مناطق البلاد كانوا يتطلعون إلى وجود مؤسسة عسكرية قادرة على حماية الدولة والمواطنين والحدود، معتبراً أن ما تحقق في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة يمثل، من وجهة نظره، تحولاً كبيراً مقارنة بالسنوات التي شهدت انتشار الجماعات المسلحة والاغتيالات.
وأضاف أن المؤسسة العسكرية، وفق رؤيته، أصبحت اليوم طرفاً فاعلاً على الأرض، وأن مشروع تطويرها يحظى بدعم داخلي وخارجي، مشدداً على أن بناء جيش نظامي يمثل، في تقديره، أحد الشروط الأساسية لإنهاء حالة الانقسام المسلح وإعادة بناء الدولة.
وأكد الترهوني أن «الهاجس الأكبر» لدى التيارات والجماعات التي استفادت من حالة الفوضى كان يتمثل، بحسب تحليله، في قيام قوة عسكرية نظامية قادرة على الوقوف في مواجهة نفوذها، مشيراً إلى أن بناء مؤسسة عسكرية حقيقية يعني، في نهاية المطاف، حصر السلاح في إطار الدولة وتعزيز سيادتها وقدرتها على حماية الأمن القومي الليبي.









