السنوسي: المرتبات أحد أكبر أوجه الإنفاق العام

قال الصحفي الاقتصادي، إبراهيم السنوسي، إن ملف الوظيفة العامة في ليبيا يعكس حالة من التوسع غير المنظم في التوظيف داخل القطاع العام، محذراً من أن استمرار هذا النهج يفاقم الضغوط على المالية العامة ويؤثر سلباً في سوق العمل والإنتاجية.
وأوضح السنوسي خلال مقابلة بشبكة صفر الإخبارية، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن الاعتقاد السائد لدى قطاع واسع من الليبيين بأن الوظيفة العامة تمثل الضمان الأساسي للحياة الكريمة، ساهم في زيادة الإقبال على العمل الحكومي، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من القوة العاملة المحلية أصبحت مرتبطة بالقطاع العام، في وقت تشهد فيه الإنتاجية تراجعاً ملحوظاً.
وأشار إلى أن أعداد العاملين في القطاع العام، وفق بيانات وتقارير سابقة، تتجاوز مليوني موظف، وقد تصل إلى أكثر من ذلك، مع وجود تفاوت في البيانات الرسمية وملفات تتعلق بالازدواج الوظيفي وتضخم قوائم المرتبات، إضافة إلى بعض حالات التوظيف التي تتم خارج الاحتياجات الفعلية للمؤسسات.
وأضاف أن فاتورة المرتبات تمثل أحد أكبر أوجه الإنفاق العام، متوقعاً أن تتجاوز خلال العام الجاري 73 مليار دينار، وربما تقترب من 75 ملياراً، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الموازنة العامة، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي بصورة أساسية على إيرادات النفط.
ولفت السنوسي إلى أن المشكلة لا تقتصر على حجم الإنفاق، بل تمتد إلى هيكلية سوق العمل، موضحاً أن أصحاب المؤهلات المتوسطة يشكلون شريحة واسعة من العاملين في القطاع العام، بينما يواجه كثير من أصحاب المؤهلات العليا، من مهندسين وأطباء وغيرهم، صعوبة في الحصول على فرص عمل تتناسب مع تخصصاتهم.
وفي قطاع الصحة، قال السنوسي إن ارتفاع أعداد العاملين في المجالات الإدارية والمساعدة مقارنة بالكادر الطبي يمثل تحدياً يستوجب إعادة تنظيم، مشيراً إلى أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل في مراجعة احتياجاتها وإعادة هيكلة ملاكاتها الوظيفية.
كما أشار إلى تضخم أعداد العاملين في قطاعات التعليم والداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأرقام المتداولة في هذه القطاعات لا تزال بحاجة إلى تدقيق ومراجعة شاملة، في ظل وجود إشكالات تتعلق بقوائم المرتبات والبيانات الوظيفية.
وأكد السنوسي أن معالجة أزمة سوق العمل الليبي تتطلب إعادة هيكلة شاملة لأولويات التوظيف الحكومي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق، مع التركيز بصورة أكبر على التعليم والتدريب المهني والتقني والفني، بدلاً من الاستمرار في اعتبار الوظيفة العامة الخيار الرئيسي أمام الباحثين عن العمل.
وفيما يتعلق بارتفاع أعداد العمالة الأجنبية، أوضح السنوسي أن ترك مساحات واسعة من سوق العمل دون مشاركة ليبية فعلية أدى بصورة طبيعية إلى شغلها من قبل العمالة الوافدة، خاصة في قطاعات المخابز، وتوزيع المواد الغذائية، والخضروات، والخدمات والمهن الحرفية.
وقال إن عزوف بعض الشباب الليبي عن هذه المهن يرتبط، من بين أسباب أخرى، بنظرة اجتماعية تعتبر بعض الأعمال أقل مكانة من الوظائف المكتبية والحكومية، إضافة إلى اختلاف توقعات الشباب بشأن مستوى الأجور وظروف العمل.
وأكد أن القطاع الخاص الليبي، رغم التحديات التي واجهها خلال العقود الماضية، أصبح قادراً في بعض الحالات على استيعاب أعداد كبيرة من العمالة، مشيراً إلى وجود مشروعات ومجمعات صناعية توفر آلاف فرص العمل، إلا أن نسبة كبيرة من هذه الوظائف يشغلها عمال أجانب.
وحذر السنوسي من أن استمرار اعتماد الاقتصاد على العمالة الأجنبية يساهم في خروج جزء كبير من العملة الصعبة إلى الخارج، مشيراً إلى تقديرات دولية تتحدث عن تحويلات سنوية للعمالة الأجنبية في ليبيا بمليارات الدولارات، وهو ما يزيد الضغط على سوق النقد الأجنبي في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط.
وشدد الصحفي الاقتصادي على أن معالجة أزمة سوق العمل لا يمكن أن تتم عبر التوظيف الحكومي وحده، وإنما تحتاج إلى تغيير ثقافة العمل، وتشجيع الشباب على اكتساب المهارات المهنية والتقنية، وتطوير القطاع الخاص، وخلق بيئة استثمارية قادرة على توفير وظائف مستدامة.
وختم السنوسي بالقول إن إصلاح سوق العمل الليبي يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والوظيفة العامة، وتحوّل الدولة من جهة توظيف رئيسية إلى جهة تنظيم وتشريع، مع منح القطاع الخاص والتعليم المهني دوراً أكبر في بناء اقتصاد قادر على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.









