اخبار مميزةليبيا

الترهوني: المبادرة الأمريكية للسلام تمثل الفرصة الأخيرة لإنهاء الانقسام

أكد المحلل السياسي محمد الترهوني أن المبادرة الأمريكية للسلام في ليبيا تحظى بقبول دولي واسع، معتبراً أن التحركات التركية والمصرية الأخيرة، إلى جانب الانفتاح على مختلف الأطراف الليبية، قد تهيئ الأرضية أمام مرحلة جديدة من التسوية السياسية، في وقت أصبحت فيه البلاد، أمام منعطف حاسم لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات.

وقال الترهوني، في لقائه مع تلفزيون «المسار»، رصدته «الساعة 24»، إن المبادرة الأمريكية للسلام، تمثل فكرة ومشروعاً، تتمتع بقبول دولي قبل أن تنتقل إلى مرحلة القبول الداخلي، موضحاً أن هناك إجماعاً واسعاً على ضرورة إنهاء حالة الانقسام والتشظي، ووقف سيطرة بعض الأطراف التي تعرقل المضي قدماً في المسارين السياسي والعسكري.

وأضاف أن المعطيات الحالية أظهرت وجود طرف ليبي أثبت قدرته وجدارته وامتلاكه الإمكانات اللازمة للمساهمة في إنهاء حالة التشظي والانقسام، وصولاً إلى توحيد المؤسسات، معتبراً أن توحيد المؤسسة العسكرية يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو توحيد بقية مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن الزيارات الاستراتيجية والمتكررة التي شهدتها المرحلة الأخيرة، سواء إلى القاهرة أو تركيا أو الولايات المتحدة، وما رافقها من علاقات واتصالات استراتيجية، عكست انفتاحاً كبيراً على الأطراف الليبية، كما أعطت الدول الخارجية، وفي مقدمتها تركيا ومصر، صورة أوضح عن طبيعة موازين القوى والقدرات الموجودة على الأرض.

ورأى الترهوني أن وجود طرف قادر وفاعل على الأرض كان أحد العناصر التي افتقدتها الحالة الليبية خلال السنوات الماضية، معتبراً أن هذا الأمر ربما كان من أبرز العوامل التي أعاقت الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ.

وحول ما إذا كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد تمكن، خلال زيارته إلى القاهرة، من الحصول على ضمانات لتمرير المبادرة الأمريكية من مختلف القوى الموجودة على الأرض، أو انتزاع تنازلات من بعض الأطراف، خصوصاً في المنطقة الغربية، قال الترهوني إن المشهد في غرب ليبيا يحتاج إلى قراءة دقيقة.

وأوضح أن بعض الأصوات التي ظهرت أخيراً في المنطقة الغربية، بما في ذلك ما صدر عن اجتماع مدينة مصراتة، لا تمثل جميع سكان المدينة ولا تمتلك تفويضاً من الليبيين أو من المنطقة الغربية، واصفاً تلك الأصوات بأنها تمثل تياراً منفصلاً عن عموم المشهد. وأضاف أن هناك أطرافاً مستفيدة من استمرار الفوضى والانقسام، وتنتمي إلى تيارات متطرفة، مشيراً إلى ارتباط بعض هذه الأطراف بما كان يعرف سابقاً بمجالس الشورى في بنغازي ودرنة، إلى جانب أطراف محسوبة على تيارات دينية متشددة.

وشدد على أن المجتمع الدولي بات أمام مفترق طرق خطير، مؤكداً أن المرحلة الحالية قد تمثل فرصة أخيرة لمعالجة الأجسام والتكوينات التي يرى أنها عطلت المسار السياسي خلال السنوات الأربع عشرة الماضية. وقال إن الخيار المطروح يتمثل في إزالة العوائق التي حالت دون توحيد البلاد والمضي في التسوية، أو العودة مجدداً إلى نقطة الصفر، معتبراً أن التحركات الحالية تشكل «الفرصة الأخيرة» أمام الأطراف المعنية.

وفي حديثه عن إمكانية البناء على الجهود السابقة، أشار الترهوني إلى أن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية مسارات متعددة هدفت إلى تقريب وجهات النظر وتحقيق الاستقرار، من بينها اتفاقات ذات أبعاد اقتصادية وتنموية، إلى جانب لقاءات ومناسبات ساهمت في التقارب بين الشرق والغرب.

ولفت إلى أن المشهد ينتقل حالياً إلى مسار سياسي تقوده المبادرة الأمريكية، متسائلاً في الوقت ذاته عن العناصر التي لا تزال المبادرة بحاجة إليها حتى تصبح قابلة للنفاذ على الأرض والتنفيذ بصورة واضحة وفي أقرب وقت ممكن. وأوضح أن الأنظار تتجه كذلك إلى ما ستسفر عنه الجهود الأممية، وما تقوده البعثة الأممية من مساعٍ موازية، متسائلاً عما تنتظره واشنطن للانتقال من البيانات والتصريحات الصحفية إلى خطوات عملية لتنفيذ الخطة.

وشدد الترهوني على أن الاستقرار الذي تشهده مصر لم يأتِ من فراغ، وإنما كان نتيجة عمل طويل وجهد متراكم، معتبراً أن التجربة الليبية، وخصوصاً في شرق البلاد وجنوبها، مرت أيضاً بمراحل صعبة للغاية قبل الوصول إلى مستوى الاستقرار الحالي. وأوضح أن ما تحقق منذ عام 2014 جاء بعد مواجهات قاسية مع جماعات متطرفة وتنظيمات إرهابية، مشيراً إلى أن بعض العمليات الإرهابية التي استهدفت مناطق في رفح وسيناء كانت ترتبط بغرف عمليات لتنظيم داعش في درنة.

وأضاف أن الاستقرار الذي تشهده المناطق الممتدة من سرت وصولاً إلى أمساعد، وكذلك مناطق الجنوب، جاء نتيجة جهود كبيرة ومواجهات مع التنظيمات المتطرفة، إلى جانب العمل على بناء مؤسسة عسكرية اعتبرها ركناً أساسياً في تحقيق الأمن.

وفي المقابل، أشار إلى أن النشاط التركي في المنطقة الغربية شهد خلال الفترة الأخيرة تطوراً لافتاً مقارنة بما كان عليه سابقاً، معتبراً أن هذا التحرك جاء بعد انفتاح أنقرة على القيادة العامة للقوات المسلحة في المنطقة الشرقية.

وقال إن التواصل التركي مع القيادة العامة، والمشير خليفة حفتر ونائب القائد العام الفريق صدام حفتر، يعكس وجود قناعة تركية بأن هناك فرقاً بين الأطراف التي يمكنها المساهمة في تثبيت الاستقرار وقيادة المرحلة المقبلة، وبين التشكيلات المسلحة وحالة الانفلات الأمني.

وأشار الترهوني إلى أن التحولات السياسية والأمنية تنعكس أيضاً على المصالح الاقتصادية، مستشهداً بوجود الشركات المصرية ونشاط العمالة المصرية في مناطق الاستقرار، وبالتوازي مع عودة النشاط والتواصل بين الشركات التركية والأطراف الليبية. واعتبر أن هذه المصالح يجب ألا تكون منفصلة عن الحسابات السياسية والأمنية للدول المعنية، بل ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند صياغة أي تسوية مقبلة.

وقال إن ما تقوم به الإدارتان المصرية والتركية من متابعة وتواصل وانفتاح على الملف الليبي يوضح حجم إدراكهما لتفاصيل الأزمة، مشيراً إلى أن المصالح المشتركة والرؤية المستقبلية بين مصر، باعتبارها دولة شقيقة وجارة ذات موقع استراتيجي، وتركيا التي أصبحت شريكاً رئيسياً في الحوار حول ليبيا، يمكن أن تشكل دافعاً للمضي قدماً في التسوية.

وأكد الترهوني أن المبادرة الأمريكية للسلام لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن الدعوات المتكررة إلى توحيد ليبيا ومؤسساتها، مشيراً إلى أن خطابات نائب القائد العام الفريق أول صدام حفتر، تركز على ضرورة قيام دولة موحدة ووجود خطاب أمني يشمل جميع الأراضي الليبية. ورأى أن هناك قناعة متزايدة، داخلياً وخارجياً، بأن أحد الأطراف الليبية يمتلك القدرة على قيادة مرحلة الاستقرار وتوفير الأرضية الأمنية اللازمة للمضي في توحيد المؤسسات وإعادة إعمار البلاد وإنهاء حالة التشظي.

وفي المقابل، أقر بوجود أطراف في المنطقة الغربية لا تزال تحاول الحفاظ على أدوارها ومواقعها السياسية، وتعرقل الوصول إلى تسوية شاملة، إلا أنه اعتبر أن التحولات الإقليمية والدولية الحالية تفرض واقعاً جديداً ينبغي التعامل معه.

وحول ما إذا كانت الرسالة الأهم التي حملها هاكان فيدان إلى القاهرة تتمثل في استعداد تركيا للتعامل مع أي صيغة سياسية تحظى بتوافق ليبي وإقليمي، بما في ذلك صيغ تعيد ترتيب العلاقة بين الشرق والغرب، قال الترهوني إن الأمر يتجاوز مجرد رسالة سياسية، وأصبح أقرب إلى قناعة فرضتها المعطيات الجديدة.

وأوضح أن الصورة باتت أكثر وضوحاً أمام الأطراف الخارجية، سواء تركيا أو مصر، وأن المرونة التي ظهرت في العلاقات بين القيادة العامة وتركيا خلال الفترة الأخيرة تؤكد وجود تحول مهم في المواقف. وأشار إلى أن القيادة العامة أبدت مرونة في التعامل مع تركيا وفتحت ملفات متعددة معها، ما أدى إلى تطور العلاقات بين الطرفين، بالتوازي مع العلاقات الاستراتيجية التي تجمع ليبيا ومصر.

وأضاف أن الوصول إلى الانتخابات والاستقرار يتطلب رسالة واضحة من جميع الأطراف، سواء كانت صادرة عن وزراء الخارجية أو الداخلية أو غيرهم من المسؤولين، مفادها أن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل استمرار الأطراف التي أفشلت التوافقات السياسية السابقة وأعاقت الوصول إلى الانتخابات.

وفيما يتعلق بالضغوط الدولية على تركيا، في ظل انتقال النظام الدولي من هيمنة القطب الواحد إلى تعدد الأقطاب، وما إذا كانت أنقرة والقاهرة تركزان على تحقيق التوافق بدلاً من استبعاد طرف والإبقاء على آخر، أوضح الترهوني أن العلاقات الاستراتيجية للقيادة العامة تمتد إلى الولايات المتحدة وتركيا ومصر وإيطاليا وغيرها.

وأكد أن هناك فرقاً بين الحليف والشريك، مشيراً إلى أن تركيا لعبت دوراً كبيراً في المنطقة الغربية خلال السنوات الماضية، ووصلت إلى مستويات من الشراكة السياسية والأمنية، إلا أن الانفتاح التركي على القيادة العامة يمثل، في رأيه، تحولاً مهماً في طبيعة العلاقات. وقال إن هناك اليوم تواصلاً وانفتاحاً تركياً كبيراً تجاه القيادة العامة، باعتبارها الطرف الذي أثبت قدرته وفاعليته على الأرض.

وأشار إلى أن القيادة العامة قدمت، في المقابل، تنازلات عديدة من أجل لم شتات ليبيا وتوحيد المؤسسات، معتبراً أن هذه الخطوات تمثل واجباً وطنياً وتاريخياً على الأطراف الليبية، كما تمثل مسؤولية على الحلفاء والدول التي تؤدي دوراً في تنفيذ المبادرة الأمريكية. وجدد الترهوني التأكيد على أن المبادرة الأمريكية للسلام تمثل فرصة أخيرة في ظل استمرار حالة الانقسام، محذراً من أن بعض الأطراف المستفيدة من الفوضى لا تزال ترفع شعارات تعرقل التوافق، وتتمسك بمنطق فرض الإرادة السياسية.

وشدد على أن المرحلة الحالية تضع مسؤولية كبيرة على عاتق الأطراف الداخلية، وكذلك الدول الخارجية المنخرطة في الملف الليبي، داعياً إلى التعامل مع المبادرة باعتبارها فرصة لإنهاء الأزمة وليس مجرد مسار سياسي جديد يضاف إلى المبادرات السابقة. وفي رده حول إمكانية استفادة ليبيا من التنافس الدولي والإقليمي على أراضيها، بدلاً من تحولها إلى ساحة لهذا التنافس، قال الترهوني إن المسؤولية تقع اليوم على الأطراف الفاعلة والدول صاحبة القرار والدول الأكثر دراية بتفاصيل الملف الليبي.

وأوضح أن المطلوب ليس فرض سياسة الأمر الواقع، وإنما دعم الخيار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والنجاح على الأرض، معتبراً أن المبادرة الأمريكية باتت الأكثر حضوراً في المشهد الحالي، وأنها يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في دفع العملية السياسية. وأكد أن مسؤولية إنجاح هذا المسار لا تقع على طرف واحد، وإنما تشمل الدول التي تربطها بليبيا علاقات أمنية واقتصادية وسياسية، وكذلك الدول المنخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الأزمة.

وأوضح أن محاولة تصوير موقف القيادة العامة باعتباره محاولة لإنقاذ طرف أو السيطرة على طرف آخر لا تعكس حقيقة الطرح الذي يكرره القائد العام المشير خليفة حفتر، والمتمثل في أن «الطاولة الليبية يجب أن تحتوي الجميع». وأضاف أن القيادة العامة لا تنظر إلى الطرف الآخر باعتباره عدواً، وإنما باعتباره طرفاً انتهج مساراً خاطئاً ويجب إعادته إلى المسار الصحيح.

وفيما يتعلق بأحداث عام 2019، قال إن تلك الأحداث جاءت في سياق محاولة لتدارك ما تشهده ليبيا اليوم من تناحر بين المجموعات المسلحة، واستهداف لمنشآت وموارد الدولة، بما فيها قطاع النفط والكهرباء. وأكد أن الحل لا يكمن في وضع الطرف الآخر أمام خيار الإقصاء أو القتال، بل في دفعه إلى الجلوس إلى طاولة الحوار، مشدداً على أن الطاولة الليبية ينبغي أن تضم الجميع باستثناء أصحاب الأفكار المتطرفة.

وتطرق الترهوني إلى العلاقات الأمريكية بالملف الليبي، مستشهداً بتجربتين مختلفتين، الأولى تعود إلى عام 2012 عندما قتل السفير الأمريكي في بنغازي في ظل حالة الفوضى وغياب الدولة وسيطرة الجماعات المسلحة، والثانية تتعلق بالعملية التي نفذتها قوة تابعة للقيادة العامة لتحرير رهينة أمريكي كان محتجزاً لدى تنظيم داعش في مالي بمنطقة الساحل.

وأشار إلى أن العملية الأخيرة تمت تحت إشراف ومتابعة نائب القائد العام الفريق أول صدام حفتر، معتبراً أنها تعكس مستوى من الاستقرار والتنسيق الأمني الذي لم يكن متاحاً في مراحل سابقة. وقال إن المقارنة بين المرحلتين توضح حجم التحول الذي طرأ على المشهد الأمني الليبي، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية الليبية مؤسسة نظامية تحظى بتعاون مع عدد من الدول، وفي مقدمتها مصر.

وفي ختام حديثه، عاد الترهوني إلى مسألة التنافس الدولي والإقليمي على ليبيا، مؤكداً أن هذا التنافس يمكن أن يتحول من مصدر انقسام إلى عامل ضغط باتجاه توحيد الدولة إذا أحسنت الأطراف الليبية والدول المنخرطة في الملف التعامل معه. وشدد على أن مسؤولية المرحلة المقبلة تقع على الدول صاحبة القرار، والدول الأكثر معرفة بالملف الليبي، وكذلك الدول التي تمتلك علاقات وشراكات أمنية واقتصادية وسياسية مع ليبيا.

وقال إن استمرار البلاد في نهج المبادرات المتتالية، بدءاً من مسار الصخيرات وما تبعه من مبادرات، لم يؤدِ إلى إنهاء الأزمة، ولذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب التعامل مع المبادرة الأمريكية باعتبارها فرصة حاسمة.

وختم الترهوني بالتأكيد على أن ليبيا تقف أمام «منعطف خطير جداً»، وأن المسؤولية تقع أولاً على الدول الشريكة والحليفة والدول صاحبة القرار والدراية بالملف الليبي، إلى جانب الأطراف الداخلية، من أجل تحويل التنافس الدولي والإقليمي إلى قوة دفع نحو الاستقرار، وتوحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، والوصول إلى دولة ليبية أكثر استقراراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى