محمود: التفاهم بين مصر وتركيا قد يتيح تحركاً مشتركاً في أفريقيا

قال الباحث في مركز العرب للدراسات، حامد محمود، إن العلاقات المصرية التركية تشهد تطوراً كبيراً خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً على صعيد القواسم المشتركة بين البلدين، في ظل مجموعة من المناطق والملفات التي يتحرك فيها الطرفان، ولا سيما القضايا الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية.
وأوضح محمود في تصريحات على قناة “NATV”، رصدتها “الساعة 24″، أن تطور العلاقات بين القاهرة وأنقرة يرتبط بتقاطع المصالح بين الطرفين في أكثر من ملف، مشيراً إلى أن التكامل الاستراتيجي يمكن أن يتحقق عندما تتطابق المصالح بين دولتين في ملفات متعددة أو تتشابك بصورة لا ينظر معها أي طرف إلى الآخر باعتباره تهديداً له.
وأشار إلى أن من أبرز الملفات والمناطق الاستراتيجية التي يتحرك فيها البلدان الوضع في الخليج العربي، إلى جانب الملفات المرتبطة بإيران، وما يمثله الخليج من محور استراتيجي على الصعيدين الأمني والسياسي، لافتاً إلى أن تطور العلاقات المصرية التركية يأتي في ظل تحولات إقليمية متسارعة، وتطور كبير في الموقف التركي تجاه عدد من القضايا والملفات الإقليمية، بالتزامن مع تبدلات وتغيرات في الموقف التركي تجاه الحكومة المعنية ورؤية أنقرة للدور الذي يمكن أن تؤديه في هذه الملفات وتأثيرها فيها.
وأكد أن مسار التقارب بين مصر وتركيا شهد خلال الفترة الأخيرة تطوراً ملحوظاً، مدفوعاً بتغيرات البيئة الإقليمية وتشابك المصالح بين البلدين، بما يفتح المجال أمام مزيد من التعاون في عدد من الملفات ذات الطابع الاستراتيجي.
وقال محمود إن الملف السوداني يمثل إحدى أبرز القضايا التي تعكس وجود مواقف مشتركة بين مصر وتركيا، مشيراً إلى أن أهمية السودان بالنسبة إلى القاهرة تتزايد باعتباره مرتبطاً بأمن مصر القومي وبأمن منابع ومجرى نهر النيل، فضلاً عن كونه يمثل العمق الجنوبي لمصر.
وأوضح أن العلاقات المصرية التركية شهدت خلال الفترة الأخيرة انتقالاً من نقاط التباين إلى مساحات أوسع من التعاون، معتبراً أن الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023 شكلت نقطة فاصلة في تطور العلاقات بين القاهرة وأنقرة وتحولها نحو التعاون.
وأشار محمود إلى أن الحرب على غزة عززت شعور القيادتين المصرية والتركية بأن إسرائيل تهدد الأمن الإقليمي والمصالح المشتركة للبلدين، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط وإنما في شرق المتوسط أيضاً، لافتاً إلى أن التطورات اللاحقة، بما فيها الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في صيف العام الماضي، عززت هذا الشعور لدى القاهرة وأنقرة بوجود رؤية أمريكية إسرائيلية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما قد يهدد المصالح المشتركة للدولتين.
وأضاف أن مصر وتركيا تعدان من القوى الرئيسية في الشرق الأوسط، إلى جانب السعودية وإيران وباكستان، مشيراً إلى أن هذه الدول الخمس تمثل قوى رئيسية في الشرق الأوسط الكبير، ولذلك لم يكن مستغرباً، بحسب تقديره، وجود مصر وتركيا وباكستان والسعودية في المشهد الإقليمي المتعلق بالتطورات الأمريكية تجاه إيران.
وفيما يتعلق بالملف السوداني، رأى محمود أن هناك إمكانية لتعاون مصري تركي، مشيراً إلى الزيارة التي قام بها مسؤول مصري إلى تركيا قبل أيام، والتي شملت زيارة المصانع العسكرية والمدن الصناعية العسكرية التركية والاطلاع على مراحل تطور الصناعات الدفاعية التركية.
وأوضح أن تركيا أصبحت واحدة من الدول الرائدة عالمياً في مجال الصناعات العسكرية، مستفيدة بدرجة كبيرة من التكنولوجيا العسكرية الأوروبية والأمريكية، معتبراً أن هذا التطور يفتح المجال أمام تعزيز التعاون العسكري والدفاعي بين القاهرة وأنقرة.
وأكد أهمية التعاون المصري التركي السعودي فيما يتعلق بالملف السوداني، موضحاً أن عدم استقرار السودان لا يهدد مصر وحدها، وإنما يمثل تهديداً أيضاً للسعودية ولأمن الملاحة في البحر الأحمر، في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة.
وأشار محمود إلى أن هذا الواقع يفسر، بحسب تقديره، إمكانية التعاون بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان بشأن السودان، معتبراً أن ثمار هذا التعاون بدأت تظهر في التطورات الميدانية، ولا سيما الانتصارات والتقدم الذي حققه الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، واستعادته عدداً من المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع، إلى جانب عودته إلى الخرطوم ومقر الحكم في السودان.
وأكد أن هذه التطورات تحمل دلالات سياسية وعسكرية، خصوصاً في ظل وجود دعم مصري لسيادة الدولة السودانية على أراضيها، إلى جانب دعم سعودي قوي لهذا التوجه، معتبراً أن ما تشهده المنطقة يعكس تشكلاً جديداً في مسارات التعاون والتنسيق بين القوى الإقليمية.
وفي السياق ذاته، قال محمود إن تشابك وتعدد نقاط التماس في العلاقات بين مصر وتركيا يشمل ملفات ليبيا والسودان والقضية الفلسطينية، وتحديداً قطاع غزة، إلى جانب سوريا ومنطقة إفريقيا، معتبراً أن هذا التشابك يفرض على البلدين مزيداً من الحوار والتفاهم الاستراتيجي.
وأوضح أن مصر وتركيا دولتان كبيرتان في الشرق الأوسط، ولذلك فإن التوصل إلى تفاهمات بينهما يمثل أمراً إيجابياً، مشيراً إلى أن ما تشهده العلاقات حالياً من اتصالات مستمرة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية يؤكد إمكانية الانتقال إلى مستوى أفضل من التعاون.
وأشار إلى أن التفاهم المصري التركي يمكن أن يؤدي إلى تعاون أوسع يسهم في تعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، ويفتح المجال أمام تنسيق أكبر بين الدول الفاعلة، وفي مقدمتها مصر والسعودية وتركيا.
ورأى محمود أن الاختلاف الأيديولوجي بين تركيا وإسرائيل كبير، بينما يبقى حجم الاختلاف بين مصر وتركيا محدوداً وفي نقاط معينة، معتبراً أنه من الطبيعي وجود خلافات بين دولتين كبيرتين لكل منهما أجندة ومصالح خاصة، لكن يمكن للطرفين البناء على نقاط الاتفاق للوصول إلى تفاهم لا يرتقي إلى درجة الترابط الكامل، وإنما إلى مستوى من التناغم والتعاون المشترك.
وفيما يتعلق بإفريقيا، أكد محمود أن القارة تمثل مجالاً طبيعياً للنفوذ المصري، كما أصبحت في الوقت نفسه مجالاً مهماً للتمدد التركي، مشيراً إلى أن أنقرة طورت علاقاتها مع الدول الإفريقية على المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
وأوضح أن تركيا لم تكن تمتلك في أواخر تسعينيات القرن الماضي سوى نحو ست سفارات في الدول الإفريقية، بينما ارتفع العدد حالياً إلى نحو 44 أو 45 سفارة، إلى جانب تنامي التعاون العسكري بين تركيا ودول القارة، وتحولها إلى إحدى الدول الرئيسية المصدرة للسلاح إلى دول منطقة الساحل الإفريقي.
وأكد محمود أن خلق تفاهم وحوار بين القاهرة وأنقرة يمكن أن يتيح تحركاً مشتركاً في القارة الإفريقية والاستفادة من الفراغ الناجم عن انسحاب فرنسا من عدد من المناطق في إفريقيا ومنطقة الساحل، مشيراً إلى أن دول القارة تحتاج إلى دعم أمني واقتصادي وسياسي، خصوصاً في المجالين الأمني والعسكري.
وأضاف أن دولة واحدة لا تستطيع بمفردها معالجة الاحتياجات الأمنية والعسكرية في القارة، معتبراً أن تعزيز التعاون المصري التركي يمكن أن يساعد في دعم الدول الإفريقية وخلق مساحات جديدة للتحرك أمام البلدين، بما يخدم مصالحهما المشتركة.
وشدد محمود على أن مصر وتركيا تسعيان إلى إزالة العقبات وخلق مساحة أكبر من التقارب بينهما، في ظل وجود مصالح مشتركة، معتبراً أن الهواجس والتحفظات القائمة بين الطرفين يمكن تجاوزها من خلال بناء مزيد من الشراكة والتعاون.









