اخبار مميزةليبيا

زيدان: 17 فبراير انتفاضة أسقطت النظام ولم تحقق تغييراً جذرياً في ليبيا

قال الأكاديمي والباحث السياسي فرج زيدان إن أحداث 17 فبراير 2011 نجحت في إسقاط نظام معمر القذافي، لكنها لم تُفضِ حتى الآن إلى تغيير جذري في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، معتبراً أن توصيف ما جرى بـ«الانتفاضة» أكثر دقة من وصفه بـ«الثورة» إذا أُخذ مفهوم الثورة بمعناه السياسي والمؤسسي.

وأوضح زيدان في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” رصدتها “الساعة 24″، أن الثورة، وفق التعريف السياسي، لا تقتصر على إسقاط نظام حاكم، وإنما ترتبط بإحداث تحول جذري يؤدي إلى قيام مشروع سياسي جديد يحل محل المشروع السابق، مشيراً إلى أن هذا التحول لم يكتمل في ليبيا منذ 2011.

وأضاف أن فبراير شهدت حراكاً شعبياً واسعاً شاركت فيه شرائح مختلفة من المجتمع، رافضة أوضاعاً سياسية واقتصادية واجتماعية قائمة آنذاك، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهة انتهت بسقوط النظام، مؤكداً في الوقت نفسه أن الاعتراف بالعامل الشعبي لا يتعارض مع الإقرار بتدخل قوى إقليمية ودولية واستغلالها للحراك لتحقيق مصالحها.

وانتقد زيدان اختزال أحداث فبراير في العامل الخارجي، كما رفض في المقابل تجاهل التدخلات الأجنبية، قائلاً إن القراءة الموضوعية للمشهد تقتضي الاعتراف بوجود إرادة داخلية للتغيير، إلى جانب وجود أطراف خارجية استثمرت الأحداث ودفعت بها في اتجاهات تخدم مصالحها.

وفي تقييمه للنظام السابق، قال زيدان إن ليبيا لم تكن دولة ديمقراطية بالمعايير الدستورية والسياسية المعروفة، ولم تقم على التداول السلمي للسلطة أو الفصل بين السلطات أو وجود دستور دائم متوافق عليه شعبياً.

وأشار إلى أن منظومة المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية و«سلطة الشعب» كانت أفكاراً طرحها معمر القذافي وحُولت لاحقاً إلى نظام سياسي قائم، من دون أن تكون نتاج استفتاء شعبي بالمعنى الدستوري المتعارف عليه.

وأكد أن هذه التجربة يجب تقييمها بعيداً عن التقديس أو الرفض المطلق، مشيراً إلى أن نظام سبتمبر كانت له أخطاؤه وإخفاقاته، خصوصاً في مجال بناء المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية.

وانتقد زيدان كذلك تحويل أجزاء من المؤسسة العسكرية والأمنية إلى تشكيلات مرتبطة بحماية النظام، معتبراً أن ذلك أضعف مفهوم الجيش الوطني المؤسسي وأوجد تشكيلات ارتبط ولاؤها بالنظام وقياداته أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة.

وقال زيدان إن أحد أسباب تعثر مرحلة ما بعد 2011 يتمثل في غياب قيادة موحدة ومشروع سياسي واضح للحراك، موضحاً أن مجموعات مختلفة دخلت المشهد بعد سقوط النظام، بعضها كان يسعى إلى إقامة دولة جديدة، فيما حاولت مجموعات أخرى استخدام القوة والنفوذ للسيطرة على مؤسسات الدولة وإقصاء خصومها.

وأضاف أن الصراع بين القوى التي شاركت في فبراير تحول لاحقاً إلى صراع على السلطة والنفوذ، وهو ما أدى إلى انقسام الفصائل المسلحة والسياسية وظهور خطاب «الثورة المضادة» داخل المعسكر نفسه.

وانتقد زيدان تحول بعض التشكيلات التي حملت اسم «الثوار» إلى جماعات مسلحة تدين بالولاء لقادتها، مشيراً إلى أن عدداً من الشباب الذين شاركوا في الأحداث سلموا أسلحتهم وعادوا إلى حياتهم وأعمالهم، بينما استمرت تشكيلات أخرى في العمل خارج إطار مؤسسات الدولة.

وفي حديثه عن التيارات الإسلامية، قال زيدان إن جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة وغيرها من القوى السياسية والعسكرية استغلت حالة الفراغ التي أعقبت سقوط النظام لتوسيع نفوذها، لكنه شدد على أن هذه الجماعات لم تكن وحدها التي أسقطت النظام.

 

وأوضح أن فبراير كانت حراكاً شعبياً متعدد الأطراف، شاركت فيه قوى اجتماعية وسياسية وعسكرية مختلفة، قبل أن تتنافس هذه القوى لاحقاً على شكل الدولة ومؤسساتها وموقع كل طرف داخل النظام الجديد.

وأشار إلى أن خروج عدد من عناصر التيارات الإسلامية من السجون عقب انهيار النظام أتاح لهم الانخراط في المشهد السياسي والعسكري الجديد، وهو ما أسهم، وفق تقديره، في إعادة تشكيل موازين القوى خلال المرحلة الانتقالية.

وتناول زيدان كذلك تجربة سيف الإسلام القذافي ومشروع «ليبيا الغد»، معتبراً أن العلاقات التي نشأت في تلك المرحلة بين شخصيات من النظام السابق وبعض القوى المعارضة، بما فيها قوى إسلامية، تكشف عن وجود تحالفات وتفاهمات سياسية تجاوزت أحياناً الحدود الأيديولوجية التقليدية.

وقال إن سيف الإسلام لم يكن بالضرورة ملتزماً بصورة جامدة بمشروع النظام السابق، وإنما تعامل مع عدد من الملفات بمنطق سياسي براغماتي، بما في ذلك محاولات التواصل مع أطراف كانت معارضة للنظام.

ودعا زيدان إلى تجاوز الاستقطاب القائم على ثنائية «سبتمبر وفبراير»، معتبراً أن ليبيا لا يمكن أن تبقى أسيرة تاريخين أو شخصيتين أو معسكرين سياسيين.

وقال إن هناك ليبيين وطنيين ومخلصين ممن ارتبطوا بالنظام السابق، كما توجد شخصيات وطنية شاركت في فبراير، داعياً إلى جمع هذه الطاقات ضمن مشروع سياسي جديد لا يقوم على الإقصاء.

وأضاف أن المطلوب هو الاستفادة من شعارات فبراير المتعلقة بالديمقراطية والحرية والتداول السلمي على السلطة وبناء دولة المؤسسات، مع رفض الفوضى والسلاح خارج مؤسسات الدولة والجماعات الإرهابية والاستقطاب الأيديولوجي.

وفي المقابل، دعا إلى الاستفادة من الكفاءات والموارد البشرية التي عملت خلال فترة النظام السابق، مؤكداً أن عدداً كبيراً من العاملين في قطاعات الدولة كانوا يمتلكون خبرات يمكن توظيفها في إعادة بناء المؤسسات.

وأكد زيدان أن أي مشروع وطني جديد يجب أن يقوم على سيادة الدولة ورفض الوجود العسكري الأجنبي والجماعات الإرهابية والتشكيلات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، مشدداً على ضرورة بناء مؤسسة عسكرية موحدة قادرة على حماية البلاد.

ورأى أن استمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز القوة المسلحة يمثلان عقبة رئيسية أمام بناء دولة مستقرة، داعياً إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن إطار الدولة.

وفي الجزء المتعلق بالتطورات الدولية، قال زيدان إن الملف الليبي لم يعد شأناً داخلياً خالصاً، بعدما ارتبط بملفات الأمن الإقليمي والدولي والهجرة غير النظامية وأمن الطاقة والتطورات في منطقة الساحل الأفريقي.

وأشار إلى أن تصاعد المخاوف الدولية بشأن أمن الطاقة واستقرار إنتاج النفط، إلى جانب التطورات الأمنية واستخدام الطائرات المسيّرة، دفع عدداً من القوى الدولية إلى إعادة تقييم مواقفها تجاه الأزمة الليبية.

وأضاف أن تغير مواقف بعض الدول الإقليمية والدولية تجاه الأطراف الليبية يعكس، في جانب منه، تغيراً في حسابات المصالح، معتبراً أن دعم بعض القوى الخارجية للأطراف الليبية لم يكن قائماً دائماً على اعتبارات الديمقراطية، وإنما ارتبط أيضاً بالمصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.

وختم زيدان بالدعوة إلى صياغة مشروع وطني جديد يتجاوز إرث سبتمبر وانقسامات فبراير، ويجمع بين الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة وبناء مؤسسات الدولة والاستفادة من الكفاءات الوطنية، مؤكداً أن ليبيا «وطن للجميع» وأن استمرار الصراع على أساس الانتماء إلى أحد المعسكرين لن يقود إلى بناء الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى