اخبار مميزةليبيا

بي: ضخ المزيد من الدولار لا يؤدي دائمًا إلى خفض سعره في السوق الموازي

يرى رجل الأعمال حسني بي، أن معالجة أزمة النقد الأجنبي تتطلب النظر إلى طبيعة السعر الذي يبيع به المصرف المركزي الدولار لتغطية 93% من الإنفاق العام ومصدره مبيعات النفط، والجهات المستفيدة منه، والقيود المفروضة على الحصول عليه، إلى جانب حجم الطلب الاقتصادي الحقيقي والطلب الإضافي الذي تولده الفجوة السعرية نفسها.

قال حسني بي، في تصريحات لـ«عين ليبيا»، إن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على حجم الدولارات التي باعها مصرف ليبيا المركزي، بل يجب أن يشمل السعر الذي باع به هذه الدولارات لتمويل الإنفاق العام، والجهات التي حصلت عليها، والقيود المفروضة على الوصول إليها، وما إذا كان السعر الرسمي يحقق فعلًا التوازن بين العرض والطلب.

وأوضح أن السعر الرسمي الحالي، في حدود 6.35 دينار للدولار، يمثل عمليًّا سعرًا إداريًّا مشروطًا، إذ لا يستطيع المواطن شراء الكمية التي يريدها بهذا السعر، بينما تُحدد الأغراض الشخصية بسقف يبلغ 2,000 دولار، في حين تخضع الشركات لضوابط وإجراءات للحصول على النقد الأجنبي.

وأضاف أن وصول سعر الدولار في السوق الموازية إلى مستويات أعلى بنحو 40% أو أكثر يجعل الحصول على الدولار بالسعر الرسمي فرصة ربح بحد ذاته، وهو ما يؤدي إلى نشوء جزء إضافي من الطلب لم يكن ليظهر لو كانت الفجوة بين السعرين ضيقة.

وأشار بي إلى صعوبة الجزم برقم واحد لحجم احتياجات السوق الليبي من النقد الأجنبي، في ظل ضعف تجميع البيانات، لكنه يرى إمكانية بناء تقدير إرشادي لحجم الطلب.

وباستثناء المحروقات، قد تكون احتياجات ليبيا من السلع الاستهلاكية والمعمرة والمعدات ومدخلات النشاط الاقتصادي في نطاق يقترب من 1.2 مليار دولار شهريًّا، أي ما يعادل نحو 14 إلى 15 مليار دولار سنويًّا.

وبيّن أن ذلك يعادل تقريبًا ما بين 1,500 و2,000 دولار سنويًّا للفرد، باعتباره تقديرًا واسعًا لاحتياجات سوق تستورد نسبة كبيرة من استهلاكها.

ويُضاف إلى ذلك طلب آخر قد يكون في حدود 400 مليون دولار شهريًّا، لتغطية حاجات المواطنين من السفر والعلاج والدراسة، فضلًا عن التحويلات المشروعة للعمالة الأجنبية المقيمة في ليبيا وغيرها من المدفوعات.

وبناءً على ذلك، يمكن التعامل مع رقم يقترب من 1.6 مليار دولار شهريًّا، خارج المحروقات، باعتباره تصورًا أوليًّا لحجم الطلب الاقتصادي الطبيعي، وليس رقمًا نهائيًّا أو ثابتًا.

ويرى بي، أن المشكلة الأساسية تظهر عند التمييز بين الطلب الاقتصادي الطبيعي والطلب الإضافي الذي تخلقه الفجوة السعرية، ومنها الدخول في الحلقة المفرغة: «نمو وتوسع الفجوة».

وأوضح أنه عندما يوجد الدولار بسعر 6.35 دينار، بينما يتجاوز سعره في السوق الموازية 9 دنانير، فإنه لا يعود مجرد وسيلة لتمويل الاستيراد أو السفر، بل يتحول إلى أصل مالي مطلوب بسبب فارق السعر نفسه.

وأشار إلى أنه إذا أتيح لنحو أربعة ملايين مواطن الحصول على 2,000 دولار، فإن ذلك يعني إمكانية وصول الطلب، نظريًّا، إلى 8 مليارات دولار، موضحًا أن هذا لا يعني أن الأربعة ملايين يحتاجون فعليًّا إلى كامل هذه القيمة لأغراض السفر أو العلاج أو الاستهلاك الشخصي.

وبيّن أن جزءًا من هذا الدولار يُعاد بيعه لتغطية طلب حقيقي آخر موجود في السوق، سواء من العمالة الأجنبية التي تحول أموالها إلى الخارج، أو التجارة غير المنظمة، أو المعاملات التي لا تصل إلى النظام المصرفي، إلى جانب الادخار والتحوط والمضاربة.

وبالتالي، قد يكون جزء معتبر من الطلب الحالي على الدولار ناتجًا عن الفجوة السعرية نفسها، وليس عن حاجة اقتصادية أصلية إلى الاستيراد أو الإنفاق الخارجي.

وفيما يتعلق بإمكانية تقدير حجم الطلب الناتج عن المضاربة، شدد بي على ضرورة الحذر من الجزم برقم محدد، لكنه أشار إلى أن وجود فجوة سعرية في حدود 40% يجذب، طبيعيًّا، جزءًا كبيرًا من السيولة.

وقال إن سيناريوهات معقولة قد تشير إلى عدة مليارات من الدولارات سنويًّا من الطلب الإضافي المرتبط بالمراجحة والادخار والمضاربة وتمويل أنشطة خارج القنوات الرسمية، وقد يصل هذا الطلب، وفق بعض الافتراضات، إلى نطاق يقترب من 5 أو 6 مليارات دولار سنويًّا.

وأكد أن الأهم ليس الرقم الدقيق، وإنما وجود الآلية التي تولّد هذا الطلب، والمتمثلة في معادلة: السعر الإداري المنخفض، إلى جانب القيود على الكميات، يؤديان إلى ريع مضمون، ومن ثم إلى طلب إضافي على الدولار.

وفي هذا الإطار، يرى بي أن الأغراض الشخصية ليست السبب الوحيد وراء السوق الموازية، لكنها أصبحت جزءًا من آلية تكوينها.

وأوضح أن المفارقة تكمن في أن مصرف ليبيا المركزي يبيع الدولار للمواطن بالسعر الرسمي بهدف تلبية حاجته وتقليل الطلب على السوق الموازية، لكن عندما يصل الفارق إلى 40%، فإن جزءًا من هذا الدولار قد يعود إلى السوق الموازية باعتباره سلعة قابلة للبيع بربح.

وشرح الآلية بالقول إن المركزي يبيع دولارًا رخيصًا، ثم يحصل المواطن عليه، ويُعاد بيع جزء منه، فتتلقى السوق الموازية عرضًا جديدًا، بينما يستمر الطلب ما دام هامش الربح قائمًا.

ولذلك، بحسب بي، فإن زيادة المخصصات وحدها لا تعالج المشكلة إذا بقيت الفجوة بين السعرين قائمة.

أما بشأن الاعتمادات المستندية، فقال بي إن الاعتمادات ضرورية لتمويل التجارة المنظمة، لكنها لا تعمل في سوق منفصلة عن بقية الاقتصاد.

وأوضح أنه إذا حصل مستورد على الدولار بالسعر الرسمي بينما كان السعر الموازي أعلى بكثير، فإنه يكون قد استفاد من فارق اقتصادي كبير، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن السلعة ستصل إلى المواطن وكأن الدولار كلف المستورد 6.35 دينار فقط.

وأشار إلى أن التاجر ينظر أيضًا إلى تكلفة الإحلال، أي إلى تكلفة استيراد الشحنة التالية، وإمكانية حصوله على اعتماد جديد، فضلًا عن توقعاته لسعر الدولار مستقبلًا.

ولهذا، قد تميل أسعار كثير من السلع إلى الاقتراب من السعر الذي يعكس تكلفة الإحلال والسوق، وليس فقط التكلفة الدفترية للاعتماد.

وبالتالي، فإن استمرار الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والسعر الموازي يسمح بتحويل جزء من ميزة الاعتماد إلى ريع أو هامش إضافي، بدلًا من انتقالها بالكامل إلى المستهلك.

ويرى بي أن ضخ المزيد من الدولار لا يؤدي دائمًا إلى خفض سعره في السوق الموازية، لأن زيادة العرض قد تتزامن في الوقت نفسه مع خلق طلب جديد.

وأوضح أنه إذا كان المصرف المركزي يبيع دولارًا يستطيع المستفيد إعادة بيعه بربح يتراوح بين 30% و40%، فإن كل توسع في العرض قد يجذب طالبين جددًا للاستفادة من فرصة الربح.

وأضاف أن سياسة «نبيع دولارات أكثر حتى ينخفض السعر» لا تكفي وحدها، موضحًا أنه إذا لم يُصلح السعر والقيود والإنفاق العام في الوقت نفسه، فقد يتحول جزء من ضخ الدولار إلى وقود جديد للسوق الموازية.

وفي ما يتعلق بالحل، أكد بي أنه لا يدعو إلى رفع سعر الدولار لمجرد رفعه، كما لا يرى أن السوق الموازية يجب أن تتحكم في السياسة النقدية.

وقال إن المطلوب هو الوصول إلى سعر صرف موحد ومرن يقترب من مستوى التوازن، بحيث يصبح الفارق بين السعر الذي يبيع به المصرف المركزي والسعر الذي يستطيع المواطن أو التاجر الحصول عنده على الدولار صغيرًا إلى درجة لا تجعل المضاربة مجدية.

وبالتوازي مع ذلك، دعا إلى توسيع الوصول إلى النقد الأجنبي للطلب المشروع، وتبسيط إجراءات التجارة، وضبط الإنفاق العام، والحد من نمو عرض النقود، وإزالة الفجوات السعرية التي تصنع الريع.

وأكد أن أصل المشكلة، من وجهة نظره، لا يتعلق فقط بسؤال «كم دولارًا لدينا؟»، بل أيضًا بسؤال «كم دينارًا خلقنا لتمويل الإنفاق العام بالعجز ويطارد هذا الدينار الدولار المطروح؟ ولماذا جعلنا الحصول على الدولار الرسمي فرصة ربح بحد ذاتها؟».

وخلص بي إلى التأكيد أن ليبيا لا تشتكي نقص دولار بقدر ما هي أمام سوء في تسعير الدولار وإقرار شروط لتخصيصه، إلى جانب سياسة تخلق جزءًا من الطلب الذي تحاول بعد ذلك مكافحته.

وأشار إلى أن تضييق الفجوة واختفاء الربح شبه المضمون من شأنهما خفض الطلب المرتبط بالمضاربة، وإتاحة رؤية أوضح للحجم الحقيقي للطلب الاقتصادي على النقد الأجنبي.

وفي ما يتعلق بكيفية ضمان استخدام الدولار المباع لتمويل الاستيراد في الغرض المخصص له، يرى بي ضرورة تفعيل نظام التسجيل والتتبع المسبق للشحنات ACI، أي Advance Cargo Information، وربطه مباشرة بمصرف ليبيا المركزي والمصارف التجارية والجمارك.

وأوضح أن الفكرة تقوم على أن يكون لكل دولار يُمنح للاستيراد أثر تجاري قابل للتتبع حتى وصول السلعة إلى ليبيا.

وبحسب تصوره، وقبل فتح الاعتماد أو تنفيذ التحويل، تُسجل بيانات المورد، والفاتورة، ونوع السلعة، والكمية، والقيمة، وبلد المنشأ، ووسيلة الشحن، وتحصل العملية على رقم ACI فريد.

ثم يُربط هذا الرقم آليًّا بالتحويل المصرفي، والفاتورة، وبوليصة الشحن، ووصول الشحنة، والإقرار الجمركي، والتخليص النهائي.

ويرى بي أن هذه الآلية تتيح، بعد انتهاء العملية، الإجابة عن سؤال بسيط: «بعنا لهذا المستورد مليون دولار؛ أين السلعة التي اشتراها بها؟».

وأوضح أنه إذا كانت قيمة التحويل مليون دولار، بينما لم تصل السلعة، أو وصلت بقيمة أقل بصورة غير مبررة، أو استُخدمت الفاتورة أكثر من مرة، فإن المخالفة تظهر إلكترونيًّا بدلًا من اكتشافها بعد سنوات.

كما يساعد النظام، وفق تصوره، على كشف المبالغة في الفواتير Over-invoicing، والفواتير الوهمية، وتكرار تمويل الشحنة نفسها، وتحويل الدولار تحت غطاء استيراد لا يتحقق فعليًّا.

وقال بي إن تطبيق هذه المنظومة من شأنه تغيير طريقة تنظيم الاعتمادات، مؤكدًا أنه لا يريد مزيدًا من القيود على التاجر الحقيقي، بل حرية أكبر في الوصول إلى الدولار مقابل شفافية كاملة في استخدامه.

واختصر رؤيته في معادلة واضحة: «خفف القيود على الحصول على النقد الأجنبي، وشدد التتبع على ما اشتُري به».

ويرى أن هذا النهج أفضل كثيرًا من المنظومة الحالية التي قد تقيد آلاف التجار مسبقًا، ثم تظل عاجزة عن التأكد بصورة كاملة مما حدث للدولار بعد منحه.

وأشار إلى أن فرض نظام ACI ممكن عمليًّا، لأن ليبيا بدأت بالفعل في تأسيسه، لكن نجاحه يتطلب أن يصبح إلزاميًّا وموحدًا في جميع المنافذ، وأن ترفض المصارف تمويل أي عملية استيراد لا تحمل رقمًا صالحًا، وأن تتم المطابقة إلكترونيًّا مع بيانات الجمارك عند وصول البضاعة.

وأكد أن مواجهة النظام مقاومة من بعض المتعاملين عند محاولة تطبيقه لا تمثل سببًا للتراجع عنه، بل تجعل السؤال أكثر أهمية: «لماذا يخشى التاجر الحقيقي من نظام يثبت أنه حوّل الدولار واستورد السلعة فعلًا؟».

وشدد على أن الهدف ليس تعقيد التجارة، بل تسهيلها بالنسبة إلى التاجر الملتزم، بحيث تكون القاعدة: «تاجر ملتزم وموثق = إجراءات أسرع ودولار أسهل»، في مقابل أن تكون «عملية غير قابلة للتتبع = تدقيق ورقابة أكبر».

وبذلك، يرى بي أن الرقابة يجب أن تنتقل من سؤال «من يستحق الدولار؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا فعل بالدولار بعد أن حصل عليه؟».

وخلص إلى أن هذه الإضافة تقوي، من وجهة نظره، الحجة المتعلقة بتحرير الوصول إلى النقد الأجنبي؛ فكلما أصبحت القدرة على تتبع الدولار حتى وصول السلعة أكبر، قلت الحاجة إلى التضييق المسبق على آلاف الشركات، وأصبح بالإمكان الانتقال إلى نموذج يقوم على سهولة في الوصول إلى النقد الأجنبي، مقابل صرامة في التتبع والمحاسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى