عبدالمطلب: مجلس الدولة أمام خيار التوافق أو خسارة دوره في المشهد السياسي

قال المحلل السياسي جمال عبدالمطلب إن المشهد السياسي الليبي يشهد تسارعًا ملحوظًا في التحركات والمواقف، وسط حالة من الارتباك والغموض بشأن المسار المقبل، محذرًا من أن استمرار تعطيل التوافقات قد يضع مجلس الدولة الاستشاري أمام مفترق طرق، إما حسم موقفه والتوصل إلى تفاهمات، أو خسارة دوره في المرحلة السياسية القادمة، في ظل توافق دولي على ضرورة الدفع نحو حل للأزمة.
وأوضح عبدالمطلب، خلال لقائه مع تلفزيون المسار، رصدته “الساعة 24″، أن المواقف الأخيرة شهدت تطورات لافتة، خصوصًا داخل مجلس الدولة، الذي انتقل من حالة معارضة وتحفظات شديدة على اتفاق لجنة «4+4» إلى موقف داعم له، مشيرًا إلى أن المجلس اتخذ خطوات جديدة، من بينها إقرار قوانين والاستعداد للمرحلة المقبلة، في رسائل موجهة إلى الشارع الليبي والرأي العام والمجتمع الدولي والأطراف المعنية بالعملية السياسية.
وأضاف أن مستقبل المؤسسات السياسية القائمة بات على المحك، في ظل نفاد صبر الرأي العام الليبي وعدم قدرته على الانتظار أكثر، لا سيما مع غياب البدائل الواضحة واستمرار حالة الانسداد. وأكد أن الأطراف الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وتركيا وقطر وإيطاليا والأمم المتحدة، تدعم التحركات الرامية إلى تجاوز الأزمة، ما يضع القوى السياسية أمام مسؤولية حسم مواقفها بدلًا من مواصلة تعطيل التفاهمات.
وفيما يتعلق بموقف مجلس الدولة، أشار عبدالمطلب إلى أن الخلافات داخله أثارت استغرابًا، خصوصًا أن رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة كان قد أبدى ترحيبًا باتفاق «4+4»، بينما برزت معارضة من فريق داخل المجلس، يقوده رئيسه محمد تكالة، ويضم عددًا كبيرًا من الأعضاء. ولفت إلى أن هذا التباين يطرح تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين رئاسة الحكومة ورئاسة المجلس، وما إذا كانت المواقف المعلنة تعكس خلافًا حقيقيًا أم ترتبط بحسابات سياسية.
وأكد أن العلاقة بين مجلس النواب ومجلس الدولة اتسمت تاريخيًا بالتنافر والتصادم، إذ يرى مجلس النواب أنه يمثل الشعب ويستند إلى شرعية انتخابية، بينما يعتبر مجلس الدولة أن ولاية مجلس النواب انتهت من الناحية القانونية والسياسية. وأضاف أن اللقاءات التي عُقدت بين الطرفين في إسطنبول وغيرها لم تنجح في إنهاء الخلافات، رغم محاولات التقارب المتكررة.
وانتقد عبدالمطلب أداء المؤسستين خلال السنوات الماضية، معتبرًا أنهما حصلتا على فرص وامتيازات ومرتبات كبيرة، من دون أن تتمكنا من إخراج البلاد من حالة الانسداد السياسي. وشدد على أن الشارع الليبي، بغض النظر عن موقفه من اتفاق «4+4» أو من الشخصيات السياسية، يريد الوصول إلى الانتخابات وصندوق الاقتراع واختيار رئيس للدولة، بدلًا من استمرار المراوحة والأزمات.
وفي سياق أن لجنة «4+4» جاءت لمعالجة الخلافات العالقة بين المجلسين، اعتبر عبدالمطلب أن هذه الخطوة قد تكون ورقة ضغط على مجلس الدولة لدفعه إلى التحرك والتوصل إلى حل وسط، في ظل الضغوط الشعبية التي يتعرض لها مجلس النواب أيضًا، بعدما بات استمرار الأزمة يثقل كاهله ويثير استياء الشارع. وأشار إلى أن الخلافات حول الأشخاص ومواقفهم السياسية ليست جديدة، وأن المشهد الليبي يضم تيارات واتجاهات متعددة، لكن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل استمرار التعطيل.
وتعليقًا على الموقف الأخير لمجلس الدولة، رأى أن المجلس يحاول تقديم اعتراضاته باعتبارها قانونية وليست سياسية، لكنه اعتبر أن الاتجاه العام للمشهد لا يزال يميل إلى البحث عن تسوية. وأوضح أن المواقف الدولية، بما فيها الأمريكية والتركية والإيطالية والمصرية، تراقب التطورات، مع اختلاف الحسابات والمصالح المرتبطة بالملف الليبي.
وفيما يخص الموقف المصري، خالف عبدالمطلب الرأي القائل إنه متردد، مشيرًا إلى أن القاهرة تتابع التطورات بحذر، مع مراعاة مصالحها الاقتصادية واتفاقاتها وعلاقاتها مع طرابلس وبنغازي. وأضاف أن مصر تراقب أيضًا المواقف الأمريكية والتركية، وأن علاقاتها الاقتصادية مع مختلف الأطراف الليبية تمنحها مصالح واسعة في البلاد.
أما بشأن تركيا، فأوضح أن أنقرة أعادت ترتيب علاقاتها الإقليمية، بما في ذلك علاقاتها مع السعودية والإمارات ومصر، وأنها تسعى إلى تجنب الاصطفاف الحاد مع طرف ليبي ضد آخر، مع التركيز على توحيد المواقف وتحقيق مصالحها. وأشار إلى أن الاتفاقية البحرية والمشروعات الاقتصادية تمثل عوامل مؤثرة في حسابات أنقرة، وأنها تتابع تطورات المشهد قبل بلورة موقف نهائي من بعض الملفات.
وأضاف أن المصالح المصرية في شرق ليبيا وغربها تمثل عاملًا مهمًا في السياسة الإقليمية، وأن العلاقات الاقتصادية والتاريخية بين البلدين تجعل استمرار التعاون أمرًا ذا أهمية للقاهرة. كما أشار إلى أن تركيا ومصر تتقاطعان في بعض المصالح، رغم اختلاف حساباتهما وتحالفاتهما.
وفي حديثه عن العلاقة بين رئاسة الحكومة ومجلس الدولة، أكد عبدالمطلب أن رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ورئيس مجلس الدولة محمد تكالة وفريقهما السياسي لا يختلفون بالضرورة في جوهر الموقف، معتبرًا أن التباين الظاهر قد يرتبط بحسابات تتعلق باستمرار الحكومة وموقعها في المرحلة المقبلة. وقال إن الدبيبة لا يريد إعلان معارضته لاتفاق «4+4»، خصوصًا أن الحكومة شاركت في المسار، لكنه يرى أن بعض الأطراف المحيطة به لا ترغب في المضي نحو ترتيبات قد تؤدي إلى تغيير المشهد السياسي.
ولفت إلى وجود تسريبات ومواقف متداولة في مصراتة وطرابلس تشير إلى مخاوف داخل أوساط الحكومة من أن تؤدي التطورات المقبلة إلى وصول طرف سياسي آخر إلى الرئاسة، بما قد يغيّر موازين النفوذ والمصالح. كما تحدث عن تداول أسماء من عائلة الدبيبة بوصفها احتمالات لخلافته، مؤكدًا أن هذه المعلومات تظل في إطار التسريبات والتحليلات المتداولة.
وفي تقييمه لدور الأمم المتحدة، قال عبدالمطلب إن البعثة الدولية تتابع المشهد الليبي عن كثب، وإن خبراءها باتوا يدركون صعوبة الاعتماد على تعهدات الأطراف المحلية، في ظل تكرار الخلافات وعدم الالتزام بالتفاهمات. وأضاف أن الانتقادات الدولية المتعلقة بالفساد واستمرار النخب السياسية في مواقعها منذ سنوات تعكس تراجع الثقة في قدرة الأطراف الليبية على إنجاز تسوية بمفردها.
وأشار إلى أن قراءة التاريخ السياسي الليبي تكشف عن تأثير مستمر للقوى الدولية في محطات مفصلية، بدءًا من مرحلة الاستقلال، مرورًا بوصول معمر القذافي إلى السلطة عام 1969، وصولًا إلى أحداث فبراير 2011 وما تلاها من اضطرابات. واعتبر أن فهم مسار الأزمة الراهنة يتطلب النظر إلى هذه الخلفية التاريخية، وإلى طبيعة العلاقة بين القوى المحلية والتوازنات الدولية.
وعن إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه المرتقبة في 15 أكتوبر، توقع عبدالمطلب أن تتحدث بوضوح عن الأطراف التي تعرقل المسار، وأن تشير إلى انتهاء الوقت المتاح أمام الصيغ الحالية، مع طرح الحاجة إلى آلية جديدة تقود إلى الانتخابات. لكنه أكد أن ذلك لا يعني بالضرورة إعلان فشل المسار الأممي بصورة نهائية، إذ إن الأمر يتوقف على طبيعة البدائل التي قد تطرحها البعثة ومدى جاهزيتها.
وأوضح أن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في آلية وطنية موسعة للمشاركة السياسية والمجتمعية، غير أنه تساءل عما إذا كانت هذه الآلية جاهزة بالفعل، وما إذا كانت قادرة على تجاوز العقبات القائمة. ورأى أن منح الأطراف فرصة إضافية يظل احتمالًا قائمًا، لكن الأرجح أن تتجه تيتيه إلى تسمية العراقيل بوضوح والدعوة إلى آلية مختلفة تتيح الوصول إلى الانتخابات.
وفي ختام حديثه، أكد عبدالمطلب أن الولايات المتحدة وتركيا تمثلان طرفين مؤثرين في الملف الليبي، بينما تتابع دول أخرى، من بينها قطر والإمارات ومصر وتونس والجزائر، تطورات المشهد وفق مصالحها. وأشار إلى أن الموقف التركي يبدو واضحًا في سعيه إلى الحفاظ على علاقاته ومصالحه، في حين أن واشنطن لا تُظهر حتى الآن درجة الحسم التي قد يتوقعها بعض المراقبين، في ظل انشغالها بملفات دولية أخرى، من بينها إيران وأوكرانيا والصين.
كما لفت إلى أن الموقف الروسي يحتاج إلى مزيد من القراءة، خصوصًا في ضوء لقاء رئيس مجلس الدولة محمد تكالة بالسفير الروسي، وما دار خلاله من مباحثات. وشدد على ضرورة التمييز بين وجود قبول دولي للمسارات المطروحة وبين مدى تحقق القبول الداخلي، معتبرًا أن الإجابة عن هذا السؤال ستتضح مع تطور المواقف خلال المرحلة المقبلة.









