الشريف: ضخ الدولار يُسهم في خفض سعره تدريجيًا مقابل الدينار

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن وصول أول دفعة من الدولار النقدي إلى ليبيا بقيمة 200 مليون دولار بعد غياب طويل سيشكل خطوة إيجابية للاقتصاد المحلي، خصوصًا بعد توقف إمدادات النقد الأجنبي لأكثر من 13 عامًا.
وأوضح الشريف في حديث لقناة” ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن أزمة الدولار النقدي بدأت بعد عام 2013، عندما تم السيطرة على فروع المصرف المركزي في مدينة سرت، ما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من الدولار واستغلالها في تمويل الإرهاب، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي لتقييد توريدات النقد الأجنبي خشية انتقاله إلى دول مجاورة أو أوروبا.
وأضاف أن ليبيا كانت تعتمد خلال تلك الفترة على التحويلات البنكية المرتبطة بعائدات النفط، دون إمكانية استلام النقد يدويًا، مؤكدًا أن استئناف توريد الدولار النقدي سيكون له أثر مباشر على الاقتصاد والمواطنين، من خلال توفير سيولة نقدية للأغراض الشخصية ولأرباب الأسر، والحد من الرسوم التي تُفرض على التحويلات عبر البطاقات الإلكترونية.
وأشار الشريف إلى أن خطة المصرف المركزي تهدف إلى توريد 600 مليون دولار شهريًا بشكل ثابت، مما يسمح بضخ العملة الأجنبية مباشرة في السوق الليبي، ويؤدي إلى زيادة المعروض من الدولار وانخفاض سعره تدريجيًا مقابل الدينار الليبي.
وبيّن أن استمرار ضخ الدولار النقدي بنفس الوتيرة على مدى الأشهر المقبلة قد يؤدي إلى انخفاض سعر الدولار إلى أقل من تسعة دينار خلال شهر ونصف إلى شهرين، وربما إلى ثمانية دينار إذا استمرت العملية لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر، مشيرًا إلى أن ذلك سيوفر سيولة كبيرة للسوق ويخفف الضغوط على المواطنين ويقلل الاعتماد على التحويلات عبر البطاقات.
وشدد الشريف على أن نجاح هذه العملية يتطلب الاستمرارية في ضخ النقد وفق خطة المصرف المركزي، مع مراقبة أسعار النفط والإيرادات الأجنبية لضمان تحقيق أثر ملموس على السيولة المحلية واستقرار سعر الصرف.
وأضاف أن ضخ المصرف المركزي للنقد الأجنبي بمعدل 600 مليون دولار شهريًا يحمل إيجابيات كبيرة للاقتصاد والمواطنين، لكنه حذر من التحديات المرتبطة بالسيولة في السوق المحلي، مشيرًا إلى أن الفئات النقدية الكبيرة في الدينار الليبي (50 و20) ساهمت في أزمة سيولة ومضاربات غير رسمية، وهو ما يستلزم استبدالها تدريجيًا لضمان شمول مالي أوسع وتقليل الاعتماد على النقد الكاش.
ولفت الشريف إلى أن ضخ الدولار النقدي سيساهم في زيادة المعروض من العملة الأجنبية، وبالتالي انخفاض سعر الدولار مقابل الدينار الليبي، وهو الهدف الأساسي للمصرف المركزي لدعم العملة الوطنية. مؤكداً أن دعم الدينار مرتبط مباشرة بالطلب على العملة الأجنبية وسوق النفط، مشيرًا إلى أن الاستفادة من السوق العالمية تتطلب إدارة دقيقة للموارد والسيطرة على سعر الصرف، مع ضرورة استثمار الفوائض في تحسين البنية التحتية وتطوير الاقتصاد المحلي.
وشدد الشريف على أن ليبيا تحتاج إلى استراتيجيات فعّالة لإدارة الاقتصاد الصغير أمام التأثيرات العالمية، مستشهدًا بتجربة الصين التي جمعت بين نظام سياسي مركزي واقتصاد حر كنموذج لإدارة الموارد بشكل متوازن وفعّال، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب ضبط سعر الصرف وتنظيم السيولة في السوق، مع توظيف الموارد بشكل يضمن استقرار العملة الوطنية وتوفير السيولة للمواطنين والخدمات الاقتصادية، مؤكدًا أن نجاح هذه الاستراتيجية سيكون له أثر مباشر على الاقتصاد الوطني واستقرار الأسواق.
إلى ذلك حذر أستاذ الاقتصاد من أن الاعتماد الكامل على النفط يجعل الاقتصاد الليبي هشًا وعرضة لتقلبات الأسعار العالمية، مؤكدًا أن ليبيا لم تستفد بشكل كامل من ارتفاع أسعار النفط الحالي بسبب غياب الاستقرار السياسي والإداري المستدام.
واعتبر أن ليبيا تمتلك موارد نفطية منذ عام 1963، حيث بدأ استغلالها تدريجيًا في الستينيات، مشيرًا إلى أن إنتاج البلاد في سبعينيات القرن الماضي وصل إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يوميًا، وكانت الدولة حينها قادرة على تحقيق استفادة ملموسة من هذا المورد الحيوي.
ولفت إلى أن انخفاض أسعار النفط في الثمانينيات، إلى جانب التحولات في النظام السياسي، حول النفط إلى “سلاح ذو حدين”، حيث يعتمد الاقتصاد بشكل كامل على هذا المورد الوحيد، ما يجعله عرضة للتقلبات العالمية، على عكس الدول التي نجحت في تنويع اقتصاداتها لتفادي ما يُعرف بالمرض الهولندي، وهي ظاهرة اقتصادية سلبية تحدث عند ازدهار الموارد الطبيعية، فتُرفع قيمة العملة المحلية وتضعف القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة.
وأشار الشريف إلى أن الأزمة السياسية المستمرة منذ عام 2011 حالت دون استثمار الموارد بشكل فعّال، وأدت إلى نزيف كبير في الاحتياطيات نتيجة الفساد وضعف الإدارة، مؤكّدًا أن أي تأثير إيجابي لارتفاع أسعار النفط سيكون لحظيًا ولن يعالج المشكلات الاقتصادية العميقة.
ونوه إلى أن الحل يكمن في توحيد المؤسسات الحكومية ووضع موازنة موحدة واستثمار الموارد بشكل فعّال، مشددًا على أن أي تحرك سلبي على الصعيد السياسي ينعكس مباشرة على الأداء الاقتصادي، ويحد من قدرة الدولة على الاستفادة الحقيقية من أسعار النفط المرتفعة.
وأضاف أن ليبيا تعاني منذ أكثر من 12 سنة من غياب الاستقرار السياسي والأمني، ما تسبب في نزيف كبير من الاحتياطيات وتفاقم الفساد، مؤكدًا أن أي تأثير إيجابي لارتفاع أسعار النفط سيكون مؤقتًا ما لم تُحل الأزمات الأساسية المرتبطة بعدم توحيد الدولة وعدم وجود موازنة موحدة وعدم استثمار الموارد بكفاءة.
وأشار الشريف إلى أن الأزمة الاقتصادية والسياسية في ليبيا وجهان لعملة واحدة، إذ أن أي تحرك سلبي على الصعيد السياسي ينعكس فورًا على الاقتصاد، مؤكدًا أن توحيد الحكومة ووضع خطط اقتصادية واضحة قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل سيمكن الدولة من الاستفادة الحقيقية من أسعار النفط وتحسين إدارة الموارد ومواجهة التحديات الاقتصادية بشكل مستدام.
وختم الشريف بتأكيده أن الاستفادة من الزيادة الحالية في أسعار النفط، مع إدارة جيدة للإيرادات، ستؤدي إلى استقرار سعر الصرف، ما ينعكس على تراجع أسعار السلع وتحسين الوضع الاقتصادي العام، مشددًا على أن الطفرة النفطية الحالية يمكن استثمارها جزئيًا لدعم سعر الصرف وجزئيًا لتعزيز الاحتياطي الوطني لمواجهة تقلبات الأسعار المستقبلية.









