الزبير: الحوار المهيكل يعيد تدوير الأزمة الليبية ويكرّس الوصاية الدولية

اعتبر المحلل السياسي، عصام الزبير، أن المشكلة الأساسية التي رافقت المسارات السياسية المختلفة في ليبيا، تتمثل في انسحاب عدد من الأطراف منها بسبب غياب أي حل حقيقي للأزمة، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة كانت تتحدث في البداية عن «حل ليبي – ليبي»، لكن الواقع أثبت – بحسب قوله – أن الأمر خرج عن هذا الإطار وأصبح خاضعاً لتدخلات خارجية ومحاولات للوصاية الأممية.
وأوضح الزبير، في حديث لقناة “المسار”، رصدته “الساعة 24″، أن بعض القوانين والمقترحات المطروحة حالياً قد تكون مخالفة حتى للقوانين الليبية، معتبراً أن ذلك لا يمثل حلاً للأزمة بقدر ما يعكس استمراراً في إدارتها وتدويرها، بما يؤدي إلى مزيد من التعقيد والتصعيد بدلاً من الوصول إلى تسوية حقيقية.
وأضاف أن الآمال كانت معقودة على أن يفضي هذا الحوار إلى حل للأزمة، خصوصاً مع مشاركة شخصيات من خارج الأجسام التشريعية بهدف توحيد الرؤى والخروج بمسار يقود إلى الانتخابات، إلا أن ما حدث – وفق تقديره – هو توسيع للمسارات السياسية وفتح ملفات جديدة لا يمكن أن تقود إلى حل فعلي.
وأشار الزبير، إلى أن التوجه في بداية ولاية البعثة الأممية، كان يقوم على تشكيل حكومة مصغرة تقود البلاد إلى الانتخابات، إلا أن الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات ما زالت قائمة حتى اليوم، وهي ذات الإشكالات التي كانت مطروحة قبل سنوات، ولم يتم التوصل إلى حلول لها رغم مرور أشهر طويلة من الحوار.
وأكد أن المجتمع الدولي لا يضمن الوصول إلى حل للأزمة الليبية ولا يدعم بشكل جاد الأطراف المتوافقة، بل يترك المجال – بحسب وصفه – أمام المخالفين للاستمرار دون مساءلة، الأمر الذي يقود إلى نتائج صفرية ويعيد الأطراف كافة إلى نقطة البداية بعد استنزاف المزيد من الوقت من عمر الليبيين في مراحل انتقالية متعاقبة.
وتابع أن المسارات السياسية التي بدأت باتفاق الصخيرات مروراً بجنيف وتونس وصولاً إلى المسار الحالي لم تنتج حلولاً حقيقية، بل أدت إلى زيادة الانقسام وتعدد الحكومات واتساع رقعة الخلافات، مؤكداً أن المطلوب كان الاعتماد على أسس توافقية حقيقية تقود إلى الانتخابات، وتسوية نقاط الخلاف، والاحتكام إلى الدستور باعتباره أساس الحل، مع طرحه للاستفتاء الشعبي.
واعتبر الزبير، أن ما يجري حالياً عبارة عن مسارات متشعبة هدفها الإبقاء على الأزمة، واستمرار وجود البعثة الأممية والحلول الدولية، وإبقاء ليبيا تحت الوصاية الخارجية، لافتاً إلى أن التدخلات الدولية امتدت حتى إلى الملف الاقتصادي.
وقال إن هناك العديد من الإجراءات والمقترحات المتعلقة بملف الهجرة والتي من شأنها – بحسب رأيه – التأثير على التركيبة الديموغرافية الليبية، مشيراً إلى أن بعض الأطراف تسعى إلى فرض واقع جديد قد يتضمن التوطين أو ترتيبات أخرى تجر البلاد إلى أزمات إضافية، في وقت تعاني فيه الدولة من هشاشة مؤسساتية وعدم استقرار سياسي وأمني.
وأضاف أن الوضع الاقتصادي الليبي يواجه هو الآخر إشكالات كبيرة، رغم ما تملكه البلاد من ثروات وإمكانات، مؤكداً أن الدولة لم تتمكن حتى الآن من الوصول إلى منظومة قوانين متكاملة تحفظ السيادة الوطنية وتدير الملفات الاقتصادية بصورة مستقرة.
ولفت الزبير، إلى أن الجدل القائم بشأن صلاحيات المصرف المركزي يعكس حجم التعقيدات السياسية والأمنية المحيطة بالمشهد الليبي.
وقال إن قدرة الحوار المهيكل على تقديم حلول عملية للأزمة تظل محل تساؤل، في ظل استمرار اعتراف البعثة الأممية بمجلسي النواب والأعلى للدولة، باعتبارهما الجسمين التشريعيين القائمين، موضحاً أن هذا الواقع يجعل أي مخرجات أو قرارات تصدر عن الحوار المهيكل عرضة لإشكاليات قانونية تتعلق بآلية اعتمادها ومنحها الصفة الشرعية، ما قد يحد من إمكانية تنفيذها على أرض الواقع ويزيد من تعقيد المشهد السياسي.
وبيّن الزبير، أن الاعتقاد السائد في بداية إطلاق الحوار كان يقوم على إمكانية تأسيسه بقرار يحظى بدعم أممي أو من المجلس الرئاسي بما يمنحه قوة قانونية، إلا أن السؤال المطروح اليوم يتمثل في الجهة التي ستعتمد القرارات التي سيخرج بها الحوار.
وأكد أن المشكلة لا تتعلق بمواقف سياسية أو انحيازات لأطراف معينة، بل ترتبط بمسائل قانونية جوهرية، موضحاً أن بناء الدولة يجب أن يستند إلى أسس قانونية واضحة، وأن أي قرارات تصدر خارج هذه الأطر ستؤدي إلى مزيد من التعقيد والعرقلة بدلاً من دعم عملية البناء والاستقرار.
وأضاف أن الليبيين، وخصوصاً القوى الوطنية، كان ينبغي أن يتجنبوا الانخراط في مسارات يرى أنها تهدف إلى تدوير الأزمة وإطالة أمدها، متسائلاً عن النتائج التي تحققت بعد ستة أشهر من العمل والحوار، ومشيراً إلى أن المخرجات المعلنة حتى الآن لم تنتج حلولاً ملموسة.
وقال الزبير، إن الحلول كان يفترض أن تنطلق من المؤسسات الليبية القائمة أو من لجان يتم تكليفها بشكل مباشر من مجلسي النواب والأعلى للدولة، بدلاً من توسيع الأجسام واللجان بصورة متكررة.
ولفت إلى أن المشهد السياسي بات يشهد إضافة أعضاء جدد ولجان جديدة باستمرار، حتى أصبح أقرب إلى عملية لا تنتهي من إعادة إنتاج الهياكل السياسية.
وانتقد الزبير، أداء البعثة الأممية خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن ليبيا شهدت أكثر من عشرة مبعوثين أمميين خلال ما يزيد على خمسة عشر عاماً، في ظل غياب الإرادة الوطنية القادرة على فرض حلول ليبية خالصة.
كما استغرب انعقاد اجتماعات ومناقشات دولية حول الأزمة الليبية في غياب ممثلين عن ليبيا نفسها، معتبراً أن ذلك يعكس تراجعاً في مفهوم السيادة الوطنية، مبيناً أنه حتى في حال وجود خلافات داخلية، فإن أي مسار للحل يجب أن يضم الأطراف الليبية وأن يمنحها الدور الرئيسي في صياغة مستقبل البلاد.
وانتقد الزبير، ما وصفه بمحاولات إعادة المهاجرين إلى ليبيا وتحويلها إلى دولة تتحمل أعباء الأزمة نيابة عن أوروبا، معتبراً أن ليبيا ليست مسؤولة عن تدفقات الهجرة العالمية، وأن تحميلها هذا العبء يمثل ظلماً للبلاد في ظل أوضاعها الحالية.
وبشأن مستقبل الأزمة الليبية، قال الزبير، إنه يتوقع فشل معظم المبادرات المطروحة لأنها – بحسب رأيه – تستهدف تحقيق مصالح القوى الدولية أكثر من استهدافها حل الأزمة في البلاد.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية الحالية تنظر إلى الملف الليبي من زاوية المصالح المرتبطة بالطاقة والنفط والمكاسب الاستراتيجية، وليس من منظور دعم حقوق الشعوب أو بناء المؤسسات.
وأشار الزبير، إلى أن عدداً من الأطراف الدولية بات يركز على مبادرات ومسارات موازية أكثر من تركيزه على جهود البعثة الأممية، رغم أن جميع هذه الأطراف تعمل وفق أجنداتها الخاصة، بينما يبقى الشعب الليبي – وفق وصفه – في موقع المتفرج السلبي الذي لم ينجح بعد في فرض إرادته الوطنية بصورة حاسمة.
وختم الزبير، حديثه موضحاً أن استمرار غياب الدور الفاعل لليبيين سيفتح المجال أمام المزيد من المبادرات والتجارب الدولية على الساحة الليبية، مؤكداً أن نجاح أي مبادرة سيُسجل لأصحابها، أما فشلها فسيُحمّل لليبيين أنفسهم بحجة أنهم لم يكونوا على مستوى المرحلة ولم يتمكنوا من توحيد إرادتهم الوطنية.









