الشبلي: مخرجات الحوار المهيكل تعيد تدوير الأزمة ولا تعالج جذورها

قال رئيس تجمع الأحزاب الليبية، الدكتور فتحي الشبلي، إن المخرجات النهائية للحوار المهيكل، جاءت متسقة مع المخاوف والتحفظات التي كانت قد أبدتها أطراف سياسية عديدة منذ الإعلان عن تشكيله، معتبراً أن ما صدر عن البعثة الأممية لا يمثل حلاً حقيقياً للأزمة الليبية بقدر ما يمثل، وفق وصفه، محاولة جديدة لإعادة تدوير الأزمة وإطالة أمد المرحلة الانتقالية.
وأوضح الشبلي، في مداخلة على قناة “التناصح”، رصدتها “الساعة 24″، أن تجمع الأحزاب الليبية رفض منذ البداية المشاركة في الحوار المهيكل رغم تلقيه دعوة رسمية، موضحاً أن هذا الموقف استند إلى قناعة بأن هذا المسار لن يفضي إلى حلول جذرية، بل سيقود إلى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة.
وأضاف أن ما صدر من توصيات ومقترحات يؤكد، بحسب رأيه، صحة تلك التقديرات، بعد أن اتضح أن الحوار لم يتجه نحو معالجة جذور الأزمة، وإنما نحو إيجاد مسارات جديدة يمكن للبعثة الأممية الاستناد إليها في تحركاتها المقبلة أمام مجلس الأمن.
وأوضح الشبلي، أن التقرير النهائي الصادر عن الحوار المهيكل، والذي اطلع عليه أكثر من مرة، يثير العديد من المخاوف المتعلقة بمستقبل الدولة الليبية ووحدتها السياسية والإدارية، مشيراً إلى أن بعض المقترحات المطروحة تمهد عملياً لإعادة إنتاج نموذج ملتقى الحوار السياسي في جنيف عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد وحكومة جديدة لفترة انتقالية أخرى، وهو ما اعتبره استمراراً للنهج ذاته الذي أثبت فشله خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن أخطر ما ورد في التقرير، من وجهة نظره، يتمثل في تكريس فكرة الأقاليم ضمن البنية السياسية والإدارية للدولة، لافتاً إلى أن الحديث عن ممثلين للأقاليم داخل السلطة التنفيذية ومنح صلاحيات واسعة للمستويات الإقليمية والمحلية قد يؤدي تدريجياً إلى ترسيخ واقع سياسي جديد يهدد وحدة الدولة الليبية.
وأضاف أن بعض المقترحات تتحدث عن وجود ممثلين للأقاليم الثلاثة داخل السلطة التنفيذية، يتولون متابعة ملفات التنمية والإدارة داخل نطاقهم الجغرافي، وهو ما يراه مؤشراً على اتجاه نحو توزيع السلطة على أسس إقليمية، محذراً من أن هذا التوجه يثير مخاوف لدى قطاعات واسعة من الليبيين، الذين يرون ضرورة مناقشة هذه القضايا ضمن إطار دستوري شامل وليس عبر ترتيبات انتقالية مؤقتة.
وفي سياق متصل، انتقد الشبلي، ما وصفه بالتوسع في منح صلاحيات رقابية وإشرافية للأمم المتحدة على بعض الملفات الليبية، خصوصاً الجوانب المالية والإدارية والقضائية، معتبراً أن بعض البنود الواردة في التقرير تتجاوز حدود الدعم والمساندة إلى مستويات أقرب إلى الوصاية على القرار الوطني.
وأضاف أن التقرير تضمن إشارات تتعلق بمتابعة الإنفاق العام والرقابة المالية، فضلاً عن مقترحات مرتبطة بالشأن القضائي وآليات تنفيذ بعض الالتزامات الدولية، وهو ما اعتبره تدخلاً واسعاً في اختصاصات المؤسسات الوطنية الليبية.
وفيما يتعلق بالسلطة التنفيذية المقترحة، قال الشبلي، إن ما يُطرح حالياً لا يختلف كثيراً عن التجارب السابقة، حيث يجري الحديث مجدداً عن مجلس رئاسي جديد وحكومة جديدة ومرحلة انتقالية تمتد بين 18 و24 شهراً، متسائلاً عن الضمانات التي تحول دون تحول هذه المرحلة إلى واقع دائم كما حدث في مراحل انتقالية سابقة.
ورأى أن الأزمة الأساسية في ليبيا، لا تتعلق بالأشخاص أو الحكومات، بل بغياب إطار دستوري مستقر ينظم الحياة السياسية ويحدد شكل الدولة وصلاحيات مؤسساتها، مشيراً إلى أن استمرار الخلاف حول طبيعة النظام السياسي بعد أكثر من عقد يعكس عمق الأزمة الدستورية.
وانتقد الشبلي، ما اعتبره تجاهلاً واضحاً لملفي الدستور والانتخابات في مخرجات الحوار المهيكل، موضحاً أن التركيز على ترتيبات انتقالية وإعادة تشكيل مؤسسات الحكم دون إعطاء الأولوية للاستحقاق الدستوري يجعل أي مشروع سياسي مشروعاً مؤقتاً وغير قادر على تحقيق الاستقرار.
وأضاف أن استمرار تعثر المسار الدستوري رغم الجهود الأممية يطرح تساؤلات حول جدوى هذه المقاربات، مشيراً إلى أن المنطق السياسي كان يقتضي توجيه الجهود نحو إنجاز الدستور باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه بقية المؤسسات.
كما انتقد الشبلي، أداء مجلسي النواب والدولة، معتبراً أنهما يتحملان جزءاً من المسؤولية عن حالة الانسداد السياسي، إلى جانب المجتمع الدولي والبعثة الأممية، نتيجة استمرار التعامل مع هذه الأجسام ومنحها شرعية سياسية رغم إخفاقاتها.
وأشار إلى أن إعادة تدوير المؤسسات القائمة أسهمت في إطالة الأزمة بدلاً من حلها، داعياً إلى إنهاء هذه الدوائر المغلقة التي تعيد إنتاج الفشل.
وفيما يتعلق بالعملية الانتخابية، أكد الشبلي، أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ليست موضع إشكال، مشيراً إلى كفاءتها في إدارة الاستحقاقات الانتخابية السابقة، وأن الأزمة تكمن في غياب الإرادة السياسية والتوافق القانوني لإجراء الانتخابات.
كما تناول الشبلي، الجوانب الاقتصادية في بعض مخرجات الحوار، معتبراً أن المؤشرات المتعلقة بالتضخم وتراجع الأوضاع المعيشية تعكس حجم التحديات، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن استمرار المراحل الانتقالية دون حلول جذرية سيزيد من تعقيد المشهد.
ورأى أن ليبيا ليست بحاجة إلى أجسام سياسية جديدة بقدر حاجتها إلى مؤسسات دائمة تنبثق عن إرادة الشعب عبر الانتخابات، معتبراً أن تكرار إنشاء حكومات ومجالس جديدة لن يؤدي إلى حل الأزمة.
وختم الشبلي، بالتأكيد على أن الحل الحقيقي يبدأ بإنجاز الدستور وتحديد شكل الدولة ونظام الحكم، ثم التوجه إلى انتخابات عامة، محذراً من أن أي مسار يتجاوز هذه الاستحقاقات أو يؤجلها سيعيد إنتاج الأزمة بدلاً من إنهائها.









