اخبار مميزةليبيا

الشريف: تراجع النفط دون 70 دولارًا يهدد الموازنة وسعر الصرف في ليبيا

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، إن ليبيا استفادت خلال فترة الأزمة العالمية من كونها أحد البدائل المتاحة لتلبية جزء من احتياجات الأسواق الدولية من النفط، غير أنه شدد على أن هذا الدور يظل محدودًا ولا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم للمنتجين الكبار في السوق العالمية.

وأوضح الشريف، في تصريحات على تلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة 24″، أن ليبيا دولة صغيرة حتى في إنتاج النفط، ولا تمثل شيئًا يُذكر في حجم الإنتاج العالمي، فعند مقارنة الإنتاج الليبي بالإنتاج الروسي أو السعودي أو بقية دول أوبك+، تُعد ليبيا من أقل الدول إنتاجًا، حيث لم يتجاوز إنتاجها نحو مليون وأربعمائة ألف برميل يوميًا، بينما يتم تصدير نحو مليون برميل فقط إذا كانت التقديرات دقيقة.

وأضاف أن ليبيا استفادت فعليًا من الظروف التي شهدت اختناقًا في سوق النفط، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، الأمر الذي ساهم في ارتفاع الأسعار التي تراوحت بين 90 و105 و107 دولارات للبرميل، وهو ما اعتبره تحسنًا نسبيًا في الوضع.

ورأى الشريف، أن هذا التحسن لا يعني أن ليبيا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً في السوق النفطية أو حتى بنسبة 50%، رغم إمكانية إعادة النظر في دورها خلال الفترة المقبلة لزيادة الإنتاج من قبل الشركات العالمية، خاصة مع الابتعاد عن المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز وقناة السويس.

وأشار إلى أن النفط الليبي يتميز بجودة عالية مقارنة بالمعايير العالمية مثل خام برنت، ما قد يعزز من جاذبيته في الأسواق العالمية، لافتًا إلى أن بعض المصافي تعتمد بشكل كبير على هذه النوعية من الخام.

وفي المقابل، أشار الشريف، إلى أن مرونة الإنتاج في ليبيا ما تزال ضعيفة للغاية، حتى في حال ارتفاع الطلب خلال الفترات السابقة أو المستقبلية، موضحًا أن البنية الإنتاجية في البلاد لا تزال غير قادرة على الاستجابة السريعة للتغيرات في السوق النفطية.

وأضاف أن المؤسسة الوطنية للنفط حصلت خلال السنوات الماضية على تمويلات كبيرة، مع وعود بتطوير الحقول وزيادة الاكتشافات ورفع الإنتاج إلى نحو مليوني برميل يوميًا، إلا أن الإنتاج الفعلي لم يرتفع إلا من نحو 1.2 مليون برميل إلى 1.4 مليون برميل فقط.

واعتبر أن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة، وهي أن الاقتصاد الليبي غير قادر على الاستجابة السريعة للظروف النفطية رغم اعتماده الكبير على هذا القطاع، مشيرًا إلى ضرورة تطويره بشكل أكبر بما يتيح تغطية الموازنة العامة التي تضخمت بصورة كبيرة، مع إمكانية تخصيص جزء من العوائد لصندوق سيادي يُستخدم لمواجهة الصدمات الاقتصادية.

وحذر الشريف، من أن المرحلة الحالية تمثل صدمة إيجابية نتيجة ارتفاع أسعار النفط، إلا أن السوق مرشح للعودة إلى وضعه الطبيعي مع زيادة المعروض وانخفاض الأسعار. مؤكدا أنه في حال تراجع أسعار النفط إلى أقل من 70 دولارًا للبرميل فإن ليبيا قد تواجه أزمة مالية حقيقية، خاصة وأن الموازنة العامة مبنية على هذا السعر، ما قد يؤدي إلى أزمة في تمويلها، لا سيما في بند المرتبات التي وصلت إلى نحو 80 مليار دينار، وهو ما يجعل تغطيتها بالكاد ممكنة خلال الفترة المقبلة.

وحسب الشريف، فإن عودة عدد من الشركات العالمية للعمل في قطاع النفط الليبي خلال الفترة الأخيرة تعكس تحسن جاذبية السوق الليبي مقارنة بالأسواق المنافسة، مشيرًا إلى أن هذا الاتجاه قد يستمر حتى بعد استقرار الأسواق العالمية، لكنه يظل مرتبطًا بعوامل المخاطرة السياسية والأمنية.

وأوضح أن الظروف التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، بما في ذلك التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وقناة السويس، إضافة إلى الحرب الإسرائيلية مع اليمن، جعلت العديد من مناطق إنتاج النفط في العالم تُصنف كمناطق عالية المخاطر، في حين يُنظر إلى السوق الليبي، رغم صغره، على أنه سوق واعد يمتلك احتياطيات نفطية تُقدّر بنحو 48 مليار برميل.

وقال إن ليبيا أصبحت أكثر جاذبية من الأسواق الأخرى، على الأقل مقارنة بالمنافسين في منطقة الخليج، بعد الأزمات التي شهدتها الممرات والمناطق النفطية الحساسة.

وأشار الشريف، إلى أن الشركات العالمية بدأت بالفعل في العودة إلى السوق الليبي من خلال الدخول في عطاءات ومناقصات جديدة، لافتًا إلى وجود تحسن في إدارة الملفات المالية المتعلقة بقطاع النفط، بما في ذلك اتفاقات بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط تتعلق بتمويلات وقروض موجهة لدعم الإنتاج وتسديد الالتزامات المالية.

وأضاف أن المؤسسة الوطنية للنفط كانت خلال الفترة الماضية تواجه تحديات تتعلق بعدم الالتزام الكامل بالمدفوعات، إلا أن المرحلة الحالية تشهد توجهًا نحو تسوية ديون الشركات الأجنبية التي سبق أن غادرت ليبيا في فترات سابقة، بينما ظلت بعض الشركات تتحمل تكاليف تشغيلية لفترات طويلة قبل أن تتراجع بسبب غياب الاستقرار في السداد.

وأكد الشريف، أنه مع تخصيص موازنة جديدة للمؤسسة الوطنية للنفط بدأت عمليات تسديد الديون المتراكمة للشركات الأجنبية، وهو ما يمهد لمرحلة جديدة من الاستثمار والتوسع في الإنتاج، مضيفًا أن الاستثمار الجديد هو العامل الأساسي في زيادة الإنتاج النفطي. متوقعا أن يشهد القطاع النفطي الليبي توسعًا في الإنتاج قد يصل إلى نحو مليوني برميل يوميًا خلال فترة تتراوح بين سنة إلى سنتين إذا استمرت وتيرة الاستقرار والتمويل بالشكل الحالي.

وقال الشريف، إن الأزمة منحت ليبيا ميزة كبيرة، مؤكدًا أن النفط يُعد ورقة حساسة في العلاقات الدولية، وأن القطاع النفطي غالبًا ما يُعامل بمعايير مختلفة عن بقية القطاعات الاستثمارية.

وأوضح أن الموضوع النفطي عليه كارت أحمر من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، بمعنى أنه لا يُسمح بحدوث اضطرابات كبيرة أو توقف متعمد في هذا القطاع نظرًا لأهميته الاستراتيجية، وهو ما يمنح ليبيا في الوقت الراهن مستوى أعلى من الضمان النسبي في هذا المجال مقارنة ببقية الاستثمارات.

وبيّن الشريف، أن هذا لا ينطبق على بقية القطاعات الاقتصادية في ليبيا، التي لا تزال تعاني من ضعف في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وحتى الاستثمارات قصيرة الأجل لم تدخل السوق بشكل واسع حتى الآن.

وأشار إلى أن شركات كبرى مثل توتال وعدد من الشركات الأمريكية والفرنسية بدأت فعليًا في الدخول إلى السوق الليبي والمشاركة في عمليات الاستكشاف والإنتاج، متوقعًا أن يبدأ أثر هذه الاستثمارات في الظهور خلال الأشهر المقبلة، مع إمكانية رفع الإنتاج تدريجيًا ضمن الاتفاقات القائمة بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.

وأكد الشريف، أن قدرة ليبيا على تنفيذ خططها الطموحة لرفع إنتاج النفط إلى مستوى 1.6 مليون برميل يوميًا خلال الفترة المقبلة ترتبط بمدى الاستقرار الاقتصادي والسياسي، إضافة إلى السياسات المالية التي تتبناها الدولة، وليس فقط بأسعار النفط في الأسواق العالمية.

وقال إن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تُمنح لقطاع النفط باعتباره المصدر الأساسي لتمويل الموازنة العامة، داعيًا إلى إعادة ترتيب الإنفاق العام وتوجيه الموارد نحو دعم المؤسسة الوطنية للنفط لزيادة الإنتاج ورفع القدرة الإنتاجية.

وأضاف أن تعظيم الإيرادات النفطية من خلال زيادة الإنتاج يمثل مدخلًا مباشرًا لتعزيز قدرة الدولة على تمويل الموازنة، مشيرًا إلى ضرورة تقليص بعض بنود الإنفاق الاستهلاكي التي وصفها بأنها ساهمت في تضخم الموازنة العامة خلال السنوات الماضية.

وأوضح الشريف، أن توجيه جزء من الفوائض النفطية نحو تمويل القطاع الإنتاجي، إلى جانب تخصيص جزء آخر لصندوق سيادي، يمثل آلية مهمة للاستفادة من فترات ارتفاع الأسعار، معتبرًا أن كل صدمة إيجابية في أسواق النفط يعقبها عادة تصحيح وهبوط في الأسعار، وهو ما يستدعي بناء احتياطيات مالية تحسبًا للمرحلة القادمة.

وأشار إلى أن ليبيا قد تستفيد من الظروف الحالية لمدة تتراوح بين أربعة إلى خمسة أشهر فقط قبل أن تعود الأسواق إلى التوازن بين العرض والطلب، مما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار، لافتًا إلى أن تراجع الأسعار إلى ما دون 70 دولارًا للبرميل قد يضع الموازنة العامة أمام أزمة حقيقية.

وفيما يتعلق بكيفية التعامل مع العجز المحتمل، أوضح الشريف، أن الخيارات المتاحة تتمثل إما في السحب من الاحتياطيات المالية، وهو ما قد يؤدي إلى استنزافها تدريجيًا، أو اللجوء إلى تخفيض قيمة الدينار الليبي كما حدث في فترات سابقة بهدف تمويل العجز في الموازنة.

وتطرق الشريف، إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق المحلي، حيث سجل مؤخرًا نحو 8.5 دينار مقارنة بـ8.3 دينار قبل أيام، موضحًا أن استقرار العملة المحلية لا يرتبط فقط بالسياسة النقدية للمصرف المركزي، بل بعدة عوامل في مقدمتها حجم الإنفاق الحكومي والطلب على النقد الأجنبي.

وبيّن أن استقرار سعر الصرف في ليبيا يعتمد على عاملين رئيسيين هما الطلب على الدولار من قبل التجار والأفراد، وحجم العرض المتاح من النقد الأجنبي. مشيرا إلى أن المصرف المركزي اتخذ إجراءات لتنظيم فتح الاعتمادات المستندية ووضع ضوابط على عمليات الطلب على النقد الأجنبي، إلا أن جزءًا من الطلب ما يزال يتجه إلى السوق الموازية، ما يساهم في الضغط على سعر الدولار.

كما لفت الشريف، إلى أن شريحة صغار التجار تمثل جزءًا مهمًا من الطلب على العملة الأجنبية، وأن أي تباطؤ في تلبية احتياجاتهم يؤدي إلى زيادة الطلب خارج النظام المصرفي الرسمي. معتبرا أن الإشكالية الأكبر في سوق الصرف الليبي تكمن في الإنفاق الحكومي المرتفع، خاصة في ظل وجود حكومتين وحجم إنفاق كبير يتركز في الاستهلاك، إلى جانب مشاريع إنفاق عمراني تحتاج إلى تمويل نقدي أجنبي.

وأوضح أن المصرف المركزي حاول خلال الفترة الماضية توحيد آلية الإنفاق العام وتنظيم الموازنة بين الأطراف المختلفة، لكنه واجه تباطؤًا في تنفيذ هذا التوجه، مما أدى إلى استمرار الضغوط على سوق النقد الأجنبي.

وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة منح المصرف المركزي قدرة أكبر على تغطية الطلب على الدولار، حيث سجلت الإيرادات النفطية نحو 3.5 مليار دولار شهريًا، يحتفظ المركزي بجزء كبير منها لدعم الاستقرار النقدي.

وحذر الشريف، من أن انخفاض أسعار النفط مستقبلاً سيحد من قدرة المصرف المركزي على توفير النقد الأجنبي، وقد يضطره إلى تقليص سقف الاعتمادات أو تقليص التغطية النقدية، مما سينعكس على السوق المحلي.

واختتم الشريف، بالإشارة إلى أن المصرف المركزي يتمتع حاليًا بمرونة نسبية في إدارة سوق الصرف بفضل ارتفاع الإيرادات النفطية، حيث يستطيع توفير ما يقارب ملياري دولار شهريًا لتغطية الطلب على النقد الأجنبي، إلا أن هذه القدرة ستتراجع في حال انخفاض أسعار النفط، ما سيؤثر مباشرة على استقرار سعر الصرف وقدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى