ليبيا

الفلاح: توافق دولي وإقليمي يتبلور لتوحيد مؤسسات الدولة الليبية وإنهاء الانقسام

أكد الباحث السياسي علام الفلاح وجود شبه توافق إقليمي ودولي بشأن مسار حل الأزمة الليبية، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي بات يتبنى توجهاً استراتيجياً يقوم على إنهاء حالة الانقسام عبر توحيد المؤسسات التشريعية والتنفيذية والاقتصادية والأمنية والعسكرية في البلاد.

وأوضح الفلاح، في حديث لقناة “المسار”، رصدته “الساعة 24” أن الحراك السياسي والأمني الذي تشهده الساحة الليبية خلال المرحلة الراهنة تقوده بدرجة كبيرة أجهزة الأمن القومي والمخابرات في عدد من الدول المنخرطة في الملف الليبي، أكثر من كونه تحركاً تقليدياً عبر القنوات الدبلوماسية ووزارات الخارجية، مبيناً أن طبيعة المرحلة الحالية تتطلب البحث عن ضمانات وآليات تنفيذ حقيقية للتفاهمات السياسية، وهو ما يفسر تصدر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للمشهد نظراً لما تتمتع به من مرونة أكبر في التواصل مع مختلف الأطراف الليبية في ظل استمرار الانقسام المؤسسي ووجود أكثر من سلطة تنفيذية في البلاد.

وأشار إلى أن الدول المعنية بالملف الليبي تنطلق من مصالح ومخاوف مختلفة، موضحاً أن مصر تنظر إلى ليبيا باعتبارها عمقاً استراتيجياً وأمنياً وبوابة غربية يجب تأمينها من مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، فضلاً عن ارتباط الملف الليبي بالتطورات الجارية في السودان وإقليم دارفور.

وبيّن الفلاح أن تركيا تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية واستثماراتها وعقودها المبرمة داخل ليبيا، إلى جانب حرصها على الحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري الذي رسخته خلال السنوات الماضية عبر الاتفاقيات الموقعة مع حكومة الوحدة المؤقتة، فضلاً عن ارتباط الملف الليبي بقضايا إقليمية أخرى تتعلق بترسيم الحدود البحرية وملف شرق المتوسط.

ولفت إلى أن إيطاليا تتابع التطورات الليبية من زاويتين أساسيتين، الأولى مرتبطة بمخاوف تدفقات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا في حال تدهور الأوضاع الأمنية، والثانية تتعلق بمصالحها في قطاع الطاقة واستثماراتها النفطية والغازية، فيما أشار إلى أن فرنسا تنظر بقلق إلى انعكاسات أي تدهور أمني في الجنوب الليبي على مصالحها في منطقة الساحل، خصوصاً في مالي وتشاد، إضافة إلى مخاوفها من تنامي النفوذ الروسي في المنطقة.

وأكد الفلاح أن هذه الأطراف الإقليمية والدولية أبدت قبولاً بالمسار الذي يقوده مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط مسعد بولس، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى ضمان حضورها وتأثيرها في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.

وأوضح أن مجلس النواب شعر خلال الفترة الأخيرة بتراجع دوره في بعض المسارات المطروحة، الأمر الذي دفعه إلى طرح فكرة الاتفاق الثلاثي بهدف الحفاظ على موقعه ضمن معادلة الحل السياسي، في ظل تقديرات تشير إلى أن المخرجات النهائية قد تؤدي إلى إعادة توزيع الصلاحيات وحصر دور بعض المؤسسات السياسية في الجوانب التشريعية.

وقال الفلاح إن المشهد الليبي يشهد حراكاً سياسياً وإقليمياً متسارعاً بالتزامن مع تداول ما يُعرف بالمبادرة الأمريكية الرامية إلى توحيد السلطة السياسية في البلاد، بعد خطوات وصفها بالمتقدمة نسبياً في مساري التوافق الاقتصادي والعسكري.

وأضاف أن هناك تفسيرات مختلفة للزيارات والاتصالات السياسية الجارية حالياً، خصوصاً تلك المرتبطة بالدورين المصري والتركي، حيث يرى بعض المراقبين أنها تأتي في إطار تهيئة الأجواء لإنجاح المسار السياسي المدعوم دولياً، بينما يعتبرها آخرون محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى قبل الدخول في تسوية سياسية شاملة.

وأشار إلى أن المجتمع الدولي بات يركز بصورة متزايدة على توحيد السلطة السياسية باعتبارها الحلقة الأخيرة في مسار التسوية الليبية، بعد التقدم النسبي الذي تحقق في الملفات الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

وأوضح الفلاح أن ملف الشرعية السياسية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه أي ترتيبات جديدة، لافتاً إلى أن المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، أثارت هذه الإشكالية من خلال تساؤلاتها بشأن الجهة المخولة بمنح الشرعية لأي مخرجات سياسية مستقبلية.

وأكد أن أغلب القوى السياسية والاجتماعية الليبية لا تعارض مبدأ التسوية السياسية، لكنها تسعى إلى ضمان موقعها ودورها داخل أي ترتيبات مقبلة، مشيراً إلى وجود خلافات داخل المنطقة الغربية حول شكل التمثيل في السلطة التنفيذية الجديدة، سواء على مستوى الحكومة أو المجلس الرئاسي.

وشدد الفلاح على ضرورة التعاطي مع الملف الليبي وفق معطيات موضوعية بعيداً عن الاصطفافات السياسية والاعتبارات الشخصية، مؤكداً أن ما يُثار أحياناً بشأن بعض الشخصيات والمؤسسات العسكرية والأمنية يأتي في إطار محاولات للتأثير على المشهد السياسي وإعادة تشكيل موازين القوى.

ورأى الفلاح أنه لا يمكن الحديث حتى الآن عن مبادرة أمريكية متكاملة المعالم أو وثيقة سياسية جاهزة للحل، بقدر ما يمكن وصف الأمر بأنه مسار أمريكي يهدف إلى جمع الأطراف الليبية المؤثرة والقوى الفاعلة على الأرض حول طاولة واحدة لمعالجة الملفات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية بصورة متوازنة.

وأضاف أن واشنطن طرحت مجموعة من الأفكار الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة والسلطة السياسية، الأمر الذي دفع بعض الأطراف الإقليمية إلى إبداء تحفظات ومخاوف دفعتها للمطالبة بضمانات إضافية، وهو ما أدى إلى توسيع دائرة المشاورات وإشراك مختلف الفاعلين في النقاشات الجارية.

ولفت الفلاح إلى أن جميع الأطراف المعنية أصبحت حاضرة في هذه الحوارات، حيث عرض كل طرف رؤيته ومخاوفه ومقترحاته بهدف الوصول إلى صيغة توافقية شاملة تنهي الانقسام وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.

وأكد أن الأزمة الليبية لا تتمحور حول برقة أو فزان أو خيارات القيادة العامة، معتبراً أن هذه الأطراف أعلنت مواقفها بصورة واضحة وتحظى بدعم مؤسسات تشريعية ومحلية واجتماعية وقبلية، ما يجعلها جزءاً أساسياً من أي مشروع وطني لتوحيد الدولة.

وأشار إلى استمرار التباينات داخل المنطقة الغربية بشأن آليات الحل والمسارات المطروحة، موضحاً أن عدداً من القوى السياسية والاجتماعية في طرابلس والزنتان والزاوية وغريان والجبل الغربي تسعى إلى ضمان حضورها في المرحلة المقبلة.

وأضاف أن ما يُقدَّم أحياناً باعتباره معارضة للمبادرة المطروحة لا يمثل رفضاً فعلياً لفكرة التسوية، وإنما يعكس رغبة مختلف الأطراف في الحصول على تمثيل مناسب داخل أي اتفاق سياسي مرتقب.

وأكد الفلاح أن المجتمع الدولي بات متفقاً على ضرورة توحيد مؤسسات الدولة الليبية، مع تركيز خاص خلال المرحلة الحالية على إعادة هيكلة السلطة السياسية والسلطة التنفيذية، مشيراً إلى أن إنهاء الأزمة أصبح أولوية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة وما يرتبط بها من ملفات أمنية واقتصادية.

وأوضح أن التوجه الدولي الراهن لا يركز على إجراء انتخابات في المدى القريب بقدر ما يركز على توحيد السلطة التنفيذية وإيجاد حكومة قادرة على إدارة الدولة بصورة فعالة، معتبراً أن موازين القوى على الأرض ستظل عاملاً حاسماً في أي معادلة سياسية مستقبلية.

كما تناول الفلاح الدور الذي يؤديه الفريق صدام حفتر في عدد من الملفات السياسية والأمنية والعسكرية، مؤكداً أنه أصبح طرفاً حاضراً في العديد من الاتصالات واللقاءات ذات الطابع الدولي والإقليمي.

وأوضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى التعامل مع القوى القادرة على تنفيذ الاتفاقات على الأرض، بدلاً من الاعتماد على أطراف سياسية أثبتت التجارب السابقة محدودية قدرتها على الوصول إلى تسويات مستدامة.

وأضاف أن التجارب التي مرت بها ليبيا منذ اتفاق الصخيرات مروراً بمسارات جنيف وغيرها أظهرت صعوبة تحقيق اختراق سياسي من خلال إشراك أعداد كبيرة من الأطراف المتباينة، مؤكداً أن الحل الواقعي يقوم على جمع القوى المؤثرة والقادرة على تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها.

وأوضح أن الاتفاقات الاقتصادية الأخيرة جاءت نتيجة تفاهمات بين ممثلين عن مجلس النواب والقيادة العامة من جهة، وممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة من جهة أخرى، ضمن مسار أوسع يشمل الملفات الأمنية والعسكرية والانتخابية وتوحيد السلطة التنفيذية.

ورأى الفلاح أن الدور الأمريكي يتمثل في جمع الأطراف الفاعلة وتوفير الضمانات اللازمة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، مشيراً إلى أن واشنطن لا تفرض حلولاً جاهزة أو مبادرات مكتوبة بقدر ما تعمل على تقريب وجهات النظر بين القوى المؤثرة.

وفيما يتعلق بتصريحات المبعوثة الأممية هانا تيتيه، قلل الفلاح من تأثير مواقفها الأخيرة، معتبراً أن ولايتها تقترب من نهايتها خلال الأشهر المقبلة، مشيراً إلى وجود نقاشات متداولة بشأن إمكانية عودة المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز لتولي المهمة مجدداً.

واختتم الفلاح تصريحاته بالتأكيد على أن الأولوية الوطنية يجب أن تتركز على إنهاء حالة الانقسام وتحقيق الاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة، مشيراً إلى وجود مؤشرات على تنامي الدعم الشعبي لمسارات السلام والتسوية في عدد من المدن الليبية، في ظل تطلع المواطنين إلى حلول عملية تنهي الأزمة الممتدة منذ سنوات وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى