اخبار مميزةليبيا

المسماري: المبادرة الأمريكية تجاوزت الطرح النظري واقتربت من مرحلة التنفيذ الفعلي

قال أستاذ القانون بالجامعات الليبية راقي المسماري، إن المبادرة الأمريكية المطروحة لمعالجة الأزمة الليبية تمثل تحولاً نوعياً مقارنة بالمبادرات السابقة، معتبراً أنها انتقلت من دائرة الطروحات السياسية والنظرية إلى التعامل المباشر مع الوقائع السياسية والاقتصادية والمؤسسية القائمة، الأمر الذي منحها زخماً متزايداً داخلياً وخارجياً، وجعلها، بحسب تقديره، أقرب المبادرات إلى التطبيق والتنفيذ على أرض الواقع.

وأوضح المسماري، خلال لقاء مع قناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن ليبيا تمر حالياً بالمرحلة الثالثة من مراحل الانتقال السياسي، مشيراً إلى أن استمرار الانقسام بين مناطق الشرق والجنوب من جهة، والسلطة التنفيذية المتمركزة في طرابلس من جهة أخرى، أعاد التأكيد على الحاجة الملحة لإعادة توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الازدواج الحكومي التي رافقت البلاد خلال السنوات الماضية.

وأضاف أن التجارب السياسية السابقة، بدءاً من اتفاق الصخيرات مروراً بمخرجات حوار تونس وجنيف، تضمنت نصوصاً قانونية وسياسية جيدة من حيث الصياغة والمضمون، إلا أنها افتقدت إلى آليات تنفيذ حقيقية، موضحاً أن بعثة الأمم المتحدة كانت الراعي الوحيد لتلك الاتفاقات دون وجود قوة دولية قادرة على فرض تنفيذها أو ضمان التزام الأطراف المختلفة بمخرجاتها.

وأشار إلى أن المبادرة الأمريكية انطلقت من النقطة التي توقفت عندها الجهود الأممية، وبشكل خاص ملف إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، لافتاً إلى أن حكومة الوحدة المؤقتة تمسكت بالاستمرار في السلطة ورفضت مختلف محاولات تغيير الحكومة، وهو ما أدى إلى تعثر جهود مجلسي النواب والدولة حتى خلال الفترات التي شهدت تقارباً سياسياً بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة خالد المشري.

وبيّن أن التعديل الدستوري الثاني عشر وتكليف حكومة فتحي باشاغا كانا محاولة لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، إلا أن تلك الخطوة واجهت رفضاً من رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، كما لم تحظَ باعتراف المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز، الأمر الذي أبقى الحكومة في موقعها رغم أن مهمتها الأصلية كانت مرتبطة بإجراء الانتخابات خلال فترة زمنية محددة.

وأوضح أن حكومة الوحدة المؤقتة دخلت عامها السادس، في وقت لا تزال فيه مناطق الشرق والجنوب تُدار وفق ترتيبات مختلفة عن السلطة التنفيذية المعترف بها دولياً، معتبراً أن هذا الواقع دفع المبادرة الأمريكية إلى تبني مقاربة أكثر واقعية تنطلق من إعادة تشكيل الحكومة ومعالجة الانقسام السياسي والمؤسسي القائم.

وحول توقيت إطلاق المبادرة، رأى المسماري أن من أبرز مميزاتها أنها لم تُطرح منذ البداية في شكل وثيقة تفصيلية مكتملة، وهي نقطة يعتبرها البعض موضع انتقاد، بينما يراها هو أحد عناصر قوتها، موضحاً أنها بدأت بتحقيق نتائج عملية وإنجازات ميدانية قبل الكشف عن كامل تفاصيلها السياسية.

وأشار إلى أن أولى خطوات المبادرة تمثلت في معالجة ملف الإنفاق المالي وتوحيده، لافتاً إلى أن المصرف المركزي دخل في تعاون مباشر مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية بهدف ضبط الإنفاق العام ومعالجة مظاهر الازدواج المالي التي أثرت على الاقتصاد الليبي خلال السنوات الماضية.

وأكد أن التوافق حول آليات ضبط الإنفاق يمثل خطوة مهمة نحو حماية المال العام وتعزيز الشفافية والانضباط المالي، موضحاً أن المبادرة أولت هذا الملف أهمية خاصة باعتباره من أبرز الاختلالات التي واجهت الدولة الليبية خلال المرحلة الماضية.

كما أوضح أن المبادرة ساهمت في إنتاج الطاولة المصغرة للحوار، مستشهداً بتصريحات المبعوثة الأممية هانا تيتيه بشأن تشكيل إطار تفاوضي محدود يضم أربعة ممثلين عن كل طرف، معتبراً أن هذا النموذج أكثر واقعية وقدرة على تحقيق نتائج مقارنة بمسارات الحوار الموسعة التي شهدتها السنوات السابقة.

وأضاف أن هذا المسار أسفر عن تفاهمات أولية تتعلق بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب فتح نقاشات جديدة حول القوانين الانتخابية وإمكانية إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة، أو التوجه نحو انتخابات برلمانية أولاً إذا تعذر التوافق بشأن الانتخابات الرئاسية.

ورأى أن هذه المرونة تمثل تطوراً مهماً مقارنة بالمبادرات السابقة التي اتسمت باتساع عدد المشاركين وهيمنة الأجسام السياسية التقليدية عليها، الأمر الذي حدّ من قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.

ورأى المسماري أن المبادرة الأمريكية جاءت لمعالجة اختلالات هيكلية في الدولة الليبية على المستويين الاقتصادي والمؤسسي، مشيراً إلى أن من بين أهدافها تعزيز ارتباط الاقتصاد الليبي بالمنظومة المالية الدولية وتطوير آليات الرقابة على حركة الأموال والتحويلات المالية.

وأوضح أن إعادة تشكيل مجلس إدارة المصرف المركزي وفق ترتيبات جديدة ساهمت في إعادة تنظيم العمل المالي والمصرفي، لافتاً إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية أصبحت تؤدي دوراً مؤثراً في متابعة التحويلات الخارجية والتعاملات المالية المرتبطة بالنظام المصرفي العالمي.

وأضاف أن هذه الترتيبات لا تخص ليبيا وحدها، بل ترتبط بطبيعة النظام المالي الدولي القائم على الدولار الأمريكي، مستشهداً باتفاقيات بريتون وودز التي أرست قواعد النظام النقدي العالمي الحديث، ومعتبراً أن التعامل مع هذه المعطيات يجب أن يتم من منظور واقعي بعيداً عن الخطابات التقليدية المتعلقة بالهيمنة الخارجية.

وفي سياق متصل، أكد المسماري أن المبادرة الأمريكية حققت تقدماً على المستويين الداخلي والخارجي، مشيراً إلى أن أغلب الليبيين باتوا يتطلعون إلى إنهاء الانقسام من خلال تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تضم مجلساً رئاسياً وحكومة واحدة قادرة على إدارة الدولة بصورة متماسكة.

ولفت إلى أن المعارضين للمبادرة يقتصرون، بحسب رأيه، على بعض أصحاب المصالح والجهات المستفيدة من استمرار الوضع القائم، بينما تتجه غالبية الليبيين نحو دعم أي مسار يفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة.

وعلى الصعيد الدولي، اعتبر المسماري أن سلسلة الاجتماعات والزيارات الدبلوماسية الأخيرة تعكس وجود توافقات إقليمية ودولية متزايدة لدعم المبادرة، مشيراً إلى الاجتماع الذي استضافته القاهرة وجمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا مع مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس، معتبراً أن هذا اللقاء يحمل دلالات مهمة بشأن حجم الدعم الإقليمي للمسار الجديد.

وأضاف أن التحركات المتبادلة بين المسؤولين المصريين والأتراك، إلى جانب الزيارات والاتصالات التي شملت اليونان وفرنسا ودولاً أخرى معنية بالملف الليبي، توحي بأن المبادرة وصلت إلى مراحل متقدمة من الصياغة والإعداد، وأن الإعلان عن مخرجاتها النهائية بات أقرب من أي وقت مضى.

كما أشار إلى أن هناك مبادرات أخرى طُرحت بالتوازي مع المبادرة الأمريكية، إلا أنه يرى أن معظمها جاء في إطار محاولة الحد من الزخم الذي حققته المبادرة الأمريكية، مؤكداً أن الأخيرة باتت تحظى بقبول متزايد حتى من جانب بعثة الأمم المتحدة.

واستشهد المسماري في هذا الإطار بتصريحات المبعوثة الأممية هانا تيتيه التي أكدت أن أي نجاح للمبادرة الأمريكية في إعادة تشكيل السلطة التنفيذية يمكن اعتباره استكمالاً للمسار الأممي، معتبراً أن ذلك يمثل اعترافاً عملياً بدورها وقدرتها على تحريك العملية السياسية.

وفي تقييمه للوضع داخل المنطقة الغربية، أوضح المسماري أن بعض التعقيدات السياسية والأمنية لا تزال قائمة، وأن هناك نقاشات مستمرة بشأن توزيع المناصب السيادية وترتيبات السلطة التنفيذية المقبلة، معتبراً أن المجتمعين الدولي والإقليمي يركزان حالياً على الوصول إلى صيغة تضمن قبول مختلف الأطراف بالمخرجات النهائية.

وأكد أن أحد أبرز التحديات يتمثل في قدرة الأطراف الفاعلة على فرض أي اتفاق وضمان تنفيذه عملياً، مشيراً إلى أن هذه القضية لا تزال محل نقاش ومعالجة ضمن الترتيبات النهائية للمبادرة.

كما لفت إلى أن عدداً من الدول، بينها تركيا وإيطاليا وفرنسا واليونان، تتابع التطورات الجارية باهتمام، مشيراً إلى أن بعض المراقبين والسياسيين الأتراك يرون أن القيادة العامة للقوات المسلحة تعد من أكثر الأطراف جاهزية للتعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة.

وأضاف أن المشكلة الرئيسية التي واجهت الحكومات الليبية خلال السنوات الماضية لم تكن في نقص النصوص القانونية أو القرارات الرسمية، بل في غياب أدوات تنفيذ القانون على أرض الواقع، معتبراً أن نجاح أي حكومة مستقبلاً يرتبط بامتلاكها مؤسسات قادرة على فرض هيبة الدولة وتنفيذ قراراتها.

وأشار إلى أن المبادرة الأمريكية اعتمدت منذ انطلاقها على تحقيق إنجازات متدرجة قبل الكشف عن كامل تفاصيلها، موضحاً أن هذا الأسلوب ساهم في تقليل الاعتراضات المبكرة وسمح ببناء توافقات عملية حول الملفات الأساسية.

وختم المسماري حديثه بالتأكيد على أن الرافضين للمبادرة يمثلون نسبة محدودة مقارنة بحجم التأييد الشعبي والرغبة العامة في إنهاء المرحلة الانتقالية، معتبراً أن المبادرة نجحت في إعادة ملف الانتخابات إلى واجهة المشهد السياسي بعد سنوات من الجمود، ومؤكداً أن نتائجها باتت قريبة وأنها تتجه نحو إرساء مرحلة انتقالية نهائية تمهد لبناء مؤسسات دائمة ومستقرة في ليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى