اخبار مميزةليبيا

الديباني: حكومة الوحدة لم تعد تستطيع التذرع بأنها ورثت وضعاً أمنياً معقداً

حمّل الباحث القانوني والمهتم بالشأن السياسي عبدالله الديباني حكومة الوحدة المسؤولية المباشرة عن التدهور الأمني الذي تشهده مدن الساحل الغربي، مؤكداً أنها لم تعد قادرة على تبرير الأوضاع الحالية بالحديث عن الإرث الأمني منذ عام 2011، بل أصبحت شريكاً في تكريس هذا الواقع من خلال توسيع نطاق التشكيلات المسلحة وتمويلها ومنحها الشرعية، الأمر الذي انعكس على أمن المواطنين واستقرار الدولة.

وقال الديباني، خلال لقائه مع قناة الوسط، رصدته صحيفة الساعة24، إن التطورات الأمنية الأخيرة في مدن الزاوية وصرمان وصبراتة كشفت بصورة واضحة الخلل في أداء التشكيلات المسلحة المعترف بها رسمياً، موضحاً أن الجهات التي خاضت الاشتباكات ليست مجموعات خارجة عن سلطة الدولة، وإنما تشكيلات أُنشئت برعاية الدولة وتحظى باعتراف رسمي، وهو ما يجعل الدولة، مسؤولة عن نتائج أفعالها وما ترتب عليها من أضرار طالت المدنيين.

وأضاف أن المواطنين، بمن فيهم النساء والأطفال، تعرضوا لمخاطر مباشرة نتيجة الاشتباكات وسقوط الرصاص والقذائف، معرباً عن أمله في سلامة جميع المتضررين، ومؤكداً أن ما حدث يعكس غياب الدولة بمفهومها الحقيقي، لأن الدولة التي تمنح الشرعية لتشكيلات غير منضبطة وغير ملتزمة بالأوامر تتحمل المسؤولية الكاملة عن تصرفاتها.

وأوضح أن حكومة الوحدة لم تعد تستطيع التذرع بأنها ورثت وضعاً أمنياً معقداً، مشيراً إلى أنها، على العكس من ذلك، ساهمت في زيادة عدد التشكيلات المسلحة، ومولت ظهور تشكيلات جديدة، معتبراً أن ذلك جاء في إطار محاولة هندسة المشهد السياسي وضمان البقاء في السلطة، لافتاً إلى ما أثير حول إنشاء أجهزة وتشكيلات أمنية متعددة خلال السنوات الأخيرة.

وأشار الديباني إلى أن مناطق الزاوية وصرمان وصبراتة أصبحت من أكثر المناطق التي تنتشر فيها أنشطة الجريمة المنظمة، بما في ذلك تهريب الوقود، والاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين، والاتجار بالمخدرات والأسلحة، موضحاً أن الموقع الجغرافي الممتد على الساحل الغربي والقرب من السواحل الأوروبية، ولا سيما إيطاليا ومالطا، أسهم في تنامي هذه الأنشطة الإجرامية.

وأكد أن حكومة الدبيبة لم تتمكن من فرض سيطرتها على الجهات التي منحتها الغطاء القانوني والتمويل، مشيراً إلى أن التشكيلات التي تتنازع اليوم فيما بينها هي نفسها التي حصلت على الاعتراف الرسمي والدعم المالي، في ظل غياب الرقابة والمساءلة، وهو ما أدى إلى استمرار البلاد في دائرة الانفلات الأمني.

وأضاف أن استمرار وجود هذه التشكيلات المسلحة خارج السيطرة يعني بقاء ليبيا عرضة لمزيد من الاشتباكات والأحداث الدامية، محذراً من أن المواطنين سيدفعون الثمن من أرواحهم وممتلكاتهم ما لم يُعالج هذا الملف بصورة جذرية.

واستشهد الديباني بالأحداث التي شهدتها العاصمة طرابلس خلال السنوات الماضية، معتبراً أنها كشفت فشل الترتيبات الأمنية التي أعلنتها الحكومة، مشيراً إلى وقوع اشتباكات داخل العاصمة أدت إلى تضرر ممتلكات المواطنين والمنشآت، وسقوط ضحايا، رغم تعهدات الحكومة بإحكام السيطرة على الوضع الأمني.

وأكد أن الحديث عن تعويض المتضررين أو جبر الضرر لا يعوض الخسائر الإنسانية، متسائلاً عن كيفية تعويض أسرة فقدت أحد أفرادها أو طفل فقد والده أو والدته، معتبراً أن الأرواح لا يمكن تعويضها، وأن الواجب الحقيقي يتمثل في منع تكرار مثل هذه المآسي.

وأشار إلى أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى انتقال الاضطرابات الأمنية إلى مناطق أخرى، بما في ذلك العاصمة طرابلس، موضحاً أن الزاوية وصرمان والعجيلات تقع جميعها ضمن نطاق جغرافي واحد يشهد توتراً متواصلاً، الأمر الذي يجعل احتمالات اتساع رقعة الاشتباكات قائمة في أي وقت.

وفي مقارنته بين الواقع الأمني في شرق البلاد وغربها، أوضح الديباني أن ما تحقق في برقة وفزان جاء نتيجة مشروع واضح لبناء مؤسسة عسكرية نظامية، نشأ استجابة للظروف الأمنية التي شهدتها البلاد، مشيراً إلى أن تلك التجربة قامت على توحيد القيادة العسكرية وتعزيز الانضباط داخل المؤسسات الأمنية.

وأضاف أن شرق البلاد شهد في بداياته أيضاً وجود تشكيلات مسلحة، إلا أن تطورات المشهد دفعت إلى بناء مؤسسة عسكرية موحدة تعمل وفق تسلسل قيادي واضح، مؤكداً أن هذا المسار أسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار داخل تلك المناطق.

وفي المقابل، رأى أن المنطقة الغربية لا تزال تعاني من تعدد التشكيلات المسلحة، سواء تلك التابعة لوزارة الداخلية أو الأجهزة الأمنية المستحدثة أو الجهات المرتبطة بالمجلس الرئاسي، معتبراً أن تعدد هذه الكيانات أدى إلى استنزاف المال العام دون تحقيق استقرار أمني حقيقي.

وأكد أن الفارق الجوهري بين التجربتين يتمثل في أن المؤسسة العسكرية في شرق البلاد تعمل وفق قيادة موحدة وأوامر واضحة تُنفذ بصورة منظمة، بينما تشهد المنطقة الغربية تحركات منفردة لتشكيلات مختلفة تستطيع إغلاق العاصمة أو الانتشار في شوارعها استجابة لقرارات قادتها، وهو ما يعكس غياب الدولة وسيادة المؤسسات.

وأشار إلى أن مشروع بناء المؤسسة العسكرية في الشرق، رغم ما قد يواجهه من تحديات، نجح في إرساء قدر من الاستقرار الأمني والاجتماعي في برقة وفزان، وهو ما يمنح المواطنين شعوراً بالأمان، خلافاً لما يعيشه سكان المنطقة الغربية الذين يواجهون باستمرار مخاوف اندلاع اشتباكات جديدة.

وأضاف أن المواطن في الغرب الليبي أصبح يشعر بالخوف حتى عند لجوئه إلى مراكز الشرطة لتقديم شكوى، إذ يخشى من نفوذ بعض التشكيلات المسلحة داخل مناطق نفوذها، معتبراً أن هذا الواقع يعكس ما وصفه بـ”قانون الغاب” بدلاً من سيادة القانون.

وأوضح أن انتشار المربعات الأمنية التابعة لتشكيلات مختلفة لا يعزز الأمن، بل يوسع نفوذ تلك الجهات ويكرس سلطتها على حساب مؤسسات الدولة، مؤكداً أن هذه الحالة تختلف تماماً عن واقع الاستقرار الذي تشهده مناطق برقة وفزان.

واختتم الديباني تصريحاته بالتأكيد على أن المواطن في مدن الزاوية وصرمان وصبراتة لا يبحث عن شعارات سياسية أو نقاشات نظرية حول الديمقراطية أو الحقوق، بقدر ما يتطلع إلى الشعور بالأمن والاستقرار وحماية حياته وأسرته وممتلكاته، معتبراً أن تحقيق هذا الهدف لن يكون ممكناً إلا من خلال إنهاء تعدد التشكيلات المسلحة، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة تخضع بالكامل لسلطة الدولة وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى