البوري: الأزمة الليبية أزمة منظومة وليست أزمة أشخاص

قال الباحث نعمان البوري إن من أكبر الأخطاء في ليبيا الاعتقاد بأن استبدال المسؤولين أو مجالس الإدارات أو الحكومات أو المحافظين كفيل بتغيير الواقع، بينما تبقى المنظومة التي يعملون داخلها كما هي.
وأوضح البوري في مقال رصدته صحيفة الساعة24، أن جزءًا كبيرًا من الأزمة الليبية لا يتعلق بالأشخاص، وإنما بمنظومة تشغيلية ومؤسسية تطورت عبر السنوات بطريقة جعلتها غير قادرة على إنتاج نتائج سليمة، مشيرًا إلى أن المسؤول الجيد والمخلص قد يجد نفسه عاجزًا عن تحقيق الإصلاح بسبب قواعد العمل داخل المنظومة.
وأضاف أن تعقيد الإجراءات، وعدم وضوح الصلاحيات، وغياب المساءلة، وتداخل الاختصاصات، وضعف الرقابة، وتضارب المصالح، تجعل من الصعب على أي مسؤول العمل بكفاءة مهما كانت قدراته.
وأشار البوري إلى أن المسؤول داخل المنظومة المختلة يجد نفسه أمام خيارين، إما التكيف معها والاستسلام لقواعدها، أو مقاومتها ومواجهة العزلة والعجز عن تنفيذ ما يريد، مؤكدًا أن المنظومة الفاسدة قد تدفع حتى الأشخاص الجيدين إلى التكيف مع قواعدها حتى يتمكنوا من البقاء والعمل.
وأكد أن تغيير شخص واحد داخل منظومة مختلة قد يعطي انطباعًا بحدوث تغيير، لكنه لا يعني أن شيئًا جوهريًا تغير في طريقة إدارة المؤسسة، موضحًا أن المشكلة لا تكمن فقط في هوية الشخص الذي يجلس على الكرسي، وإنما في قدرة النظام الذي يعمل داخله على تمكينه من النجاح وتحقيق النتائج.
ودعا البوري إلى إعادة النظر في كيفية اتخاذ القرارات وتوزيع الصلاحيات والمحاسبة وقياس النتائج واختيار القيادات والتعيينات وإدارة الأموال العامة ومنع تضارب المصالح وتطبيق القوانين.
وشدد على أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق باستبدال الأشخاص فقط، وإنما بإعادة هندسة المؤسسات وتغيير قواعد عملها بما يجعل المسؤول الكفء قادرًا على النجاح ويجعل الفساد أكثر صعوبة، والانتقال من منظومة تعتمد على الأشخاص والعلاقات والنفوذ إلى منظومة تعتمد على القانون والمؤسسات والكفاءة والشفافية والمساءلة.
وقال البوري إن ليبيا لا تحتاج إلى «شخص خارق»، بل إلى نظام يجعل المسؤول العادي الكفء قادرًا على أداء عمله بصورة صحيحة، ويضمن استمرار المؤسسة بعيدًا عن الأشخاص، مؤكدًا أن الخروج من الأزمة يتطلب الانتقال من سياسة تغيير الأشخاص إلى إعادة تصميم طريقة تشغيل مؤسسات الدولة وبناء مؤسسات واضحة الاختصاصات تعتمد في قراراتها على البيانات والكفاءة.
وأضاف أن إعادة بناء المنظومة تتطلب مؤشرات واضحة لقياس الأداء، ومساءلة حقيقية، ورقابة فعالة، وإدارة مالية شفافة، وقضاء محترم ومستقل، واختيار القيادات على أساس الكفاءة، مؤكدًا أن تغيير المسؤولين مع الإبقاء على القواعد والإجراءات ومراكز النفوذ وطريقة اتخاذ القرار نفسها لا يتجاوز تغيير الواجهة دون إحداث تغيير حقيقي في الواقع.
واختتم البوري بالتأكيد على أن ليبيا لا تعاني فقط من نقص الأشخاص الجيدين، وإنما من منظومة لا تسمح لهم بالعمل وتحقيق النتائج، مشددًا على أن المعركة الحقيقية هي إعادة بناء هذه المنظومة، وأن إصلاحها سيمكّن المسؤول الجيد من النجاح، بينما استمرارها بالشكل نفسه سيؤدي إلى ابتلاع الأشخاص واحدًا تلو الآخر.









