اخبار مميزةليبيا

وديع: المبادرة الأمريكية تمتلك أدوات الضغط الميداني لتنفيذها

قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية مخلوف وديع إن تعدد المسارات التي طرحتها المبعوثة الأممية إلى ليبيا أصبح يشكل عاملاً معطلاً أمام إيجاد حل للأزمة، مشيراً إلى أن المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى التوصل إلى حل مستدام يمر عبر عملية سياسية تتضمن انتخابات يختار فيها الليبيون ممثليهم بأنفسهم، بالتوازي مع الحد من التدخلات الخارجية التي أسهمت في إذكاء الصراعات داخل البلاد.

وأوضح وديع في تصريحات على قناة “الجزائرية الدولية، رصدتها صحيفة الساعة 24، ” أن العوامل المعطلة للأزمة لا تقتصر على تعدد المبادرات، وإنما تشمل أيضاً العديد من الفواعل الخارجية التي تسعى إلى تحصين مصالحها داخل ليبيا، باعتبارها دولة نفطية تمتلك موارد كبيرة من الطاقة أصبحت محل أطماع، لافتاً إلى أن الاهتمام لم يعد يقتصر على الموارد النفطية، وإنما امتد إلى تأمين مسارات الطاقة الليبية بحكم الموقع الجيوسياسي القريب من الدول الأوروبية، وما يتيحه ذلك من فرص لتصدير المنتجات النفطية الليبية إلى الأسواق الأوروبية.

وأشار إلى وجود فواعل داخلية تسعى بدورها إلى الحفاظ على مواقعها واستمرار نفوذها داخل ليبيا ومؤسساتها، موضحاً أن هذا النفوذ يأخذ أشكالاً سياسية واقتصادية، من خلال السيطرة على موارد الطاقة وقضايا أخرى، مستشهداً بالهجمات التي تعرضت لها منشآت نفطية في ليبيا بواسطة طائرات مسيرة خلال الأسبوع الماضي.

وأضاف أن النفوذ يمتد أيضاً إلى الجانب المجتمعي، باعتبار أن ليبيا دولة ذات تركيبة قبلية، موضحاً أن هناك رغبة لدى أطراف مختلفة في تعزيز نفوذها والتموقع داخل البنية القبلية والاجتماعية في البلاد.

وقال وديع إن تعدد المسارات في ليبيا يشمل المسار الأممي، إلى جانب مسارات أخرى، من بينها خطة مسعد بولس، التي وصفها بأنها خطة أمريكية تركز على البعدين الأمني والاقتصادي، في حين يركز المسار الأممي بصورة أساسية على البعد السياسي، من خلال السعي إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، معتبراً أن جوهر المبادرة الأممية يتمثل في تنظيم الانتخابات.

وأكد أن العديد من العوامل الداخلية والخارجية تعرقل حل الأزمة الليبية، التي استمرت منذ نحو 15 عاماً، منذ عام 2011 وحتى اليوم، مشيراً إلى أن البلاد لا تزال في مرحلة إدارة الأزمة ولم تتمكن بعد من ضبط مختلف العوامل والعناصر التي يمكن أن تقود إلى حل مستدام.

وأوضح وديع أن الأمم المتحدة لا تزال قادرة على أن تكون إطاراً لإيجاد حل للأزمة الليبية، إلا أن هناك خلافات وصعوبات كبيرة داخل ليبيا، مشيراً إلى أن أحد العناصر الجوهرية في المبادرة الأممية يتعلق بتنظيم الانتخابات، التي تشهد خلافات كبيرة بين الفرقاء الليبيين بشأن صلاحيات المجلس التشريعي الذي سينتج عنها، والجهة التي ستشرف على العملية الانتخابية.

وأضاف أن هناك إشكالية جوهرية أخرى تتمثل في تحديد ما إذا كانت الانتخابات ستكون بداية لتوحيد المؤسسات أم نتيجة لمسار يسبقها توحيد المؤسسات، أو أن الانتخابات نفسها ستشكل عاملاً من عوامل توحيدها، مؤكداً أن هذا التباين يعكس حجم الخلافات بشأن المبادرة الأممية.

ولفت وديع إلى أن المبادرة الأممية تفتقر، مقارنة بالمبادرة الأمريكية، إلى أدوات الضغط الميداني، خصوصاً أن الفرقاء الليبيين يتمتعون بمواقع ونفوذ سياسي يسعى كل طرف إلى المحافظة عليه بما يخدم مصالحه الخاصة على حساب المصلحة العامة.

وأضاف أن هناك سعياً حثيثاً للمحافظة على الموارد الاقتصادية والثروة النفطية، التي تمثل أهم إيرادات الدولة الليبية، فضلاً عن إمكانية تعطيل هذه الإيرادات واستخدامها أداة للتفاوض بين مختلف الفرقاء.

واستشهد وديع بأزمة رئاسة مصرف ليبيا المركزي عام 2024، موضحاً أن الأمم المتحدة تدخلت آنذاك من أجل إيجاد مرشح توافقي، إلا أن الأزمة خلفت تداعيات كبيرة أدت إلى توقف إيرادات النفط في مختلف أنحاء ليبيا، وليس في طرف دون آخر.

ورأى أن التحدي الأساسي أمام المبادرة الأممية يتمثل في توحيد مؤسسات الدولة الليبية، بما يشمل المؤسسات التي تتمتع بصلاحيات في المجال التشريعي وتنظيم العملية الانتخابية، إلى جانب توحيد المؤسسات الأمنية، في ظل التجاذبات والتدخلات وإذكاء الصراعات داخل ليبيا.

وأوضح أن استمرار هذه الصراعات لا يقتصر تأثيره على الداخل الليبي، وإنما يمتد إلى محيط البلاد، في ظل وجود بؤر توتر متعددة في المنطقة، من بينها السودان ومنطقة الساحل، بما قد يجعلها مصدراً لمخاطر على الأجهزة الأمنية داخل ليبيا ويؤثر سلباً في مسار الأزمة.

وقال إن التحديات أمام المبادرة الأممية كبيرة، وكذلك الخلافات بين الأطراف، مشيراً إلى أنه رغم قرار مجلس الأمن رقم 2009 الصادر عام 2011، والذي أنشأ بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فإن الأمم المتحدة لا تزال تمتلك أحقية كبيرة في المساهمة في إيجاد حل للأزمة، بالاستناد إلى عناصر عقلانية يمكن أن تساعد في الوصول إلى تسوية.

وأشار وديع إلى أن من بين التحديات أيضاً غياب الإرادة السياسية لدى مختلف الأطراف الليبية للوصول إلى حل توافقي، موضحاً أن كل طرف يريد الحفاظ على موقعه في النظام السياسي الليبي، رغم حالة التفرق والانقسام بين الشرق والغرب، كما يسعى الجميع إلى المحافظة على مواقعهم ومواردهم الاقتصادية.

وشدد وديع على أهمية عدم الفصل بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والمجتمعية عند قراءة الأزمة الليبية، مؤكداً أن البعد المجتمعي حاضر بقوة نظراً إلى الطبيعة القبلية للمجتمع الليبي، حيث تسعى كل قبيلة إلى تعزيز نفوذها وموقعها داخل البلاد، وهو ما لا يمكن استبعاده عند محاولة إيجاد حل سياسي للأزمة.

وأكد أن التدخلات الخارجية تمثل عاملاً سلبياً في مسار الأزمة، من خلال تقديم الدعم للأطراف الليبية في صراعها للسيطرة على الموارد، وضمان مصالح الجهات الخارجية داخل ليبيا عبر دعم طرف ليبي في مواجهة طرف آخر، مشيراً إلى أن ذلك يظهر بصورة واضحة في الانقسامات القائمة بين شرق ليبيا وغربها.

وفي هذا السياق، شدد وديع على أن الأولوية في ليبيا يجب أن تكون لتوحيد مؤسسات الدولة قبل إجراء الانتخابات، محذراً من أن تنظيم الانتخابات في ظل غياب توافق وطني حول المؤسسات المشرفة عليها قد يؤدي إلى تأجيج الصراع بدلاً من حله.

وأوضح أن نتائج أي انتخابات تفرز رابحاً وخاسراً، ولا سيما في الحالة الليبية، ما يفرض توحيد المؤسسات أولاً لتجنب الطعن في النتائج أو الاعتراض عليها والدخول في صراع جديد بين الأطراف، مؤكداً ضرورة أن تكون المؤسسات الليبية موحدة وتحظى بتوافق مختلف الفرقاء.

وأضاف أن التركيز على المسارين المتوازيين، وهما توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات، كما جاء في طرح المبعوثة الأممية إلى ليبيا، ستكون له، بحسب تقديره، محدودية في إيجاد حل للأزمة أو تجنب الصراع وإذكائه بين الأطراف الليبية، مشدداً على أن توحيد المؤسسات ينبغي أن يسبق العملية الانتخابية.

وأكد وديع أن الحل في ليبيا بيد الليبيين أنفسهم، من خلال تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية، مشيراً إلى أن أحد العناصر الأساسية التي تنقص جهود حل الأزمة يتمثل في تحقيق المصالحة بين الأطراف الليبية.

وأوضح أن مصدر الأزمة يعود إلى المواجهة المسلحة بين معارضي نظام معمر القذافي ومواليه، وما ترتب على تلك المواجهة من تداعيات لا تزال تؤثر في المشهد الليبي، معتبراً أن البلاد تحتاج اليوم إلى مصالحة وطنية، على غرار تجارب المصالحة التي شهدتها الجزائر ومناطق أخرى من العالم.

ودعا إلى الاستفادة من المقاربة الجزائرية القائمة على دعم الحلول الإفريقية في مواجهة التدخلات الخارجية، معتبراً أن هذه التدخلات في ليبيا تمثل عاملاً في إذكاء الصراع، وليست عنصراً مساعداً على إيجاد حل مستدام للأزمة.

وقال إن ليبيا بلد شقيق، وإن الأطراف الليبية معنية بالوصول إلى حل، إلا أن القوى الخارجية تنظر إلى الأزمة من زاوية مصالحها، ولا سيما ما يتعلق بموارد الطاقة والثروات الليبية، معتبراً أن الهدف من هذه التدخلات يتمثل في استغلال هذه الموارد وتحقيق المصالح الخاصة، وليس إيجاد حل أو توافق بين الأطراف الليبية بما يحقق المصلحة الوطنية.

وأضاف وديع أن ليبيا كلما أحرزت تقدماً باتجاه إيجاد حل للأزمة، ظهرت أحداث مأساوية تسهم في تكريس تصاعد التجاذبات والخلافات الداخلية، معتبراً أن التطورات الأخيرة تعكس استمرار الصراع على المستويين السياسي والاقتصادي.

وأوضح وديع أن البعد الاقتصادي يمثل أحد المحاور الأساسية في الأزمة، مشيراً إلى استقالة مدير مصرف ليبيا المركزي، وما تحمله هذه الخطوة من دلالة، بحسب تقديره، على وجود رغبة وسعي لتعطيل موارد الدولة الليبية، باعتبار أن الاقتصاد الليبي يعتمد بصورة رئيسية على قطاع الطاقة والإيرادات التي يديرها مصرف ليبيا المركزي ويتولى تنظيم تدفقها من وإلى البلاد.

وأضاف أن تعطيل عمل المصرف المركزي يعني تعطيل جانب كبير مما تعتمد عليه الدولة في المجال الاقتصادي، مشيراً كذلك إلى استهداف المنشآت النفطية في منطقة الزاوية، معتبراً أن مثل هذه الهجمات تفتح المجال أمام مزيد من الاستقطاب والتوتر، وتمثل في الوقت نفسه رسائل موجهة إلى أطراف أخرى في إطار التوازنات الداخلية الليبية، من خلال استهداف أحد أهم موارد الدولة.

وقال إن كل تطور إيجابي باتجاه إيجاد حل للأزمة يقابله، في كثير من الأحيان، تصاعد في التجاذبات والتركيز على البعد الأمني داخل ليبيا، موضحاً أن هناك أطرافاً داخلية لديها مصالح كبيرة في استمرار الوضع القائم وعدم الانتقال إلى حل سلمي يستند إلى الانتخابات.

وأشار وديع إلى أن الانتخابات تعني وجود فائز وخاسر، وأن صندوق الاقتراع يفترض أن يكون الفيصل في تحديد النتائج، إلا أن المصالح القائمة في ليبيا، بحسب تقديره، لا تؤمن بأن صندوق الاقتراع يمثل الفيصل النهائي في تحديد الربح والخسارة.

وأوضح أن الخسارة بالنسبة إلى بعض الأطراف لا تقتصر على فقدان الموقع السياسي، وإنما تمتد إلى الموارد الاقتصادية ومختلف شبكات النفوذ والعلاقات مع قوى خارجية يمكن أن توفر دعماً أساسياً للمكانة السياسية داخل ليبيا.

وأكد وديع أن تعقيد الأزمة الليبية نتيجة تداخل التجاذبات السياسية والاقتصادية والمجتمعية يمثل عاملاً أساسياً في استمرار الصراعات، محذراً من أن استمرار محاولات تعطيل الوصول إلى حل قد يؤدي إلى تصاعد هذه الصراعات خلال الفترة المقبلة.

وقال إن ليبيا، على المدى القريب والمتوسط، تتجه إلى استمرار إدارة الأزمة، التي بدأت منذ عام 2011 وتمتد لنحو 15 عاماً، معتبراً أنه لا توجد حتى الآن إرادة سياسية كافية للوصول إلى حل مستدام.

وفيما يتعلق بالمبادرة الأممية، أوضح وديع أن الأمم المتحدة توفر إطاراً لتقريب وجهات النظر ومحاولة إيجاد حل للأزمة، إلا أن مبادرتها تفتقر إلى أدوات الضغط الميداني على مختلف الأطراف الليبية، في مقابل حجم التحديات والمصالح الكبيرة التي تحيط بالفرقاء الليبيين وبالفواعل الخارجية المؤثرة في البلاد.

وأشار وديع إلى وجود مسار آخر يتمثل في المبادرة الأمريكية، التي وصفها بمبادرة بولس، موضحاً أنها تركز على البعدين الأمني والاقتصادي، وتمتلك، بخلاف المبادرة الأممية، قدراً أكبر من أدوات الضغط الميداني على مختلف الفرقاء الليبيين.

واعتبر أن المبادرة الأمريكية قد تمثل، إلى حد ما، بديلاً للمقاربة الأممية من حيث قدرتها على إلزام الأطراف الليبية، لكنه أكد أنها لن تكون قادرة بمفردها على الوصول إلى حل مستدام للأزمة.

وأضاف أن المسار الأممي سيعود، عاجلاً أم آجلاً، إلى الواجهة باعتباره المسار المعني بإيجاد حل سياسي وتنظيم انتخابات في ليبيا، بحيث يكون القرار في النهاية لليبيين أنفسهم.

وشدد وديع على أن أحد العوامل الأساسية لنجاح أي مسار نحو الحل يتمثل في استبعاد التدخلات الخارجية في ليبيا، معتبراً أن هذه التدخلات تسعى إلى تكريس مصالح خارجية على حساب المصالح الداخلية الليبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى