بدر: التقارب المصري – التركي من مصلحة ليبيا والوقت بدأ ينفد

قال الدبلوماسي وعضو البعثة الليبية لدى الأمم المتحدة في جنيف سابقاً أيمن بدر إن التقارب المصري التركي بشأن ليبيا يمثل مصلحة مباشرة لليبيين، معتبراً أن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى طرابلس ثم بنغازي والقاهرة تحمل رسالة واضحة مفادها أن أنقرة باتت تتعامل مع مختلف الأطراف الليبية وتسعى إلى بناء علاقات سياسية واقتصادية مع الجميع، بالتوازي مع تحركها لتنسيق مواقفها مع القاهرة باعتبارها طرفاً مؤثراً في المشهد الليبي.
وأوضح بدر، في لقاء مع قناة الوسط، ورصدته “الساعة 24” أن تركيا كانت تُصنف سابقاً باعتبارها طرفاً داعماً لمعسكر غرب ليبيا، بينما كانت مصر تُعد أقرب إلى معسكر الشرق، إلا أن المشهد الإقليمي خلال الفترة الأخيرة شهد تحولاً في طبيعة العلاقات والمصالح، مع اتجاه أنقرة إلى الانفتاح على جميع الأطراف الليبية وعدم حصر علاقاتها بطرف واحد.
وأشار إلى أن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى طرابلس ثم انتقاله إلى بنغازي قبل توجهه إلى القاهرة، تحمل رسالة سياسية واضحة إلى المنطقة الغربية مفادها أن تركيا لن تبني علاقاتها المستقبلية في ليبيا مع طرف واحد فقط، وإنما ستتعامل مع مختلف الأطراف وعلى مسافة متقاربة، بما يتيح لها حماية مصالحها السياسية والاقتصادية.
وأضاف أن زيارة القاهرة بعد بنغازي تحمل بدورها أهمية خاصة، لأن مصر تمثل لاعباً رئيسياً في الملف الليبي وتمتلك تأثيراً مباشراً في الأوساط السياسية والعسكرية في شرق البلاد، مؤكداً أن التحرك التركي يوحي بإمكانية وجود تعاون مصري تركي يساعد الليبيين على الخروج من حالة الانقسام.
ورأى بدر أن المجتمع الدولي والدول الإقليمية باتت تدرك أن الوقت بدأ ينفد أمام الليبيين، مستشهداً بما ورد في إحاطة المبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن، عندما أشارت إلى دخول ليبيا مرحلة حاسمة، معتبراً أن المرحلة الحالية حاسمة يعني من الناحية السياسية أن هامش الوقت المتاح أمام الأطراف الليبية بدأ يضيق.
وأضاف أن بريطانيا وفرنسا وعدداً من الدول الأخرى أرسلت رسائل مماثلة عقب الإحاطة الأممية، وهو ما يعكس وجود قناعة دولية بضرورة الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حلها.
وشدد على أن التقارب المصري التركي يصب في مصلحة ليبيا، لأن الانقسام الحالي جعل كل طرف ليبي يحاول الاستناد إلى دولة خارجية يثق بها ويراها قادرة على حماية رؤيته ومصالحه، وهو ما عمق الاستقطاب وأبقى الأزمة تراوح مكانها.
وقال إن ليبيا لم تعد تحتمل استمرار هذا النهج، داعياً الأطراف إلى وضع خلافاتها جانباً والنظر إلى المصلحة الوطنية، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي لن يؤدي فقط إلى بقاء الانقسام السياسي، بل بدأ ينعكس بشكل واضح على الأوضاع الاقتصادية والمالية.
وأشار في هذا السياق إلى استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، معتبراً أن مثل هذه التطورات تمثل مؤشرات خطيرة على عمق الأزمة، وأن البلاد بحاجة إلى حل واقعي ومنطقي، وليس مجرد رفض المقترحات القائمة دون تقديم بديل قابل للتطبيق.
وأوضح بدر أن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية سلسلة من المبادرات الأممية، من لجنة العشرة إلى الحوارات اللاحقة ولجنة «4+4»، إضافة إلى التحركات الأمريكية، مؤكداً أن وصف أي طرح بأنه «مبادرة» يجب أن يكون مرتبطاً بوجود وثيقة مكتوبة ومعالم واضحة وخطوات محددة، وهو ما يراه ضرورياً عند الحديث عن أي مبادرة سياسية جديدة.
وفيما يتعلق بإمكان تعديل واشنطن لمقاربتها نتيجة التطورات الأمنية الأخيرة في الشرق والغرب، شدد بدر على ضرورة قراءة المشهد بعيداً عن المجاملة السياسية، وقال إن السؤال الأساسي هو من المسؤول عن إفساد الحياة السياسية في ليبيا؟ وكيف وصلت البلاد إلى هذا الوضع؟
وأوضح أن ليبيا أجرت انتخابات في عام 2012، ورغم عدم اعتبارها مثالية من حيث النزاهة فإنها مثلت تجربة سياسية ناجحة قادت إلى انتخاب المؤتمر الوطني العام وإدارة مرحلة انتقالية حتى عام 2014.
وأضاف أنه في عام 2014 ظهرت دعوات لرفض تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام وإجراء انتخابات جديدة، وهو ما حدث بالفعل بانتخاب مجلس النواب، إلا أن فئة من الإسلام السياسي رفضت الخروج من السلطة، وتمسكت بمجموعات مسلحة، ما أدى إلى اندلاع «فجر ليبيا» وانقسام مؤسسات الدولة، وانتقال مجلس النواب إلى طبرق وتشكيل حكومة عبدالله الثني في البيضاء، بالتوازي مع حكومة الإنقاذ في طرابلس.
ورأى بدر أن هذا الانقسام كان نقطة تحول أساسية في مسار الأزمة الليبية، وأن المشهد السياسي الذي تعيشه البلاد اليوم يمثل نتيجة مباشرة لتلك المرحلة التي بدأت منذ عام 2014.
وأشار إلى أن اتفاق الصخيرات جاء لاحقاً وفرض ترتيبات سياسية جديدة، من بينها إشراك أطراف لم تكن تمتلك الشرعية الانتخابية التي أفرزتها انتخابات مجلس النواب، الأمر الذي أدى إلى إعادة إنتاج حالة الانقسام بدلاً من إنهائها.
وتساءل عن إمكانية إجراء انتخابات في ظل استمرار الانقسام الحكومي والمؤسساتي ووجود المال السياسي، وضعف مؤسسات الدولة، خصوصاً في المنطقة الغربية، معتبراً أن البيئة الحالية لا توفر الشروط المثالية لإجراء انتخابات نزيهة ومستقرة.
وفي حديثه عن التطورات الأمنية الأخيرة، أشار بدر إلى حادثة اغتيال الفريق فوزي المنصوري في بنغازي ومذكراً بدوره في مواجهة التنظيمات الإرهابية في درنة وبنغازي وسرت، معتبراً أن فقدان شخصيات شاركت في محاربة الإرهاب يمثل خسارة للدولة.
وأكد أن المدن الليبية التي واجهت الإرهاب في مراحل سابقة اضطرت إلى الاعتماد على قوات عسكرية وأمنية محلية بسبب غياب السلطة المركزية القادرة على حمايتها، مستذكراً تجربة درنة وبنغازي وسرت في مواجهة تنظيم داعش والجماعات المتطرفة.
وأضاف أن العمليات التي نفذتها قوات «البنيان المرصوص» ضد تنظيم داعش في سرت كانت محل ترحيب ودعم، مؤكداً أن موقفه من أي قوة عسكرية يجب أن يُقاس بقدرتها على الدفاع عن ليبيا ومواجهة الإرهاب، وليس بانتمائها الجغرافي أو السياسي.
وشدد بدر على أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو وجود قوة قادرة على فرض القانون وتحقيق الأمن والاستقرار، وليس مجرد الاتفاق على شخصية بعينها، موضحاً أن الظروف القائمة قد تفرض التعامل مع شخصيات محددة بسبب الواقع الذي تشكل على الأرض.
وأوضح أن الهدف بالنسبة إليه ليس اختيار قائد عسكري أو سياسي بعينه، وإنما الوصول إلى شخص أو مؤسسة قادرة على فرض القانون ووقف الفوضى، مؤكداً أن استمرار الانقسام الحالي يضر بالليبيين جميعاً.
وقال إن المواطن الليبي يعيش اليوم أوضاعاً معيشية صعبة، تتمثل في أزمات الوقود والكهرباء والمياه، وحتى صعوبة الحصول على بعض الاحتياجات الأساسية، محذراً من أن استمرار هذه الظروف سيؤدي إلى نتائج أكثر خطورة على مستقبل البلاد.
ودعا الليبيين إلى تقديم تنازلات متبادلة والتخلي عن منطق «أنا ومن بعدي الطوفان»، مؤكداً أن استمرار الخلاف بين الأطراف سيؤدي إلى انتقال الأزمة إلى الأجيال المقبلة، التي ستتساءل عن أسباب عجز الليبيين عن الاتفاق رغم امتلاك البلاد موارد وإمكانات كبيرة.
وفيما يتعلق بالتدخلات الخارجية، أشار بدر إلى أن نفوذ الدول الإقليمية والدولية في ليبيا أصبح واقعاً لا يمكن إنكاره، معتبراً أن غياب المؤسسات والدستور والدولة الموحدة خلال سنوات ما بعد ثورة فبراير جعل البلاد أكثر عرضة للتدخلات الخارجية.
وقارن بين ليبيا ودول أخرى شهدت احتجاجات وثورات في المنطقة، مشيراً إلى أن مصر وتونس، رغم تعقيدات تجربتيهما، حافظتا بدرجات مختلفة على وجود مؤسسات الدولة، بينما واجهت ليبيا ضعفاً مؤسسياً وانقساماً سياسياً وأمنياً واسعاً.
وأكد أن الليبيين كانوا يتطلعون بعد 2011 إلى بناء نموذج دولة ناجحة شبيه بالدول التي استطاعت تحويل ثرواتها إلى تنمية واستقرار، لافتاً إلى أن المواطن في النهاية لا ينشغل فقط بهوية من يحكم، وإنما بكيفية إدارة الدولة والاستفادة من مواردها وتحسين ظروف معيشته.
وشدد بدر على أن الليبيين بحاجة إلى تجاوز الصراعات على السلطة والمناصب، والتركيز على إقامة دولة توفر الأمن والخدمات وتحافظ على ثرواتها، مشيراً إلى أن نجاح أي تسوية سياسية لن يقاس فقط بمن يشغل المناصب، وإنما بقدرتها على إنهاء الانقسام وتحسين حياة المواطنين.
وفي ختام حديثه، أكد أن التقارب المصري التركي والتحركات الدولية والإقليمية يمكن أن تشكل فرصة أمام ليبيا، لكن نجاحها سيظل مرهوناً بإرادة الليبيين أنفسهم في التوصل إلى تفاهمات داخلية، والاستفادة من الدعم الخارجي دون السماح بتحويل البلاد إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين، داعياً إلى حل واقعي يضع مصلحة الدولة والمواطن فوق الحسابات السياسية والشخصية.









