اخبار مميزةليبيا

الجبو: إحباط الشباب وتدهور الأوضاع الاقتصادية يدفعان الليبيين إلى الهجرة

حذّر الخبير الاقتصادي وحيد الجبو من تفاقم أزمة هجرة الشباب والكفاءات الليبية، مرجعًا أسبابها إلى مجموعة متشابكة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، في مقدمتها البطالة، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف القطاع الخاص، وتردي الخدمات، وغياب مشروعات التنمية، إلى جانب حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي التي تعيشها البلاد.

وقال الجبو في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” رصدتها صحيفة الساعة 24، إن معالجة ملف الشباب لا يمكن أن تقتصر على إنشاء وزارة أو مؤسسة مختصة بهم، مؤكدًا أن القضية أكبر من ذلك بكثير، وتتطلب إصلاحًا اقتصاديًا شاملًا يخلق فرص العمل ويوفر للشباب حياة كريمة ويعيد بناء الثقة بينهم وبين الدولة.

وأوضح أن الأسباب الاقتصادية تأتي في مقدمة دوافع الهجرة، في ظل ارتفاع معدلات البطالة والتضخم الوظيفي في القطاع العام، مشيرًا إلى أن ليبيا تضم أكثر من 2.5 مليون موظف، وهو ما يجعل استيعاب عشرات الآلاف من الخريجين الجدد سنويًا في الوظائف الحكومية أمرًا بالغ الصعوبة.

وأضاف أن القطاع الخاص، رغم أهميته، لا يزال محدودًا ولا يمتلك القدرة على استيعاب نسبة كبيرة من الخريجين، فضلًا عن وجود فجوة بين مخرجات التعليم الجامعي والفني واحتياجات سوق العمل، الأمر الذي يزيد صعوبة انتقال الشباب من التعليم إلى سوق العمل.

وأشار الجبو إلى أن جزءًا من الشباب الليبي يعزف عن بعض المهن، خصوصًا أعمال البناء والتشييد والنظافة والخدمات والمطاعم والمقاهي، لأسباب اجتماعية ونفسية مرتبطة بنظرة المجتمع إلى هذه الأعمال، ما أتاح للعمالة الأجنبية، ولا سيما الأفريقية، الاستحواذ على جزء كبير من هذه الوظائف.

ولفت إلى أن هذه النظرة بدأت تتغير تدريجيًا، مع دخول عدد من الشباب الليبيين إلى قطاعات المطاعم والفنادق والخدمات، لكنه شدد على أن المشكلة لا تزال قائمة، وأن توفير فرص عمل حقيقية يتطلب توسيع قاعدة الاقتصاد وتنويع النشاط الإنتاجي.

ورأى الجبو أن الأوضاع الأمنية والحروب التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية أسهمت بصورة مباشرة في تعميق أزمة الشباب، مشيرًا إلى أن شريحة واسعة منهم كانت من أكثر الفئات تضررًا من الصراعات، كما جرى استغلال بعضهم في التشكيلات المسلحة ليكونوا وقودًا للحروب.

وقال إن تراكم البطالة والفقر وانعدام الأفق يدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم عبر الهجرة غير النظامية، موضحًا أن الشاب الذي لا يجد وظيفة أو مسكنًا أو وسيلة نقل أو مصدر دخل ثابت قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأنه لا يملك ما يخسره.

وأضاف أن ارتفاع أسعار المساكن والسيارات، مقارنة بمستويات الدخول، جعل تأسيس الأسرة والحصول على مسكن أو وسيلة نقل أمرًا بالغ الصعوبة، مشيرًا إلى أن أسعار بعض الشقق تصل إلى مئات الآلاف من الدنانير، في حين لا يتجاوز دخل كثير من الموظفين بضعة آلاف من الدنانير شهريًا.

وأكد الجبو أن المشكلة الاقتصادية في ليبيا ترتبط كذلك باعتماد الدولة شبه الكامل على النفط، محذرًا من أن استمرار الاقتصاد على هذا النحو يمثل خطرًا على الأجيال المقبلة.

وقال إن النفط مورد ناضب، وإن البلاد مطالبة باستغلال عائداته خلال الفترة المتاحة لإقامة مشروعات إنتاجية مستدامة في الزراعة والصناعة والسياحة والتجارة العابرة وتطوير الموارد البشرية، بدلًا من تبديد الإيرادات النفطية في الاستهلاك والإنفاق الجاري.

وانتقد ما وصفه بالتخبط المالي والإداري والفساد، معتبرًا أن ذلك أسهم في تعطيل مشروعات التنمية والحد من قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة.

وأشار إلى أن ليبيا، رغم ثروتها النفطية، ما تزال اقتصادًا استهلاكيًا يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ولا تمتلك حضورًا إنتاجيًا قويًا في قطاعات أساسية مثل الغذاء والصناعة، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية للتقلبات الاقتصادية وسعر الصرف.

وشدد على أن الاستثمار، بما في ذلك الأموال المخصصة للأجيال المقبلة، يجب أن يدار وفق رؤية اقتصادية واضحة تضمن تحقيق عوائد مستدامة، وليس وفق سياسات مالية قصيرة الأجل.

وتطرق الجبو إلى ما وصفه بتدهور جودة الحياة في ليبيا، معتبرًا أن أزمة المواصلات تمثل مثالًا واضحًا على ضعف الخدمات العامة.

وقال إن ليبيا لم تنجح، منذ الاستقلال وحتى اليوم، في بناء منظومة نقل عام متطورة توفر الحافلات والقطارات ووسائل النقل الجماعي التي يحتاجها المواطن، الأمر الذي يجعل امتلاك السيارة ضرورة بالنسبة للشاب للوصول إلى عمله.

وأوضح أن ارتفاع أسعار السيارات، إلى جانب انخفاض دخول الشباب، يجعل امتلاك سيارة أمرًا بعيد المنال بالنسبة إلى كثير منهم، ما يضيف عبئًا جديدًا إلى أزمات البطالة والسكن والدخل.

وأضاف أن الشباب يواجهون يوميًا أزمات مرتبطة بالوقود والسيولة والمياه والغاز والكهرباء، معتبرًا أن تكرار هذه الأزمات يؤثر بصورة مباشرة في شعور الشباب بجودة الحياة ويعزز رغبتهم في البحث عن مستقبل خارج البلاد.

وأكد الجبو أن الهجرة لا تقتصر على الشباب الباحثين عن فرص عمل عادية، بل تشمل أيضًا أعدادًا كبيرة من الكفاءات والأطباء والمهندسين والطيارين والخبراء الذين يعملون في دول مختلفة.

وأشار إلى وجود أطباء ومهندسين وخبرات ليبية في عدد من الدول الأوروبية ودول الخليج، مؤكدًا أن عدم عودة هذه الكفاءات يرتبط بدرجة كبيرة بغياب الحوافز المادية والمهنية، وتردي الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم وجود بيئة عمل قادرة على الاستفادة من خبراتهم.

وأوضح أن الكفاءة الليبية التي تحصل في الخارج على دخل مناسب وخدمات صحية وتعليمية ونقل جيد، لن تجد بالضرورة حافزًا للعودة إلى بيئة قد تحصل فيها على دخل أقل بكثير، مع تحمل تكاليف معيشة مرتفعة وخدمات متدهورة.

وأضاف أن ما يسمى بـ”جودة الحياة” أصبح عاملًا أساسيًا في قرارات الشباب والكفاءات، وليس الدخل وحده، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشباب ينظرون إلى الهجرة باعتبارها فرصة للحصول على حياة أكثر استقرارًا، وليس مجرد وسيلة للحصول على راتب أعلى.

وأشار الجبو إلى أن الفارق الكبير بين مستويات الأجور في ليبيا والدول الأوروبية، إلى جانب فروق سعر الصرف، يمثل عامل جذب قويًا للهجرة.

وأوضح أن بعض الشباب قد يجدون في أوروبا فرصًا للعمل في البناء أو النظافة أو الخدمات بأجور تفوق بكثير ما يمكن أن يحصلوا عليه في ليبيا، حتى في حال كانت الوظيفة نفسها لا تتطلب مؤهلات عالية.

وقال إن الشاب قد يتقاضى في الخارج عدة آلاف من اليورو، ويدفع جزءًا منها في صورة ضرائب ومصاريف، ومع ذلك يبقى لديه هامش للادخار، بينما قد يحصل في ليبيا على دخل لا يكفي احتياجاته الأساسية، ويضطر إلى الاقتراض قبل نهاية الشهر.

وتحدث الجبو عن طول فترة انتظار الشباب للحصول على وظائف والإفراج عن مرتباتهم، مشيرًا إلى أن بعض الخريجين قد ينتظرون سنوات بعد التخرج قبل الحصول على فرصة عمل، ثم يواجهون فترة إضافية من الانتظار لاستكمال إجراءات المرتب.

واعتبر أن مثل هذه الإجراءات تزيد الإحباط لدى الشباب، خصوصًا بعد سنوات طويلة من الدراسة، مؤكدًا أن الشاب الذي يستثمر سنوات من عمره في التعليم ثم يجد نفسه بلا وظيفة أو دخل مستقر قد يفقد الثقة في جدوى البقاء داخل البلاد.

كما حذر من وجود ممارسات داخل بعض المؤسسات قد تحول دون وصول الشباب الموهوبين والمبتكرين إلى مواقع تناسب قدراتهم، مشيرًا إلى أن بعض أصحاب المصالح واللوبيات داخل المؤسسات قد ينظرون إلى الكفاءات الشابة باعتبارها منافسة مستقبلية.

وحذر الجبو من أن استمرار انسداد الأفق أمام الشباب قد يدفع بعضهم إلى مسارات خطرة، بما في ذلك تجارة المخدرات والأنشطة غير المشروعة، مؤكدًا أن معالجة الجريمة لا تكون فقط بالعقوبة، بل أيضًا بإغلاق الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إليها.

وقال إن بعض الشباب يجدون جميع أبواب العمل والإنتاج مغلقة أمامهم، فيتجهون إلى الجريمة باعتبارها الخيار الوحيد المتاح، وهو ما يجعل الأزمة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية وسياسية متداخلة.

وأكد الجبو أن جذب المستثمر الأجنبي يتطلب توفير بيئة مستقرة وآمنة وقادرة على حماية رأس المال، مشيرًا إلى مجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها الاستقرار الأمني، ووجود قطاع مصرفي فعال، وبنية تحتية مناسبة للمواصلات والاتصالات، وإدارة حكومية جيدة لإجراءات التخليص والضرائب.

وأضاف أن المستثمر يحتاج كذلك إلى استقرار سعر الصرف ووضوح السياسات الاقتصادية، معتبرًا أن التغيرات المستمرة في القرارات المالية والاقتصادية تمثل عاملًا طاردًا للاستثمار.

وأوضح أن المستثمر الذي يجد أمامه بدائل إقليمية أكثر استقرارًا قد يفضل التوجه إلى دول أخرى في المنطقة بدلًا من تحمل مخاطر الاستثمار في ليبيا.

وطرح الجبو مجموعة من الحلول لمعالجة أزمة الشباب والحد من الهجرة، في مقدمتها إعادة إطلاق مشروعات التنمية بصورة عاجلة، والاستفادة من عائدات النفط في إنشاء مشاريع إنتاجية قادرة على توفير فرص عمل مستدامة.

وأكد ضرورة تشجيع القطاع الخاص وتوسيع دوره في الاقتصاد الوطني، مع تطوير منظومة تمويل الشباب وتوفير القروض بضمانات مناسبة، إلى جانب إصلاح بيئة الأعمال وإزالة العقبات أمام إنشاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وشدد على ضرورة إعادة النظر في مخرجات التعليم، بحيث تتوافق مع احتياجات سوق العمل، وتطوير التدريب المهني والتقني، وإعداد العمالة الليبية بما يتناسب مع احتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية.

كما دعا إلى فتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي وفق ضوابط تضمن المصلحة الوطنية، باعتباره أحد المصادر المهمة لتوفير فرص العمل ونقل الخبرات والتكنولوجيا.

وشدد الجبو على أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار الانقسام وعدم الاستقرار السياسي، مؤكدًا أن الاستقرار السياسي والاقتصادي يمثلان شرطًا أساسيًا لأي خطة تنمية أو إصلاح مالي.

وقال إن التغيرات المتكررة في أسعار الصرف والرسوم الجمركية والسياسات المالية تخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين، وتدفع رؤوس الأموال إلى البحث عن بيئات أكثر استقرارًا.

ودعا إلى “ترتيب البيت الاقتصادي الليبي” من الداخل، عبر مكافحة الفساد، وإصلاح المؤسسات العامة، وترشيد الإنفاق، وتنويع مصادر الدخل، وخلق بيئة تسمح للشباب بالبقاء والعمل والإنتاج داخل وطنهم.

وأكد أن الدولة مطالبة بتوفير حياة كريمة للشباب من خلال فرص العمل والدخل المناسب والسكن والخدمات، وليس فقط مطالبتهم بعدم الهجرة.

وختم الجبو بالتأكيد على أن ليبيا ما تزال تمتلك الإمكانات اللازمة للنهوض، وأن الحل يكمن في تحويل موارد النفط إلى استثمارات ومشروعات حقيقية، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، بما يمنح الشباب سببًا للبقاء ويعيد الثقة في مستقبل البلاد.

وقال إن الشباب الليبي لا يرفض وطنه، وإنما يبحث عن دولة توفر له التعليم والعمل والصحة والسكن والحقوق والحياة الكريمة، مؤكدًا أن توفير هذه المقومات سيجعل الشباب أول من يتمسك بليبيا ويسهم في بنائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى