“مصطفى”: فجوة سوق العمل والتخصصات تعزز الإحباط وتدفع الشباب إلى الهجرة

حذّرت دكتورة علم النفس غادة مصطفى، من تنامي التأثيرات النفسية والاجتماعية الناجمة عن فجوة سوق العمل في ليبيا، مؤكدة أن عدم توافق بعض التخصصات الجامعية مع احتياجات السوق قد يخلق حالة من الإحباط التراكمي لدى الشباب، ويدفع بعضهم تدريجياً إلى تبني قناعة بأن فرص النجاح والاستقرار وتحقيق الذات أصبحت متاحة بصورة أكبر خارج البلاد.
وجاءت تصريحات مصطفى في سياق الحديث عن ملف الهجرة في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، ورصدتها “الساعة24″، الذي وصفته بأنه ملف ضخم ومتعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجوانب الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والسياسية، فضلاً عن ارتباطه بملفات أخرى، من بينها مكافحة الاتجار بالبشر.
وأوضحت أن الهجرة لا تترك آثارها على الاقتصاد الليبي من خلال الأرقام والمؤشرات فقط، وإنما تؤدي أيضاً إلى خسارة جزء من رأس المال البشري، في ظل مغادرة طاقات شابة وكفاءات يمكن أن تسهم في بناء البلاد وتطوير قطاعاتها المختلفة.
وأضافت أن خطورة الظاهرة لا تقتصر على الشباب الذين يغادرون فعلياً، بل تمتد إلى أولئك الذين يعيشون داخل ليبيا وهم يفكرون في الهجرة باعتبارها خياراً لتحقيق مستقبل أفضل، حتى وإن كان ذلك ينطوي أحياناً على مخاطر كبيرة.
وفي ما يتعلق بالجانب النفسي، أشارت إلى أن حصول الشاب على شهادة جامعية في تخصص لا يجد له مجالاً مناسباً في سوق العمل قد يمثل صدمة نفسية، خصوصاً بعد سنوات من الدراسة التي يخوضها الطالب على أمل أن تقوده إلى فرصة عمل تمكنه من الاستقرار وتحقيق ذاته.
وقالت إن المشكلة تبدأ عندما يكتشف الخريج أن هناك فجوة بين ما درسه وما يحتاجه سوق العمل فعلياً، موضحة أن الشاب يبني توقعاته على أساس أن التعليم والاجتهاد سيقودانه تدريجياً إلى العمل والاستقلال وتحقيق الذات، لكن عدم تحقق هذه التوقعات بعد التخرج قد يولد لديه شعوراً بالإحباط.
ووصفت هذه الحالة بأنها «إحباط تراكمي»، يبدأ كتجربة فردية مرتبطة بعدم الحصول على فرصة عمل، ثم يمكن أن يتفاقم مع استمرار الانتظار وتكرار التجربة لدى آخرين.
وترى مصطفى أن تكرار هذه التجارب بين فئات واسعة من الشباب يمكن أن يحول الإحباط الفردي إلى قناعة جماعية، مفادها بأن مستقبل الشباب وفرص نجاحهم واستقرارهم لا يمكن تحقيقها داخل البلاد، وأن الهجرة قد تكون الطريق الأكثر واقعية لتحقيق تلك الطموحات.
وأوضحت أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً مؤثراً في تكوين هذه الصورة، خصوصاً عندما تعرض قصص شباب غادروا ليبيا وتمكنوا من الحصول على وظائف جيدة وتحقيق مستوى من الاستقلال المادي والاجتماعي.
وأضافت أن تكرار هذه القصص يمكن أن يحول التجارب الفردية إلى سردية جماعية يتبناها الشباب، بحيث يصبح النجاح خارج البلاد، في نظر البعض، أكثر قابلية للتحقق من النجاح داخلها.
وأكدت أن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تمثل «سلاحاً ذا حدين»، مشيرة إلى أن قصص النجاح التي ينشرها بعض المهاجرين قد تعرض النتيجة النهائية فقط، من دون أن تنقل بالضرورة حجم الصعوبات والعقبات التي واجهها أصحاب هذه التجارب قبل الوصول إلى تلك المرحلة.
وأوضحت أن الشاب الموجود في ليبيا، والذي يعيش ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة، قد يرى عبر مواقع التواصل صورة لشاب مهاجر حصل على وظيفة جيدة أو اقتنى منزلاً أو سيارة وحقق قدراً من الاستقلال، فيبدأ بمقارنة حياته الحالية بتلك الصورة.
وبحسب مصطفى، فإن هذه المقارنة قد تجعل الهجرة تبدو للشاب خياراً للخروج من واقعه، خصوصاً عندما يشعر بأن فرص تحقيق أهدافه داخل البلاد محدودة.
وأضافت أن الأمر قد يصل إلى مرحلة تصبح فيها الهجرة في نظر بعض الشباب مرتبطة بفكرة الأمان ذاته، إذ إن فقدان الشعور بالأمان والاستقرار داخل الوطن يمكن أن يدفع الفرد إلى البحث عنه في الخارج، حتى مع إدراكه للمخاطر التي قد ترافق رحلة الهجرة.
وشددت على أن معالجة ملف الهجرة تحتاج إلى النظر إليه باعتباره قضية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الجانب الاقتصادي أو الأمني، بل تشمل أيضاً الصحة النفسية للشباب، وملاءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتعزيز فرص العمل والاستقرار، إلى جانب رفع الوعي بالمخاطر التي قد تترتب على الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر.
وأكدت أن معالجة هذه الجوانب مجتمعة يمكن أن تسهم في الحد من حالة الإحباط التي تدفع بعض الشباب إلى التفكير في مغادرة البلاد، وتحويل طاقاتهم وكفاءاتهم من قوة تدفع إلى الهجرة إلى قوة تسهم في بناء مستقبل ليبيا.









