أحميد: اتفاق 4+4 يكسر الجمود ويمهد لتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات

قال الصحفي والباحث في الشأن السياسي إدريس أحميد إن الأزمة الليبية المستمرة للعام الخامس عشر تعد أزمة عميقة، مشيراً إلى أن العديد من الحلول التي طُرحت خلال السنوات الماضية فشلت في الوصول بالبلاد إلى حل نهائي، بدءاً من اتفاق الصخيرات الذي أفضى إلى تشكيل حكومة الوفاق عام 2015، وصولاً إلى حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن اتفاق عام 2021، وهي حلول وصفها بالمؤقتة التي لم تتمكن من دفع البلاد نحو الحل النهائي المتمثل في إجراء الانتخابات وإقرار الدستور.
وأوضح أحميد في تصريحات لقناة MEDI1 TV تابعتها صحيفة الساعة24، أن الاتفاق الأخير جاء بعد فشل مجلس النواب والدولة في التحرك نحو تطبيق تفاهمات بوزنيقة، التي تناولت الشروط وكل ما يتعلق بالعملية الانتخابية، لافتاً إلى أن ذلك جاء في ظل ما حدث داخل مجلس الدولة الاستشاري من انقسامات وخلافات، خاصة بين رئيسه الأول خالد المشري ورئيس حكومة الوحدة المؤقتة، ثم تولي محمد تكالة، الذي قال إنه عطّل المشهد وأبقاه في حالة من الجمود.
وأشار إلى أن أفكار المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي لم تتمكن هي الأخرى من تحريك المشهد، بعدما اقترح تشكيل لجنة مصغرة، قبل أن يغادر باتيلي ويأتي من بعده تانتـيكي، فيما ظل المشهد على حاله إلى أن جاءت المبادرة الأمريكية.
وأشار أحميد إلى أن المبادرة الأمريكية لم يرفضها مجلس النواب، بل رحب بها رئيس المجلس عقيلة صالح، بينما كان المجلس الأعلى للدولة هو الجهة التي رفضت المبادرة، موضحاً أن ما حدث في أنقرة انتهى إلى الاتفاق على تفعيل لجنة «6+6»، معتبراً أن هذا المسار جاء متأخراً، نظراً إلى ظهور مبادرة أخرى تمثلت في اتفاق «4+4» الذي وُقّع في تونس.
وأوضح أن اتفاق «6+6» الذي تم التوصل إليه في بوزنيقة عام 2023 لم يُنفذ بسبب المماطلة وإضاعة الوقت، مشيراً إلى أن الاتفاق لم يحظَ بترحيب الدول الكبرى أو البعثة الأممية أو المبعوث الأممي مسعد بولس، ولذلك تجاوزته التطورات وجاء اتفاق «4+4».
وقال إن اتفاق «4+4» منح مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة مهلة لاتخاذ قرار بشأن الاتفاق، أو التوجه إلى حوار آخر، سواء كان حواراً مصغراً أو حواراً جامعاً، ومن ثم التوجه أيضاً إلى مجلس الأمن، مضيفاً أن مجلس النواب أقر الاتفاق، بينما رفضه المجلس الأعلى للدولة، مشيراً إلى أن محمد تكالة تحدث، أمس، مع المبعوث الأممي، وأكد أن المجلس الأعلى للدولة يرفض الاتفاق ويريد تفعيل مسار «6+6».
واعتبر أحميد أن الوقت قد فات لتفعيل مسار «6+6»، مؤكداً أنه لم تعد هناك ثقة في إمكانية تفعيل هذا المسار، وأنه لو كانت هناك إرادة حقيقية لذلك لتم الاتفاق عليه منذ سنوات، لافتاً إلى أن المشهد السياسي ظل مجمداً، فيما استمرت الحوارات دون تنفيذ.
وأضاف أن هناك أطرافاً ومجموعات داخل المجلس الأعلى للدولة ترفض أي حل، مؤكداً أن المطلوب هو أن يتحرك مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة باتجاه الانتخابات وتغيير المشهد السياسي.
وأوضح أحميد أن اتفاق «4+4» جاء بعدما فشلت الأطراف التي كانت تعطل المسار، معتبراً أن هذه المبادرة تمثل أفضل الممكن، وأنها تعاملت مع طرفي المعادلة، في إشارة إلى القيادة العامة التي تسيطر على مساحة واسعة من ليبيا وتضطلع بمهام تتعلق بالأمن وإعادة الإعمار وغيرها، وحكومة الوحدة الوطنية.
وأضاف أن المعارضة أو الاعتراض على الاتفاق لا يستند إلى بديل واضح، لأن هذه الأطراف، وخاصة مجلس الدولة، كانت أمامها فرصة طويلة للتحرك، في ظل أزمة ليبية عميقة تحتاج إلى تدخل، مؤكداً أن الاتفاق ليس الحل الأمثل، لكنه أفضل من حلول أخرى يمكن أن تكسر حالة الجمود التي خيمت على المشهد، مشيراً إلى أنه يمثل بداية يمكن أن تشجع أطرافاً أخرى على الانخراط فيه.
وأشار إلى أن مجلس النواب هو المجلس التشريعي، وله سلطة مهمة في ليبيا، بينما المجلس الأعلى للدولة هو مجلس استشاري ولا يملك تأثيراً آخر، موضحاً أن الاتفاق تناول أيضاً مسألة العسكريين مزدوجي الجنسية، من خلال اشتراط تخلي المرشح عن جنسيته الأخرى، معتبراً أن ترشح العسكريين أمر معمول به في دول العالم، وأن العسكري يتخلى عن منصبه ويحق له بعد ذلك الترشح والمشاركة في الانتخابات.
وقال أحميد إن الخيارات اليوم محدودة، مشيراً إلى أن الاتفاق تضمن أيضاً خطوات أخرى، من بينها ما يتعلق بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والتي لا يوجد خلاف بشأنها، وقد تم الاتفاق عليها بين الطرفين، مضيفاً أنه يمكن خلال عامين تشكيل حكومة تعمل على تجهيز الانتخابات.
وتطرق أحميد إلى الملف العسكري، مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية في ليبيا قطعت شوطاً كبيراً في مسار التوحيد، وأن هناك مناورات عسكرية، من بينها مناورات “فلينتلوك” في عام 2026، إلى جانب مناورات أخرى، فضلاً عن اجتماع عقد مؤخراً لرؤساء الأركان، جرى خلاله توحيد أركان القوات الجوية والبحرية، بالإضافة إلى الأركانات الأخرى.
وأكد أن المسار الأمني يمثل مشكلة أساسية في ليبيا، باعتبار أن الأزمة الليبية مشكلة أمنية أيضاً، ولذلك لا بد من توحيد المؤسسة العسكرية من أجل الحفاظ على البلاد وحدودها، موضحاً أن المنطقة الغربية تعاني من وجود تشكيلات مسلحة تؤثر في الوضع وتتحكم في حركة العديد من التشكيلات داخل البلاد، معتبراً أن هذه التشكيلات تمثل أحد الأطراف التي تعارض الاتفاق لأنها تريد الاستمرار في المشهد.
وأضاف أن الأطراف المعارضة للاتفاق معروفة، وأنها لا تريد التخلي عن مناصبها، مشيراً إلى أن السؤال المطروح يتعلق بمن يملك عملياً قرار تفعيل الاتفاق، وما إذا كان ذلك بيد الأطراف الداخلية الليبية المنقسمة، أم أن الأمر يرتبط أيضاً بالداعمين في الخارج.
وأوضح أحميد أن الأطراف الخارجية بدورها منقسمة، ولها مصالحها الخاصة، مشيراً إلى أن مصر لديها مصالح ودور فاعل في ليبيا وعلاقات مع مختلف الأطراف، وهي تؤيد الاتفاق، كما أن لديها علاقات مع القيادة العامة، ويمكنها التأثير في أحد الأطراف في الغرب.
وأضاف أن السعودية أيضاً تؤيد الاتفاق، إلى جانب عدد كبير من الدول، مؤكداً وجود تفاهمات مرتبطة بمصالح هذه الدول.
وقال إن الاتفاق دخل الآن حيز التنفيذ، ويمكن الانطلاق منه إلى المراحل الأخرى، بما في ذلك توحيد المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية والمؤسسة الاقتصادية، من خلال توحيد الميزانية والمفوضية التي تم الاتفاق عليها، معرباً عن اعتقاده بأن الأمور ستسير في هذا المسار، في ظل عدم وجود معارضة من جانب بعض الأطراف.
وأكد أحميد أن الشارع الليبي سيكون عاملاً مهماً في هذا المسار، مشيراً إلى أن الليبيين عاشوا أزمات متتالية، وأن الوضع الاقتصادي يجعل الشارع صاحب الكلمة، معتبراً أن إجراء الانتخابات يمثل مطلباً للشارع الليبي.
وأضاف أن مجلس النواب وغيره من الأطراف ستنتهي صلاحيتها السياسية وستصبح أمام الشارع، مؤكداً أن الشارع الليبي لا يريد استمرار الوضع الحالي، في ظل انخفاض سعر الدينار والأزمة الاقتصادية وأزمة الكهرباء، مشيراً إلى أن ذلك يأتي نتيجة فشل حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في إجراء أي معالجات.
وفيما يتعلق بالمجلس الرئاسي، قال أحميد إن أحد أعضائه حضر، وإن المجلس الرئاسي أصبح يحاول التحرك، مشيراً إلى أنه سيلتحق بالمسار، لأن القضية في جوهرها تتعلق بالحصول على المناصب، وليس هناك اعتراض حقيقي على المسار الديمقراطي، بحسب طرحه.
وأكد أحميد أن المليشيات موجودة اليوم في غرب البلاد، معتبراً أن هذا الأمر واضح، في حين أن القيادة العامة مكلفة من مجلس النواب الشرعي، مشيراً إلى أنها تدير مناطق واسعة في البلاد.
وأوضح أحميد أن القيادة العامة اليوم، بأركانها وجيشها، تسيطر على الحدود مع مصر والسودان والنيجر وتشاد والجزائر، مشيراً إلى أن العسكريين قاموا بأدوار وصفها بالتاريخية، من بينها خوض الحرب على الإرهاب الذي كان يسمى التوحيد، إلى جانب القيام بأعمال الإعمار.
وقال إن الخطوة التالية تتمثل في الحديث عن تشكيل حكومة، إضافة إلى مناقشة بعض المسارات والنقاط، موضحاً أن الأمر لا يتعلق بالشمال أو الاتفاق على جميع التفاصيل، وإنما بالتوافق على المسارات الممكنة التي يمكن أن تعالج النقاط المطروحة.
وأضاف أن اتفاق الصخيرات شهد بدوره تشكيل حكومة الوفاق، إلا أن المسلحين رفضوها وقالوا إنها لن تدخل، معتبراً أن هناك أطرافاً وتشكيلات مسلحة تسيطر على الاقتصاد وعلى مفاصل الدولة، فضلاً عن وجود أطراف كانت تتسبب في المشكلات وتعطيل الكهرباء والخدمات.
وأكد أحميد أن اتفاق «4+4» يمثل أفضل الممكن، في ظل عدم وجود دولة مسيطرة، معتبراً أنه يشكل كسراً للجمود ومحاولة لدفع هذه الأطراف إلى الانخراط في المسار.
وأشار إلى أن المجلس الرئاسي منقسم في الوقت الحالي، كما أن المجلس الأعلى للدولة الاستشاري منقسم أيضاً، معتبراً أن الخطوة التالية بعد الترحيب بالاتفاق هي التحرك نحو المفوضية، التي تم اختيارها، مؤكداً أن الحكومة ستتشكل أيضاً، وأن النقاط المتعلقة بالترشح أصبحت واضحة وتم الاتفاق عليها، مشدداً على أن مسار «6+6» انتهى.









