المسماري: واشنطن تلعب دوراً محورياً في دفع الحل السياسي في ليبيا

قال أستاذ القانون في الجامعات الليبية، راقي المسماري، إن المبادرات التي رعتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا منذ انطلاق عملها وحتى الجهود الحالية، أحرزت تقدماً ملحوظاً، غير أنها ما تزال تواجه حالة من التعثر، لا سيما فيما يتعلق بملف إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات السيادية في البلاد.
وأوضح المسماري، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن أبرز نقاط التعثر تتمثل في الخلافات السياسية حول ترتيبات تشكيل حكومة موحدة جديدة، في ظل تمسك بعض الأطراف ببقائها في السلطة إلى حين إجراء انتخابات، رغم أن آلية الوصول إلى هذه المواقع لم تكن عبر انتخابات مباشرة، بل من خلال مسارات سياسية وحوارات وطنية سابقة.
وأشار إلى أن المبادرة التي طُرحت مؤخرًا من قبل المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، تقوم على ما وصفه بـ “الحزمة المتكاملة”، والتي تشمل توحيد الإنفاق العام بين شرق البلاد وغربها، وتنظيم التنسيق الأمني والعسكري بين المؤسسات، وصولًا إلى تسوية سياسية تقود إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة ومجلس رئاسي ذي طابع تمثيلي.
وبيّن المسماري، أن هذه المقاربة لا تقوم على خطوات منفصلة، بل على مسار مترابط يبدأ بالاتفاقات المالية والاقتصادية ويمتد إلى الترتيبات الأمنية والعسكرية، وينتهي بتشكيل حكومة موحدة تتولى الإشراف على العملية الانتخابية ودعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بما يضمن إجراء انتخابات شاملة تحت إشراف مؤسسات موحدة، من بينها وزارة داخلية واحدة مسؤولة عن تأمين العملية الانتخابية.
وأضاف أن الاتفاق الأخير بشأن توحيد الإنفاق العام، والذي جرى برعاية مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبإشراف مصرف ليبيا المركزي، ساهم في تحقيق مؤشرات إيجابية على صعيد الاستقرار المالي، من بينها تحسن نسبي في إدارة النقد الأجنبي وتخفيف بعض الضغوط الاقتصادية.
وفي المقابل، أبدى المسماري، استغرابه من رفض بعض الأطراف السياسية لهذه التفاهمات الجزئية، رغم أنها تشكل جزءًا من رزمة واحدة متكاملة، مشددًا على أن فصل المكونات المالية عن السياسية والأمنية يعرقل الوصول إلى حل شامل.
وأكد أن المسار المطروح لا يتضمن جدولًا زمنيًا صارمًا، بل يعتمد على ما وصفه بـ “الانفراجات التدريجية” التي تتحقق مع كل تقدم في الاجتماعات والاتفاقات بين الأطراف الليبية، مشيرًا إلى أن تجارب سابقة، منها مشاورات جرت في روما، أظهرت أن التقدم في ملفات اختيار القيادات التنفيذية والرقابية يظل مرهونًا بالتوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
وأضاف أن استمرار الخلافات بين المؤسسات التشريعية وتوظيف التنافس السياسي بين أقطابها يعرقل الوصول إلى تسوية شاملة، رغم وجود توافقات مبدئية على ضرورة المضي نحو انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية وتؤسس لدولة مستقرة.
وأوضح المسماري، أن المبادرة الأمريكية ساهمت في تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي الليبي، مشيرًا إلى أنها أعادت النقاش حول القوانين الانتخابية وإمكانية إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، أو حتى الاكتفاء بانتخابات برلمانية كخيار مطروح للنقاش، معتبرًا أن هذا الحراك أعاد الأمل بعد فترة طويلة من الجمود منذ تعثر انتخابات 2021.
واعتبر أن ما يميز المرحلة الحالية هو انتقال الحوار السياسي من الأطر المغلقة واللقاءات المحدودة إلى مسار أكثر ارتباطًا بالفاعلين الليبيين، ولكن بدعم ورعاية أممية ودولية، بعد أن كانت الحوارات السابقة – بحسب وصفه – تعاني من التشتت وكثرة الأطراف غير المنضبطة، خاصة في مراحل مثل حوار الصخيرات وما تلاه من مسارات سياسية.
وفي سياق حديثه، أشار المسماري، إلى أن الولايات المتحدة تلعب دورًا محوريًا في الدفع نحو الحل، مؤكدًا أن واشنطن، من خلال مبعوثين مثل مسعد بولس، تدعم بشكل واضح جهود توحيد المؤسسات الليبية، معتبرًا أن الدور الأمريكي بات أكثر تأثيرًا مقارنة بالانقسامات الأوروبية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية.
كما شدد على أن الحل في ليبيا يجب أن يكون ليبيًا مدعومًا دوليًا، موضحًا أن التوازن بين الإرادة الوطنية والدعم الخارجي هو المسار الأكثر واقعية للوصول إلى استقرار سياسي دائم.
وفيما يتعلق بالمؤسسات الاقتصادية، ركز المسماري، على أهمية توحيد مصرف ليبيا المركزي باعتباره ركيزة أساسية للاستقرار المالي، إضافة إلى مؤسسة النفط التي وصفها بأنها محور رئيسي للاقتصاد الليبي، وكذلك مؤسسة الاستثمار الليبية التي اعتبر أنها تعرضت لإخفاقات إدارية أثرت على أدائها خلال السنوات الماضية.
كما أشار إلى أن جهود التوحيد تمتد أيضًا إلى المؤسسة العسكرية عبر إمكانية دمج التشكيلات المسلحة في إطار موحد بما يسهم في تعزيز الاستقرار الأمني وتهيئة البيئة المناسبة للعملية الانتخابية.
واختتم المسماري، حديثه بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء المسار السياسي في ليبيا، معتبرًا أن تحريك ملفات الانتخابات وتوحيد المؤسسات المالية والأمنية قد يشكل مدخلًا أساسيًا لإنهاء حالة الانقسام المستمرة في البلاد منذ سنوات.









