اخبار مميزةليبيا

بوقعيقيص: “المهيكل” انحرف عن غايته الأساسية وتحول إلى مسارات تنفيذية

قالت عضو الحوار المهيكل، هالة بوقعيقيص، إن النقاش الذي دار داخل مسار الحوكمة والآلية التي جرى اعتمادها للوصول إلى التوصيات النهائية، شهدا تحولاً عن الغاية الأساسية التي أُنشئ من أجلها الحوار، معتبرة أن المسار ابتعد تدريجياً عن هدفه المتمثل في بناء الدولة ومعالجة جذور الصراع.

وأوضحت بوقعيقيص، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن الحوار المهيكل صُمم منذ البداية لتحقيق غاية واضحة تتمثل في بناء الدولة ومعالجة جذور الصراع، مشيرة إلى أن هذا الهدف كان يقتضي التركيز على مجموعة من الشواغل الرئيسية، من بينها إشكالية الدستور، وتوزيع الثروة، وانقسام المؤسسات، وغيرها من القضايا المرتبطة بأسس الدولة.

وأضافت أنه خلال الأشهر الستة من الحوار، ومع استمرار حالة الانقسام والانسداد السياسي، جرى توجيه المشاركين من قبل البعثة الأممية إلى النظر في قضايا لم تكن ضمن الغاية الأساسية لوجودهم، وتتعلق بخارطة الطريق الأممية، مثل ملف المفوضية العليا للانتخابات، والقوانين الانتخابية، وشكل السلطة التنفيذية.

وتابعت أن هذه الملفات لم تكن سبب وجود المشاركين داخل الحوار المهيكل، لكنها أُقحمت في النقاشات واستحوذت على قدر كبير من الوقت والجهد، معتبرة أن ذلك أدى إلى انحراف أو تشويه الغاية الأصلية للحوار، لأن النقاش تحول – بحسب وصفها – من مقاربة لبناء الدولة وأسسها إلى مقاربة أقرب لإدارة الصراع أو تقاسم السلطة.

وأشارت بوقعيقيص، إلى أن المشاركين في هذا المسار لا يمتلكون سلطة أو نفوذاً على الأرض، وليسوا من القوى السياسية الفاعلة أو من النخب المؤثرة، معتبرة أن ذلك ساهم أيضاً في الابتعاد عن الهدف الأساسي للحوار.

ورداً على سؤال بشأن ما إذا كان هذا الانحراف ناتجاً عن إدارة بعثة الأمم المتحدة أم عن طبيعة المسار نفسه، أوضحت بوقعيقيص، أنه بالعودة إلى موقع البعثة الأممية وقرار مجلس الأمن وخارطة الطريق الأممية المعتمدة، يتضح وجود مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في خارطة الطريق الأممية التي تشمل مهام البعثة المتعلقة بحل إشكاليات المفوضية والقوانين الانتخابية وتشكيل سلطة تنفيذية قادرة على الوصول إلى الانتخابات، بينما يتمثل الثاني في الحوار المهيكل الذي كان يفترض أن يدرس أسباب وجذور الصراع ويضع رؤى لبناء أسس الدولة.

وأكدت أن هذا التوصيف لا يمثل تقييماً شخصياً منها، بل يستند إلى ما هو منصوص عليه في الإطار العام للحوار، مشيرة إلى أن لكل مسار أهدافه المحددة، غير أن بعض التوصيات الصادرة عن مسارات أخرى تناولت موضوعات تتعلق بالدستور والقوانين الانتخابية وشكل السلطة التنفيذية، رغم أن الهدف الرئيسي للحوار كان يتمثل في تحديد جذور الصراع ومعالجتها.

وتساءلت بوقعيقيص، عن مدى قدرة هذه التوصيات على عكس الهدف الرئيسي للحوار، مؤكدة أنها لم تكن لتقبل شخصياً الانضمام إلى الحوار المهيكل من أجل مناقشة القوانين الانتخابية مع أشخاص ليسوا خبراء قانونيين أو أعضاء في السلطات التشريعية، كما أنها لم تكن ترى أن دور المشاركين يتمثل في اختيار آليات اختيار رئيس المفوضية أو تشكيلها.

وأضافت أن أحد الشواغل الأساسية التي كان ينبغي التركيز عليها يتمثل في بناء أسس الدولة عبر عقد اجتماعي جديد، معتبرة أن ليبيا، بعد سنوات من الصراع، لا تمتلك عقداً اجتماعياً حقيقياً يحدد ما الذي يريده الليبيون وما هي الدولة التي يتطلعون إليها، وهو ما كان يجب أن يكون في صلب النقاشات.

ورأت بوقعيقيص، أن المطلوب كان وضع ضوابط لعمل الحكومة بدلاً من الانشغال بآليات اختيارها، موضحة أن الهدف ينبغي أن يكون وضع قواعد تحكم أداء أي حكومة بحيث تقود إلى الانتخابات وتنهي المراحل الانتقالية، سواء جرى اختيارها عبر البعثة الأممية أو المجلسين أو أي آلية سياسية أخرى، معتبرة أن هذا هو جوهر عمل الحوكمة.

وفيما يتعلق بالجدل الدائر حول عدد الأعضاء المتحفظين على بعض مخرجات الحوار، قالت بوقعيقيص، إن الحديث عن ارتفاع عدد المتحفظين من عضوين إلى ستة غير دقيق ولا يعكس الواقع، مؤكدة أن عدد المتحفظين كان سبعة أعضاء منذ البداية من أصل ثلاثين مشاركاً، وليس من أصل 124 عضواً كما يتم تداوله.

وأوضحت أن هذه التحفظات لا تتعلق بالمسارات الأخرى، مثل المسار الاقتصادي أو حقوق الإنسان أو المسار الأمني، وإنما تقتصر على تجربتها داخل المسار السياسي، مشيرة إلى أن الإشكال الأساسي كان مرتبطاً بطريقة إدارة الحوار ومنهجية الوصول إلى التوافق.

وأضافت أن النقاشات في بدايات الحوار انطلقت على أساس ضرورة اعتماد آلية واضحة للتوافق، معتبرة أن التوافق لا يعني المغالبة أو الغلبة أو التصفية، بل يمثل عملية سياسية لها أدواتها المعروفة في فض النزاعات، لافتة إلى أنها قدمت منذ وقت مبكر مذكرة تتعلق بآلية التوافق، لكنها لم تحظ – بحسب قولها – بالاهتمام الكافي وتم تأجيل مناقشتها أكثر من مرة.

وأشارت بوقعيقيص، إلى أنه قبل إحدى الجلسات الأخيرة فوجئ المشاركون بإدخال مبدأ المغالبة إلى إدارة الحوار، موضحة أن ذلك تجسد في تقسيمات رقمية بين الأطراف على أساس عدد المؤيدين والمعارضين، وهو ما اعتبرته خروجاً عن فلسفة التوافق التي يفترض أن تحكم مثل هذه المسارات.

ورداً على سؤال حول الجهة التي تبنت هذا التوجه، أوضحت بوقعيقيص، أن ذلك لم يكن من قبل بعثة الأمم المتحدة، بل من خلال الحكومة وبعض الزملاء، وفق تعبيرها، مؤكدة أن البعثة اكتفت بالدعوة إلى التوافق بين الأطراف دون أن تؤدي – بحسب تقديرها – دوراً تخصصياً في توجيه آليات الوساطة، وهو ما وصفته بقصور في أداء مهمة التيسير.

وتطرقت بوقعيقيص، إلى ما أسمته المؤتمر التأسيسي، موضحة أن النقاشات منذ البداية اتجهت نحو مسار تصاعدي يبدأ بالتوفيق بين المجلسين وفق الاتفاق السياسي، ثم الانتقال إلى مواد دستورية محددة، وصولاً إلى خيار تشكيل مؤتمر تأسيسي لإدارة المرحلة الانتقالية ومناقشة الدستور.

وقالت إن هذا الخيار، رغم طرحه من قبل بعض الزملاء وتقديم مذكرات بشأنه ووجود طرح بديل حوله، جرى تهميشه ولم يُدرج بصورة واضحة في التوصيات النهائية، موضحة أنه ورد فقط بشكل مقتضب في مقدمة التقرير، وهو ما اعتبرته إجحافاً بحق النقاشات التي دارت حوله.

وأكدت بوقعيقيص، أن عدداً من المشاركين طرحوا فكرة تقديم التوصيات في صورة خيارات متعددة، بحيث تُعرض جميع المقترحات، سواء المتفق عليها أو المختلف بشأنها، على الجهة التي ستتولى التنفيذ لاحقاً، على غرار ما حدث في مسارات سابقة، معتبرة أن هذا الأسلوب يمنح مرونة أكبر في اتخاذ القرار.

وانتقدت ما وصفته بالإصرار على تقديم خيار واحد باعتباره توافقاً كاملاً، مؤكدة أن ذلك لا يعكس حقيقة التباين بين المشاركين المنتمين إلى خلفيات فكرية وسياسية مختلفة، ومعتبرة أنه من غير الواقعي توقع اتفاق ثلاثين شخصاً على صيغة واحدة في قضايا دستورية وسياسية معقدة.

كما أشارت بوقعيقيص، إلى رفضها لأي مقاربات يتم من خلالها تمرير الإطار التشريعي أو الدستوري عبر لجان محددة أو عبر تدخلات خارجية مباشرة أو غير مباشرة، معتبرة أن ذلك يمثل تدخلاً في الشأن الوطني، ومشددة على ضرورة بناء الحلول على خيارات واضحة ومتعددة تتيح مساحة حقيقية للاختيار دون إظهار توافق شكلي يخفي خلافات قائمة.

وقالت بوقعيقيص، إن ذكر اسمها في سياق النقاش حول مسارات المرحلة الانتقالية كان لافتاً بالنسبة لها، مؤكدة أنها من أبرز المدافعين عن إدراج الدستور ضمن الملفات الرئيسية للحوار، إلا أن هذا الطرح لم يحظَ بالموافقة ضمن مسار التوصيات.

وأضافت أنها سعيدة بذكر اسمها في هذا السياق لأنها كانت من الأصوات التي دافعت بقوة عن أن يكون الدستور أحد المحاور الأساسية للنقاشات، معتبرة أن الدستور يمثل أحد أسس بناء الدولة الليبية وإنهاء المراحل الانتقالية.

وأوضحت بوقعيقيص، أنها لا تتفق مع تقديم المسار التنفيذي أو الحكومي على المسار الدستوري، متسائلة عن أسباب هذا الترتيب في الأولويات، ومؤكدة أنها لم تكن عضواً في لجنة الصياغة وأن تحفظها يستند إلى ما ورد في التقرير النهائي.

وكشفت أنها قدمت مقترحين رئيسيين في هذا الإطار، أولهما ما أطلقت عليه خارطة المائة يوم للدستور، والتي هدفت إلى وضع خطة زمنية واضحة لإعداد الإطار الدستوري من خلال لجان متخصصة تضم خبراء في القانون والدستور والانتخابات، إلى جانب دراسة الجوانب الفنية المتعلقة بالاستفتاء، بما يشمل دور المفوضية العليا للانتخابات ومدى قدرتها على تنفيذ الاستفتاء بكفاءة.

وأشارت بوقعيقيص، إلى أن هذا المقترح استند إلى عمل مشترك مع الدكتور محمد بروين، واعتبرته خطة متكاملة تشمل الجوانب الدستورية والقانونية والتنفيذية للاستفتاء، غير أنه لم يُضمَّن ضمن المخرجات النهائية بسبب ما وصفته برفضه لكونه مقدماً من شخصين.

كما تحدثت عن مقترح ثانٍ يتعلق بإمكانية ترحيل الاستفتاء على الدستور إلى مرحلة لاحقة ضمن مقاربات تسوية النزاع، موضحة أن الفكرة تقوم على إجراء الاستفتاء في بيئة أكثر استقراراً بعد الانتخابات وتشكيل حكومة انتقالية لمدة قد تصل إلى 18 شهراً.

وأضافت أنها أعدت أيضاً خارطة طريق تفصيلية تقضي بإجراء الاستفتاء على الدستور خلال عام واحد من انتخاب حكومة جديدة، مع وضع آليات وضوابط تنظيمية لضمان تنفيذ العملية بشكل سليم، مشيرة إلى أن بعض التفاصيل الدقيقة في هذا المقترح لم تُدرج ضمن النقاشات الرسمية.

وأكدت بوقعيقيص، استعدادها لتقديم هذه المقترحات بصورة موسعة للجهات الإعلامية والرأي العام، معتبرة أن الهدف الأساسي يتمثل في ضمان حق الشعب الليبي في الوصول إلى دستور دائم ينهي حالة الانتقال السياسي المستمرة.

واختتمت بوقعيقيص، تصريحاتها بالتأكيد على أن مواقفها تنطلق من قناعة قانونية وسياسية راسخة بأهمية الدستور كمدخل أساسي للاستقرار، مشيرة إلى أن الوقت لم يسعفها لعرض جميع التفاصيل خلال النقاشات، لكنها أبدت استعدادها لطرحها لاحقاً بصورة أكثر تفصيلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى