الشارف: مخرجات “المهيكل” غير ملزمة وتكرّس الانقسام السياسي

أكد المحلل السياسي، خالد الشارف، أن مخرجات الحوار المهيكل المطروحة بشأن الأزمة، لا تحمل صفة الإلزام للأطراف المتصارعة على السلطة، سواء مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة، مشيراً إلى أن جوهر الخلاف لا يزال قائماً حول الأولويات السياسية المطلوبة للمرحلة المقبلة، وما إذا كان المسار الصحيح يبدأ بتشكيل حكومة جديدة ومجلس رئاسي أم بالذهاب إلى الاستفتاء على الدستور.
وأوضح الشارف، خلال حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، أن الحوار المهيكل ما زال يفتقر إلى العديد من المعالجات الجوهرية، لافتاً إلى أن معظم النقاط التي تضمنتها مخرجاته هي في الأصل محل خلاف بين الأطراف السياسية المختلفة.
وأضاف أن ليبيا ما زالت تفتقد إلى رؤية واضحة بشأن شكل الدولة ونظام الحكم الذي يرغب الليبيون في اعتماده، مبيناً أن هذا الملف ظل مطروحاً للنقاش لسنوات دون الوصول إلى حسم نهائي.
ورأى الشارف، أن المسار الأكثر منطقية يتمثل في إجراء انتخابات برلمانية أولاً، يعقبها تشكيل لجنة تتولى تنظيم استفتاء شعبي شامل يشارك فيه جميع الليبيين لتحديد شكل الدولة ونظامها السياسي، ومن ثم الانتقال إلى صياغة دستور يعكس إرادة المواطنين ويحدد طبيعة مؤسسات الدولة وصلاحياتها.
وأشار إلى أن الحوار المهيكل، أغفل جانباً مهماً يتعلق بكيفية إرضاء الأطراف المتصارعة وضمان التوافق بينها، كما لم يقدم رؤية واضحة حول آلية الذهاب إلى الانتخابات، أو تحديد الجهة التي يحق لها المشاركة في العملية الانتخابية، أو ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستكون رئاسية وبرلمانية معاً أم برلمانية فقط.
وأضاف أن التوصيات الصادرة عن الحوار لا تُعد ملزمة لمجلسي النواب أو الأعلى للدولة، وهو ما يثير تساؤلات حول أسباب التحفظات التي أبداها بعض المشاركين في الحوار تجاه هذه المخرجات، رغم أن هناك من اعتبرها لا تنسجم مع متطلبات المصلحة الوطنية.
وأكد الشارف، أن أي حوار يجمع أطرافاً متنازعة لا بد أن يشهد اختلافاً في وجهات النظر، وأن عدم تلبية جميع المطالب لا يعني بالضرورة فشل الحوار في الوصول إلى مسار معين، إلا أنه اعتبر أن القصور الأساسي يتمثل في عدم تقديم آلية عملية وواضحة تقود البلاد نحو الانتخابات.
وقال إن الحوار كان ينبغي أن يركز على توحيد مجلسي النواب والأعلى للدولة ضمن إطار مؤسسي واحد وتحت سقف واحد، معتبراً أن نجاحه في تحقيق ذلك كان سيشكل خطوة مهمة نحو تجاوز الانقسام السياسي القائم.
وأضاف أن الواقع الحالي لا يزال يعكس استمرار الانقسام، حيث يواصل مجلس النواب عمله في شرق البلاد بينما يستمر المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، الأمر الذي يجعل كل طرف قادراً على تعطيل جهود الطرف الآخر بمجرد إعلان رفضه للمقترحات المطروحة.
ولفت الشارف، إلى أن قانون الانتخابات لم يصدر حتى الآن بصورة توافقية تحدد كيفية إجراء الانتخابات أو مواعيدها أو مدتها الزمنية، مشيراً إلى أن الحديث عن تشكيل حكومة انتقالية لمدة لا تتجاوز عامين لا يقدم ضمانات حقيقية للخروج من الأزمة في ظل استمرار الصراعات السياسية.
وأوضح الشارف، أن ليبيا ما تزال تعيش مرحلة انتقالية معقدة، محذراً من أن تشكيل حكومة جديدة قد لا يكون كافياً لإنهاء الانقسام، إذ من الممكن أن يقوم مجلس النواب، بعد فترة قصيرة من تشكيلها، بسحب الثقة منها وتكليف حكومة موازية جديدة، ما يعيد البلاد إلى نقطة الصفر ويكرر تجارب سابقة شهدتها الساحة الليبية.
وأضاف أن بعض الجهات تنظر إلى توصيات الحوار التي تدعو إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة ومرحلة انتقالية أخرى باعتبارها امتداداً لتجارب سابقة لم تحقق النتائج المرجوة، في حين يرى آخرون أن حكومة موحدة قد تمثل فرصة للعبور نحو الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
وشدد الشارف، على دعمه الكامل لفكرة توحيد مؤسسات الدولة الليبية، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لتوحيد المؤسسة العسكرية باعتبارها العقدة الأساسية التي ما زالت تعيق أي تسوية سياسية شاملة.
كما أوضح أن الحوار المهيكل لم يقدم حلولاً واضحة لمعالجة الخلافات المتعلقة بقيادة المؤسسة العسكرية أو هيكلتها أو تحديد الجهات المعترف بها داخلها.
وتساءل الشارف، عن الجهة التي ستتولى تشكيل الجيش الليبي الموحد، ومن سيحظى بالاعتراف الرسمي لقيادته، ومن سيكون رئيس الأركان أو القائد العام، معتبراً أن هذه الملفات لا تزال من دون معالجة حقيقية رغم أهميتها البالغة في أي مشروع لبناء الدولة.
وأشار إلى أن المشهد الليبي أظهر في مناسبات عديدة قدرة الأطراف المتخاصمة على الاجتماع والتواصل، مستشهداً بلقاءات ومشاهد جمعت شخصيات كانت على خلاف وصراع سابق، وهو ما يدل على إمكانية الوصول إلى تفاهمات إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية.
ورأى الشارف، أن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، يمثل المدخل الحقيقي لحل الأزمة، غير أن استمرار النفوذ والانقسام داخل المؤسسة العسكرية بين شرق البلاد وغربها ما زال يشكل عقبة رئيسية أمام أي تقدم سياسي.
كما اعتبر أن عدداً من الأطراف السياسية والمؤسسات القائمة حالياً، سواء في الشرق أو الغرب، تستفيد بشكل مباشر من استمرار الوضع الراهن، بما في ذلك الحكومات المتنافسة ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، مشيراً إلى وجود أطراف خارجية لها أيضاً مصالح مرتبطة باستمرار حالة الانقسام.
واختتم الشارف، حديثه بالتأكيد على أن الحوار المهيكل لم يقدم جديداً حقيقياً للأزمة، بل كرّس واقع الخلافات القائمة، موضحاً أن الانقسامات لم تقتصر على الأطراف السياسية فحسب، بل امتدت إلى المشاركين في الحوار أنفسهم الذين اختلفوا حتى حول المخرجات والتوصيات النهائية، وهو ما يعكس حجم الانقسام الحقيقي الذي ما زال يطبع المشهد الليبي حتى اليوم.









