إسماعيل: الحوار المهيكل يعيد إنتاج الأزمة والحل في دستور دائم وانتخابات

قال الباحث في الشؤون السياسية والقانونية، الدكتور محمود إسماعيل، إن المشهد السياسي الليبي شهد خلال السنوات الماضية العديد من المبادرات والحوارات السياسية، إلا أن معظمها لم ينجح في إحداث تغيير جوهري أو الوصول إلى نتائج قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
وشكك إسماعيل، خلال مداخلة على قناة “التناصح”، رصدتها “الساعة24″، في قدرة الحوار المهيكل ومخرجاته على إحداث اختراق حقيقي في المشهد السياسي الليبي، معتبرًا أن الأزمة الليبية لا تعاني من نقص في الحوارات أو التوصيات بقدر ما تعاني من غياب الإرادة اللازمة لتنفيذ الحلول ومعالجة جذور الإشكاليات القائمة.
وأضاف أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في إنتاج مزيد من التوصيات أو عقد مزيد من الاجتماعات، وإنما في القدرة على توصيف المشكلات الحقيقية ووضع استراتيجيات واضحة لمعالجتها، مشيرًا إلى أن ليبيا تمتلك مقومات الدولة لكنها لا تزال تواجه تحديات سياسية ومؤسسية معقدة.
ورأى إسماعيل، أن مخرجات الحوار المهيكل لن تختلف كثيرًا عن نتائج الحوارات السابقة ما لم تُرفق بآليات تنفيذ حقيقية وإرادة سياسية قادرة على تحويل التوصيات إلى خطوات عملية.
وانتقد إسماعيل، استمرار اللجوء إلى الحلول الانتقالية، معتبرًا أن ليبيا تحتاج إلى الانتقال نحو إطار دستوري مستقر يحدد شكل الدولة ومؤسساتها وآليات تداول السلطة بدلًا من الاستمرار في إنتاج ترتيبات مؤقتة جديدة.
كما أثار إسماعيل، تساؤلات حول الأساس القانوني والشرعية التي تستند إليها بعض الأجسام واللجان السياسية المطروحة ضمن المبادرات الحالية، مشيرًا إلى أهمية الاحتكام إلى الإرادة الشعبية في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل البلاد.
واعتبر أن طرح مئات التوصيات السياسية لا يمكن أن يكون بديلًا عن معالجة المسألة الدستورية بصورة مباشرة، مؤكدًا أن الاستفتاء على دستور دائم أو التوافق على إطار دستوري واضح يمثل المدخل الأساسي لإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة.
وأشار إسماعيل، إلى أن أي عملية سياسية ناجحة ينبغي أن تنطلق من معالجة الملفات الجوهرية المرتبطة ببناء الدولة وتوحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار الأمني، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات مرحلية قد تؤدي إلى إطالة أمد الأزمة.
ودعا إلى فتح نقاش وطني شامل حول شكل الدولة ونظام الحكم ومستقبل الإدارة المحلية وتوزيع الصلاحيات، بما يضمن الحفاظ على وحدة ليبيا ويعزز المشاركة السياسية والتنمية المتوازنة بين مختلف المناطق.
ورأى إسماعيل، أن الأزمة الليبية لا يمكن اختزالها في الترتيبات السياسية وحدها، بل تتطلب معالجة متوازية للملفات الأمنية والمؤسسية والاقتصادية، مع ضرورة وجود رؤية وطنية جامعة تنطلق من مصالح الليبيين بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
وأشار إلى أن أي مبادرة سياسية لن تحقق النجاح ما لم تستند إلى توافق وطني حقيقي وإلى قاعدة دستورية واضحة تحظى بقبول شعبي، معتبرًا أن إنهاء حالة الانقسام يتطلب حلولًا جذرية تعالج أسباب الأزمة لا نتائجها فقط.
وفي سياق تقييمه للمسارات السابقة، قال إسماعيل، إن التجارب السياسية منذ اتفاق الصخيرات وما تلاه من مسارات حوار مختلفة أظهرت محدودية قدرة الحلول الانتقالية على معالجة الأزمة بصورة جذرية، مشيرًا إلى أن المخرجات المتكررة تسير في الاتجاه ذاته عبر إنتاج ترتيبات جديدة دون ضمانات تنفيذ واضحة.
وأضاف أن التحدي الأساسي لا يكمن في صياغة التوصيات، بل في وجود آليات عملية قادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، موضحًا أن الفجوة بين التفاهمات السياسية والتطبيق الفعلي ما زالت قائمة.
وأشار إلى أن القضايا الجوهرية المرتبطة بالدستور والشرعية الشعبية لا تزال غائبة عن أولويات بعض المسارات السياسية، معتبرًا أن العودة إلى الشعب عبر الاستفتاء على دستور دائم تمثل المدخل الطبيعي لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وانتقد إسماعيل، استمرار التركيز على الترتيبات الانتقالية بدلًا من معالجة القضايا الأساسية المتعلقة ببناء الدولة وتوحيد المؤسسات، معتبرًا أن إطالة أمد هذه المراحل أسهمت في تعقيد الأزمة.
وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب رؤية وطنية شاملة تنطلق من مصالح الدولة والمواطنين، مع وضع جدول زمني واضح لإنهاء المراحل الانتقالية والوصول إلى مؤسسات منتخبة تستند إلى قاعدة دستورية مستقرة.
وفيما يتعلق بدور البعثة الأممية، دعا إسماعيل، إلى إعادة تنظيم العلاقة معها بما يضمن دعم المسار الوطني دون أن تتحول المبادرات الدولية إلى بديل عن الإرادة الليبية أو المؤسسات الوطنية.
وشدد على ضرورة معالجة الملفات الأمنية والعسكرية بالتوازي مع المسار السياسي، معتبرًا أن توحيد المؤسسات السيادية يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار وإنجاح أي عملية سياسية.
وأضاف أن الأزمة لا يمكن حلها من خلال تمديد الأجسام القائمة أو إنشاء أجسام جديدة، وإنما عبر حلول دائمة تستند إلى الدستور والانتخابات والاحتكام إلى الإرادة الشعبية باعتبارها مصدر الشرعية.
ورأى إسماعيل، أن مستقبل ليبيا يجب أن يقوم على مشروع وطني جامع يؤسس لمرحلة جديدة قوامها المؤسسات المنتخبة وسيادة القانون وإنهاء الانقسام السياسي. معتبرا أن المسار الحالي لا يمثل طريقًا حقيقيًا نحو الانتخابات بقدر ما يعكس محاولة لإعادة إنتاج المشهد وتمديد المرحلة الانتقالية بصيغ جديدة.
وقال إن المقاربات الدولية والأممية لا تقدم حلولًا عملية بقدر ما تعيد تكرار مسارات سابقة لم تحقق الاستقرار، مشيرًا إلى أن البعثة الأممية ينبغي أن تقتصر مهمتها على الدعم الفني دون التدخل في صناعة القرار.
ودعا إسماعيل، إلى تحديد أدوار واضحة بين الدولة الليبية والبعثة الأممية، مع التأكيد على أن أي عملية سياسية يجب أن تستند إلى الإرادة الشعبية وقواعد دستورية وقانونية واضحة.
وذكر أن المدخل الأساسي للحل يتمثل في حسم المسألة الدستورية عبر الاستفتاء الشعبي، سواء على مشروع الدستور المنجز أو أي خيارات يتم التوافق عليها ضمن إطار وطني.
ورأى أن استمرار المراحل الانتقالية أدى إلى إطالة الأزمة، داعيًا إلى خارطة طريق تنتهي بمؤسسات منتخبة على أساس دستوري واضح.
كما شدد إسماعيل، على ضرورة تحديد أطر زمنية لإنهاء الأجسام السياسية القائمة، بما يدفع الأطراف نحو حلول مستدامة. مشيرا إلى أن نجاح أي مبادرة يتطلب التركيز على مصالح الدولة والمواطنين بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو محاولات إدارة الوضع القائم.
وأضاف أن الحوار المهيكل تضمّن عددًا كبيرًا من المقترحات، إلا أن التحدي الحقيقي يبقى في مدى قابليتها للتنفيذ وقدرتها على معالجة جذور الأزمة.
وأكد أن الليبيين هم أصحاب الحق الأصيل في تقرير مستقبل الدولة، وأن أي مسار لا يستند إلى إرادتهم سيظل محل جدل وانقسام.
واختتم إسماعيل، بالتأكيد على أن الطريق الأقصر نحو الاستقرار يتمثل في إنهاء المرحلة الانتقالية عبر قاعدة دستورية واضحة وانتخابات حرة، بما يتيح بناء مؤسسات دائمة ويضع حدًا لحالة الانقسام المستمرة في البلاد.









